1. youtube






ﻫـﻞ ﻳـﺜـﺎﺏ ﺍﻟـﻨـ... [ الكاتب : أم عبد الرحمن الجزائرية - آخر الردود : أم عبد الرحمن الجزائرية - عدد الردود : 0 - عدد المشاهدات : 1 ]       »     خطبتي (آية الكرسي وبراهين التوحيد) الجمعة 27 صفر 1436هـ الموافق 19-12-... [ الكاتب : أبو همام أحمد إيهاب - آخر الردود : أبو همام أحمد إيهاب - عدد الردود : 0 - عدد المشاهدات : 16 ]       »     خطبتي (آية الكرسي وبراهين التوحيد) الجمعة 27 صفر 1436هـ الموافق 19-12-... [ الكاتب : أبو همام أحمد إيهاب - آخر الردود : أبو همام أحمد إيهاب - عدد الردود : 0 - عدد المشاهدات : 16 ]       »     ملف تحريم الاحتفال بأعياد النصارى"عيد رأس السنة"( فتاوى شرعية - محاضرا... [ الكاتب : أم عبد الرحمن الجزائرية - آخر الردود : أم عبد الرحمن الجزائرية - عدد الردود : 14 - عدد المشاهدات : 635 ]       »     فوائد منتقاة ومتنوعة [ الكاتب : أسامة بن عطايا العتيبي - آخر الردود : أسامة بن عطايا العتيبي - عدد الردود : 2 - عدد المشاهدات : 757 ]       »     هل الذي يقرأ القرآن ويرتله دون حفظ داخل في حديث ((يقال لقارئ القرآن اق... [ الكاتب : أبو عبد الرحمن الجزائري - آخر الردود : أبو عبد الرحمن الجزائري - عدد الردود : 0 - عدد المشاهدات : 255 ]       »     الرد على من يعارض الأدلة بعقله للشيخ مقبل الوادعي رحمه الله [ الكاتب : أبو عبد الرحمن الجزائري - آخر الردود : أبو عبد الرحمن الجزائري - عدد الردود : 0 - عدد المشاهدات : 277 ]       »     من البلاء عدم العمل [ الكاتب : أم أيمن السلفية - آخر الردود : أم أيمن السلفية - عدد الردود : 0 - عدد المشاهدات : 300 ]       »     لماذا نحرم الرزق [ الكاتب : أم أيمن السلفية - آخر الردود : أم أيمن السلفية - عدد الردود : 2 - عدد المشاهدات : 576 ]       »     البطاقات الدعوية...قيل لأعرابية: ما الجُرْح الذي لا يَنْدَمِل ؟ قالت: ... [ الكاتب : أم عبد الرحمن الجزائرية - آخر الردود : أم عبد الرحمن الجزائرية - عدد الردود : 0 - عدد المشاهدات : 317 ]       »    

إذاعة ميراث الانبياء السلفية حقيقتها وسماتها الوصية بتعلم السنة والإستقامة عليها
الدليل السلفي شرح الأصول الثلاثة لمجموعة من المشايخ

درر ....فـوائـــد...أذكـــــار


منبر الفقه..شرح .. منبر خاص بشروحات فقهية متعددة

إضافة رد
  #1  
قديم 05-09-2012, 22:43:31 PM
الصورة الرمزية أبو عمر عبد العزيز السلفي
أبو عمر عبد العزيز السلفي أبو عمر عبد العزيز السلفي غير متواجد حالياً
عضو مميز
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: خميسة/سوق أهراس
المشاركات: 488
Tefreegh تفريغات سلسلة: [شرح عمدة الأحكام للشيخ عبد الله البخاري -حفظه الله-]

الدرس الأوّل

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين، وصلى الله وسلّم وبارك على نبيّنا محمّد، وعلى آله وصحبه وسلّم، وبعد:
فهذا درسٌ نبدأه بإذن الله تعالى، ونسأله -عزّوجل- أن يتمّم لنا ولكم إنهاء هذا الكتاب وأن يبارك وأن يعيننا جميعا على إنهائه، إنّه جواد كريم؛ ولكن قبل أن أبدأ في شرح هذا الكتاب، هناك ثمّة أمور أرغب في أن أنبّه بها بين يدي هذا الشّرح، وهذا الكتاب
الأوّل منها تنبيه يقال بين معكوفتين نظرا لقرب الامتحانات، لعلّها يوم السّبت، نعم، فرغب الإخوة أن لو بُدِئ بالدّرس عقب الامتحانات لاشتغالهم، وهذا عذرٌ وجيه؛ ولكن رغبنا أن يكون هذا الدّرس تمهيدا للشّرح الذي سيكون -إن شاء الله- عقب العودة إلى الدّراسة -بإذن الله تعالى-، بعد الدّراسة في الأسبوع الأوّل أو الثّاني منه.
فيناسب في هذا المقام أن نتكلّم حول بعض المسائل المعتلّقة بأحاديث الأحكام وما يتعلّق بسنّة رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلّم-؛ لأنّ ما سيأتي مبنيٌّ عليها والذّكرى تنفع المؤمنين، هذا أوّلا.
وأمّا ثانيا فرغبت أن يكون الكلام حول هذه المسائل في نقاط، أقول في نقاط مهمّة يحسن التّذكير بها

أوّلها في بيان معنى السنّة؟

والسنّة أيّها الأحبّة لغة تُطْلَق ويراد بها السّيرة حسنة كانت أو قبيحة
وتُطْلَق أيضا السنّة على الطّريقة، حسنة كانت أم قبيحة، وهي مأخوذة من السَّنَن وهو الطّريق
هذا من حيث المأخذ اللّغوي
أمّا من حيث الاصطلاح فعند جماهير أهل الحديث :" ما أضيف إلى النّبيّ -صلى الله عليه وآله وسلم-، السنّة :"هي ما أضيف إلى النّبيّ -صلى الله عليه وآله وسلم- من قول أو فعل أو تقرير أو صفة خَلْقِيَّة أو خُلُقِيَّة".

كلّ ما أُضيف إلى النّبي -عليه الصّلاة والسّلام- من قول أو فعل أو تقرير أو صفة خَلْقِيَّة أو خُلُقِيَّة يُسَمَّى عند أهل الحديث :سنّة

السنّة لها إطلاقات، عرفنا الآن معنى السنّة؛ لكنّ للسنّة إطلاقات يرد لفظ السنّة ويراد منه إطلاقات معيّنة
مثلا من إطلاقات السنّة قد ترد لفظة السنّة ويراد منها معًى معيّن
فأوّل تلك الإطلاقات إذا وردت لفظ السنّة في كلام رسول الله -عليه الصلاة والسلام- أو الصّحابة وأئمّة السّلف، فإنّ المراد بها كلّ ما جاء في الكتاب والسنّة.
أو يراد منها المعنى الشّرعي العام على الأحكام سواء كانت عمليّة أو علميّة، المعنى الشّرعي العام الــمُشْتَمِل على الأحكام سواء كانت عمليّة أو علميّة
مثاله : تعلمون الثّلاثة الذين قطعوا على أنفسه لمّا سألوا عن عبادة رسول الله -عليه الصلاة والسلام- فأُخْبِروا بعبادته وإلى آخره فقال احدهم:"أمّا أنا فأصوم ولا أفطر"، وأمّا الثّاني فقال :"لا أتزوّج النّساء" إلى آخره، فلمّا بلغ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هذا الكلام نبّه على ذلك وفي ختم التّنبيه قال :"فــمَنْ رغب عن سنّتي فليس منّي" بمعنى : ما جئت به، وما جاء به هو ما أوحاه الله -عزّوجل- عليه من الكتاب وكذا السنّة؛ لأنّ السنّة وحي كما أنّ القرءان وحي قال الله -عزّوجل- { وما ينطق عن الهوى } [النجم/3] { إن هو إلا وحي يوحى } [النجم/4]
وقال لعبد الله بن عمرو كما في البخاري :"اُكْتُب فوالذي نفس محمّد بيده لا يخرج من هذا أو من فيّ إلّا حقّا"
إذًا هذا المعنى أو هذا الإطلاق الأوّل قد ترد السنّة في كلام رسول الله عليه الصّلاة والسّلام أو الصّحابة أو أئمّة السّلف، فهذا المعنى أو هذا المراد منها
الإطلاق الثّاني أنّها تُطْلق في مقابل البدعة وعمل الصّحابة، وهذا يبيّنه لك حديث العرباض بن ساريّة -رضي الله تعالى عنه- :"وعظنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- موعظة بليغة ..." إلى آخره، وقال فيها -عليه الصلاة والسلام- :"فعليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الرّاشدين من بعدي، تمسّكوا بها" الحديث؛ لأنّ ما يقابل هذا هو البدعة، وضح؟
وقبل أن ننتقل إلى الإطلاق الثّالث تقرؤون في كتب التّراجم والسّير مثلا قال :"فلان على السنّة"، أو "فلان متّبع للسنّة" والمراد بها أنّه على السنّة في مقابل البدعة، يعني متّبع غير مبتدع، وضح؟.

الإطلاق الثّالث : تطلق السنّة في مقابل الفرض والمستحبّ والمندوب، وهذا هو إطلاق الفقهاء -رحمهم الله تعالى- فهي عندهم أحد الأحكام التّكليفيّة الخمسة.

الإطلاق الرّابع : تُطْلق السنّة ويراد منها دليل من أدلّة الأحكام، وأصل من أصول الشّريعة، مثاله : يقال هذه المسألة دلّ عليها الكتاب والسنّة والإجماع، فإذن المراد بالسنّة هنا أنّها أصل ودليل من أدلّة الشّرع.
هذه الإطلاقات كما ترون في الإطلاقات التي تُطْلَق على السنّة
قلنا إطلاق المحدّثين للفظ السنّة : ما أُضِيف إلى النّبي -عليه الصلاة والسّلام- من قول أو فعل أو تقرير أو صفة خَلْقِيَّة أو خُلُقِيَّة
أمّا أهل الفقه أو الأصول فلا يدخلون الصفات الخَلْقِيَّةولا الخُلُقِيَّة، ما أُضيف إلى النّبي -عليه الصلاة والسلام- من قول أو فعل أو تقرير
فأيّهما أشمل؟
نقول إطلاق أهل الحديث أشمل، وأعمّ
لماذا؟
لأنّ أهل الحديث غرضهم هو جمع ما جاء عن رسول الله -عليه الصّلاة والسلام- في شأنه كلّه
لماذا؟
لأنّه الأسوة والقدوة قال الله -عزّوجل- { لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا } [الأحزاب/21]
إذا جمع أهل الحديث هذه المعاني عن رسول الله -عليه الصلاة والسلام- بعد أن جُمِعَت وجمعوها نقلوها إلى النّاس، سواء هذا المنقول أثبت حكما شرعيّا، أم لم يثبت حكما شرعيّا، دلّ على فضل أو نحو ذلك
أمّا الأصوليّون ومن جرى مجراهم فإنّهم يبحثون عمّا تثبت به الأحكام، ولهذا لم يُدْخِلوا الصّفة في حدّ السنّة، وضح أيها الإخوة؟
إذًا عرفنا هذه النّقطة الأولى في بيان معنى السنّة، أنت تدرس أو سندرس بإذن الله كتابا في أحاديث الأحكام عن النبي -عليه الصّلاة والسّلام- أي عن سُنَنه -عليه الصّلاة والسلام- وما ثبت عنه -عليه الصلاة والسلام-، فلابدّ أن نعلم معنى السنّة.

النّقطة الثّانية هذه الشّريعة التي جاء بها النّبي -عليه الصّلاة والسّلام- شريعة كاملة، بماذا تتّصف هذه الشّريعة؟
تتّصف بثلاث صفات :
الكمال
العموم
البقاء
يقول الله -جلّ وعلا- {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا} [المائدة/3]
وجاء عند البخاري في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله تعالى عنهما- في صفة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في التّوراة قال فيها عطائب بن السّائب لقي عبد الله بن عمرو بن العاص قال له :"صف لي رسول الله صلى الله عليه وسلم في التّوراة" لأنّ عبد الله بن عمرو كان عنده علم الكتاب
قال نعم:"إنّه لموصوف في التّوراة ببعض وصفه في القرءان" أو كما قال -رضي الله تعالى عنه- وفيه، وفي هذا الوصف، الحديث فيه طول قوله :"لن يقبضه الله حتّى يقيم به الملّة العوجاء"الحديث، فهذا دليل على أنّ النّبي -عليه الصلاة والسلام- ما مات حتّى أكمل الدّين وأتمّه
فالله -عزّوجل- قد شهد في كتابه أنّه -عليه الصلاة والسلام- أكمل الدّين اليوم {أكملت لكم دينكم} [المائدة/3]
وجاء في حديث عند مسلم من حديث جابر -رضي الله عنه- أنّ رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- قال :"تركت فيكم مالن تضلّوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله، وأنتم تُسْألون عنّي فماذا أنتم قائلون؟" يسأل الصّحابة
فقالوا :" نشهد أنّك قد بلّغت وأدّيت ونصحت" فقال بأصبعه السّبابة يرفعها إلى السّماء وينكتها إلى النّاس فيقول :"اللهمّ اشهد، اللهمّ اشهد" ثلاث مرّات.
فأنت ترى أنّ الصّحابة -رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم- وكانوا نحوًا -في هذا المشهد-، يقول ابن كثير -رحمه الله- كانوا في هذا الموقف نحوًا من أربعين ألفا، كلّهم شهدوا بهذا، شهد له خير القرون بأنّه نصح وأدّى وبلغ"
وشهد له قبل ذلك الله -عزّوجل- بأنّه أكمل الدّين وأتمّه، فهذه شريعة كاملة عامّة باقيّة
استمع إلى كلام عظيم حقيقة للإمام ابن القيّم -رحمه الله- في الإعلام إعلام الموقّعين في الرّابع منه صفحة ثلاثمائة وستّ وسبعين في بيانه لكمال هذه الشّريعة، حقيقة كلام يُكتب بماء العينين، عظيم جدّا في بيان كمال الشّريعة
قال -رحمه الله- :"وهذا الأصل من أهمّ الأصول وأنفعها أن تعلم أنّ هذه الشّريعة كاملة تامّة عامّة شاملة باقيّة، وهو مبنيّ على حرف واحد وهو عموم رسالته -صلى الله عليه وسلّم- إلى كلّ ما يحتاج إليه العباد، في معارفهم، وعلومهم، وأعمالهم، وأنّه لم يُحْوِج أمّته إلى أحد بعده، وإنّما حاجتهم إلى مَنْ يُبَلّغهم عنهم ما جاء به، فلرسالته عمومان محفوظان لا يتطرّق إليها تخصيص"
أوّل العمومات قال :"عموم بالنّسبة إلى الــمُرْسَل إليهم، وعموم بالنّسبة إلى كلّ ما يحتاج إليه مَنْ بُعِث إليه في أصول الدّين وفروعه، فرسالته كافيّة شافيّة عامّة لا تُحْوِج إلى سواها" ما نحتاج إلى قوانين وضعيّة، ولا إلى غير ذلك.
"فرسالته كافيّة شافيّة عامّة لا تُحْوِج إلى سواها، ولا يتمّ الإيما نبه إلّا بإثبات عموم رسالته في هذا وفي هذا" في الجانبين
"فلا يخرج أحدٌ من المكلّفين عن رسالته، ولا يخرج نوعٌ من أنواع الحقّ الذي تحتاج إليه الأمّة في علومها، وأعمالها عمّا جاء به" الخير كلّه في ماجاء به -عليه الصّلاة والسّلام-
"وقد توفيّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم - وما طائر يُقَلِّب جناحيه في السّماء إلّا ذكر للأمّة منه علما، وعلّمهم" استمع الكلام الآن
قال :" وعلّمهم كلّ شيء -عليه الصلاة والسلام- حتّى آداب التخلّي، وآداب الجماع، والنّوم، والقيام، والقعود، والأكل والشّرب، والرّكوب، والنّزول، والسّفر، والإقامة، والصّوت، والكلام، والعزلة والخلطة، والغنى والفقر، والصحّة والمرض، وجميع أحكام الحياة والموت، ووصف لهم العرش والكرسي، والملائكة والجنّ، والنّار والجنّة، ويوم القيامة، وما فيه حتّى كأنّه رأي العين، وعرّفهم -عليه الصّلاة والسلام- معبودهم وإلههم أتمّ تعريف حتّى كأنّهم يرونه ويشاهدونه بأوصاف كماله ونعوت جلاله، وعرّفهم الأنبياء وأممهم، وما جرى لهم، وما جرى عليهم معهم، حتّى كأنّهم كانوا بينهم، وعرّفهم من طرق الخير والشرّ دقيقها وجليلها ما لم يُعَرِّفه نبيٌّ لأمّته قبله، وعرّفهم -صلى الله عليه وسلم- من أحوالا لموت وما يكون بعده في البرزخ، وما يحصل فيه من النّعيم، والعذاب للرّوح والبدن، ما لم يُعَرِّف نبيٌّ غيره، وكذلك عرّفهم -صلّى الله عليه وسلّم- من أدلّة التّوحيد والنبوّة والمعاد والردّ على جميع فرق أهل الكفر والضلال ما ليس لمن عرفه حاجة من بعده، اللهمّ إلّا لمن يبلّغه إيّاه ويبيّنه ويوضّح منه ما خفي عليه، وكذلك عرّفهم -صلى الله عليه وسلم- من مكايد الحروب ولقاء العدوّ وطرق النّصر والظّفر ما لو علموه وعقلوه ورعوه حقّ رعايته لم يقم لهم عدوٌّ أبدا، وكذلك عرّفهم -صلى الله عليه وسلم- من مكايد إبليس وطرقه التي يأتيهم منها وما يتحرّزون به من كيده ومكره ما يدفعون به شرّه ما لا مزيد عليه، وكذلك عرّفهم -صلى الله عليه وسلم- من أحوال نفوسهم وأوصافها ودسائسها وكمائنها ما لا حاجة لهم معه إلى سواه، وكذلك عرّفهم -صلى الله عليه وسلم- من أمور معايشهم ما لو علموه وعملوه لاستقامت لهم دنياهم أعظم استقامة، وبالجملة فجاءهم بخير الدّنيا والآخرة برمّته، ولم يُحْوِجهم الله إلى أحد سواه، فكيف يُظَنُّ أنّ شريعته الكاملة التي ما طرق العالم شريعة أكمل منها ناقصة تحتاج إلى سياسة خارجة عنها تكملّها؟!! أو إلى قياس أو حقيقة أو معقول خارجي عنها؟!! ومَنْ ظنّ ذلك فهو كمن ظنّ أنّ بالنّاس حاجة إلى رسول آخر بعده -عليه الصلاة والسلام- وسبب هذا كلّه خفاء ما جاء به على مَنْ ظنَّ ذلك وقلّة نصيبه من الفهم الذي وفّق له أصحاب نبيّه -عليه الصّلاة والسّلام- الذين اكتفوا بما جاء به -عليه الصلاة والسلام- واستغنوا به عمّا سواه وفتحوا به القلوب والبلاد وقالوا هذا عهد نبيّنا إلينا وهو عهدنا إليكم" انتهى كلامه -رحمه الله وغفرله-.

فهذا كلامٌ عظيم، قل لي بربّك ما الذي بقي للنّاس يحتاجون معه، أقول بعد هذه المعرفة يحتاجون معها إلى غير معرفة هدي رسول الله -عليه الصلاة والسلام- في أقواله وأفعاله وتقريراته؟!!!
لاشكّ أن لا حاجة لهم إلى غير السنّة.

الوجه الثّالث -أيّها الأحبّة-: سبب عناية الأئمّة بأحاديث الأحكام

تقدّم معنا أنّ السنّة أصلٌ في الشّريعة، أوليس ذلك كذلك؟ أصل في الشريعة تقوم عليه الفتوى والفقه
قال عبد الله بن عمر لجابر بن زيد:"يا جابر إنّك من فقهاء البصرة، وإنّك تستفتى فلا تُفتيَنَّ إلا بقرءان ناطق أو سنّة ماضيّة، فإنّك إن فعلت ذلك وإلّا هلكت وأهلكت" أخرجه الحافظ الخطيب البغدادي -رحمه الله- في الفقيه والمتفقّه
ولهذا نجد أنّ الأئمّة -رحمهم الله- ذكروا في شروط المجتهد -نعم- أن يكون عارفا بالسنّة، والمراد بالسنّة التي يراد منه معرفتها معرفته بأحاديث الأحكام وإلمامه بأحاديث الأحكام دون ما سواها من الأحاديث
وعليه فلابدّ لمن يحتجّ بحديث في الحلال والحرام وفي الأحكام أن يكون هذا الحديث دائرا في حيّز القبول، يقول الحافظ النّووي -رحمه الله- في كتابه خلاصة الأحكام:"ينبغي لكلّ أحد أن يتخلّق بأخلاق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ويقتدي بأقواله وأفعاله وتقريره في الأحكام والآداب وسائر معالم الإسلام، وأن يعتمد في ذلك ما صحّ ويجتنب ما ضعف، ولا يُعْتَدُّ بمخالف السُّنن الصّحيحة، ولا يُقَلّد معتمدي الأحاديث الضّعيفة، فإنّ الله تعالى يقول { وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا } [المائدة/41] وقال تعالى { لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا } [الأحزاب/21]
وقال تعالى { قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم } [آل عمران/31]
فهذه الآيات وما في معناهنّ حثٌّ على اتّباعه -صلى الله عليه وسلم- ونهانا عن الابتداع والاختراع وأمرنا -سبحانه وتعالى- عند التّنازع بالرّجوع إلى الله والرّسول أي الكتاب والسنّة، وهذا كلّه في سنّة صحّت، أمّا ما لم يصح فكيف يكون سنّة؟!! وكيف يُحْكَم على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنّه قاله أو فعله من غير مسوّغ لذلك؟!! ولا تُعِيرنّ لكثرة المتساهلين في العلم والاحتجاج في الأحكام بالأحاديث الضّعيفة"
أي لا تغترّ
"وإن كانوا مصنّفين أئمّة في الفقه وغيره، وقد أكثروا من ذلك، ولو سُئِلوا عن ذلك" يعني هل يجوز الاحتجاج بالأحاديث الضّعيفة ؟
"لأجابوا بأنّه لا يُعْتَمد في ذلك على الضّعيف" يعني تناقضوا، كما ذكر أبو شامة -رحمه الله- في كتابه الردّ المؤمّل إلى الأمر الأوّل
فهذا من التناقض، وقد نصحك -رحمه الله- في هذه النّصيحة القيّمة.

الوجه الذي يليه : المراد بأحاديث الأحكام
المراد بأحاديث الأحكام والتّصنيف فيها




لا يخفى عليكم أيّها الأحبّة فيما مرّ سرده فيما جاء عن النبي -عليه الصلاة والسلام- لم يترك لنا خبرا من خير إلّا ودلّنا عليه ولا شرّا إلا حذّرنا منه -عليه الصلاة والسلام-، جاءنا بالحنيفيّة السّمحة
  • فنشط الصّحابة -رضي الله تعالى عنهم- كان منهم من يكتب السنّة ومنهم مَنْ لا يكتب وممّ، كان يكتب عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنه- كما حكى ذلك أبو هريرة -رضي الله تعالى عنه- حكى أنّه كان يكتب وهو لا يكتب كما في البخاري، فالصّحابة كانوا يدوّنون كلّ ما ينطق به -عليه الصلاة والسلام-؛ لأنّه الأسوة والقدوة .
  • ثمّ حمل الصّحابة ما حفظوه ودوّنوه إلى مَنْ جاء بعدهم من التّابعين، وطار الصّحابة ومَنْ جاء بعدهم من التّابعين في الآفاق، وخرجوا إلى البلدان معلّمين، مربّين، داعين إلى الهدى والحقّ، فخُشِي على السنّة من الضّياع والذّهاب، فجمع بعض أهل العلم المصنّفات والكتب في سنّة رسول الله -عليه الصّلاة والسّلام- ومن أوائل مَنْ جمع الإمام ابن شهاب الزّهري -رحمه الله تعالى- وابن جريج، وغيرهم من الأئمّة والعلماء، ضمّنوا كتبا وصنّفوها.
هذه المؤلّفات كانت عامّة شاملة لما جاء عن رسول الله -عليه الصلاة والسلام-

  • ثمّ جاء بعدهم أئمّة ألّفوا مؤلّفات، منهم مَنْ أطلق عليها المصنّفات، ومنهم مَنْ أطلق عليها الموطّأ، ومنهم مَنْ قال الجوامع، وهكذا في تنويع
والمراد أنّ الموطَّآت هي الكتب التي جمعت أحاديث رسول الله -عليه الصلاة والسلام- وتضمّ بين جنباتها أيضا الموقوف، وبعضها من البلاغات المقطوعة؛ لكنّه مرتّبة على الأبواب الفقهيّة

والمصنّف بابه كباب الموطّأ، المصنّفات موضوعها كموضوع الموطّآت، مرتّبة على الأبواب الفقهيّة

الجوامع مرتّبة على الأبواب الفقهيّة ولكن فيها زياداتن فيها مثلا في التّفسير، في الزّهد، في الجنّة والنّار وغير ذلك، والرّقائق
فمن هذه الكتب الموطّأ للإمام مالك وغيره، وكذلك المصنّف لابن أبي شيبة ولعبد الرزّاق
ومن الجوامع الجامع لعمر بن راشد، والجامع الصّحيح للإمام البخاري، وجامع الإمام الترمذي، وهكذا
من هؤلاء الأئمّة مَنْ شرط الصحّة، ومنهم مَنْ لم يشترط الصحّة

كذلك من الكتب التي صُنِّفت السُّنن، كذلك هي مرتّبة على الأبواب الفقهيّة؛ ولكن فيها بعض الزيادات ككتاب السنّة ونحو ذلك.

  • بعد مُضِيَّ هذه الحقبة من الزّمن وأُلِّفت في ذلك الوقت المسانيد والمعاجم والأجزاء وإلى آخره، احتاج النّاس بعد ذلك بعد ذهاب تلك الحقبة من الزّمن إلى كتب أخرى صُنِّفت وجمعت وأوعبت، ككتب الحافظ البهقي -رحمه الله-، السّنن الكبير، أو السّنن الكبرى، ومعرفة السّنن والآثار، وغيرها، وتنوّعت بعضهم صبّ اهتمامه في باب معيّن كمختلف الحديث، مثل شرح معاني الآثار للإمام الطّحاوي، وهكذا.
  • بعد هذا القرن الخامس صار هناك فتور يسير في التّصنيف، انبرى العلماء إلى شرح تلك الكتب التي كُتِبت فجاءت الشروحات على صحيح الإمام مسلم وعلى صحيح الإمام البخاري، وعلى سنن أبي داود، وعلى جامع الإمام التّرمذي، وهكذا، اعتنى بعض العلماء بهذا وهذا وهذا وكلٌّ بحسبه مقلٌّ ومستكثر.
  • فجاءت فترة من الفترات ظهرت كتب في التّصانيف ومؤلّفات في التّصنيفات تُعْنى بأبواب معيّن وسَنَنٍ معيّن ونسق معيّن ومن تلك المؤلّفات التي ظهرت كتب الأحكام، يعني الكتب التي جمعت الأحاديث التي تُبْنى عليها الأحكام، أحكام الحلال والحرام، الأحاديث التي تُبْنى عليها أحكام الحلال والحرام
هذه المؤلّفات هي مقتبسة وهي امتداد لما قلناه، كتب السُّنن أو الموطّآت أو الجوامع، قلنا أنّها مرتّبة على الأبواب الفقهيّة، هذه الكتب التي جمعت أحاديث الأحكام أيضا مرتبّة على الأبواب الفقهيّة، رُتِّبت على الأبواب الفقهيّة
المؤلّفون في كتب أحاديث الأحكام لهم طرق في التّصنيف: منهم مَنْ أطال، ومنهم مَنْ اختصر، ومنهم مَنْ توسّط
فمنهم مَنْ أطال كتب أحاديث الأحكام وجمعها ولكنّه أطال ككتاب المنتقى للمجد ابن تيميّة يُعْتَبَر من كتب أحاديث الأحكام المطوّلة
وأطول منه كتاب السّنن والأحكام عن المصطفى -عليه الصلاة والسلام- للضّياء المقدسي صاحب المختارة، كتاب عظيم يزيد عن ستّة آلاف حديث؛ ولكنّه لم يتمّ الكتاب -رحمه الله- حتّى أبواب الجهاد وكتاب الجهاد؛ لكنّه كتابٌ موسّعٌ وعظيم، اعتنى فيه صاحبه بالألفاظ، ومَنْ روى الحديث، وذكر بعض العلل، وغير ذلك
فإذن هناك كتب مطوّلة ومنها كتاب المنتقى، وكتاب السّنن والأحكام عن المصطفى عليه الصلاة والسلام.
ومنهم مَنْ توسّط ومثال هذا ككتاب الإلمام للحافظ ابن دقيق العيد -رحمه الله تعالى- نحو من ألف وثلاثمائة ونيّف، ما بين الثلاثمئة والأربعمئة على حسب التّرقيم، وإن كانت النّسخة غير دقيقة المطبوعة
ونحوه أيضا في مرحلته كتاب الحافظ ابن عبد الهادي -رحمه الله تعالى- المسمّى بالمحرّر كذلك
وفي هذه الطّبقة أيضا كتاب بلوغ المرام من أدلّة الأحكام للحافظ ابن حجر العسقلاني -رحمه الله-
ومنهم مَنْ اختصر ومنهم صاحبنا الحافظ عبد الغني المقدسي -رحمه الله- في كتابه "عمدة الأحكام"، وأحاديثه نحوًا من أربعمائة وواحد وعشرين، ومن أهل العلم مَنْ يقول خمسمائة حديث ونحو ذلك، المهمّ في المائة الخامسة، فهذه مختصرة.
وهؤلاء المصنّفون منهم مَنْ شرط الصحّة، وأن لا يُخَرِّج إلا ما اتّفق عليه الشّيخان كصاحبنا
ومنهم مَنْ يذكر الصّحيح وغير الصّحيح كالكتب تلك التي ذكرناها
ومنهم مَنْ يُعَلِّل ويتكلّم كالحافظ المرداوي -رحمه الله- المقدسي المتوفّى سنة تسع وستين وسبعمائة في كتابه الانتصار في أحاديث الأحكام أو الذي طُبِع باسم كفاية المستقنع لأدلّة المقنع، كتاب نفيس عظيم سار فيه على ترتيب ابن قدامة -رحمه الله- لكتابه المقنع، وكأنّه تخريج لأدلّة المقنع؛ لكن يتكلّم عن الألفاظ وعن الأحاديث، وعن بعض الرّواة ويتكلّم حولهم جرحا وتعديلا ونحو ذلك.
ومثلهم أيضا الحافظ ابن عبد الهادي في كتابه المحرّر، وضح؟
هذه نُبْذة مختصرة عن المصنّفات في أبواب أحاديث الأحكام
أيضا يدخل في تصانيفهم بعضهم يذكر الموقوف وبعضهم يقتصر على المرفوع، وهكذا

الوجه الذي يليه : في عدد أحاديث الأحكام

نحن قلنا أنّ المصنّفات كثيرة، المصنّفات في هذا الباب عديدة، وقلنا هي امتداد ومن تلك المصنّفات أيضا الأحكام الكبرى والوسطى والصغرى لعبد الحقّ الإشبيلي، وكذلك كعمدة الأحكام الكبرى وكذلك عمدة الأحكام الصّغرى للمقدسي نفسه هذه، التي ندرسها نحن الصّغرى، وله عمدة الأحكام الكبرى
وكذلك الأحكام الكبرى والوسطى والصغرى لعبد الحق الإشبيلي -رحمه الله- المتوفى سنة خمسمائة وإحدى وثمانين من هجرة النّبي -صلى الله عليه وسلم-
أمّا عدد أحاديث الأحكام
سُئِل الإمام الشّافعي سؤالا : كم أصول الأحكام؟
قال له السّائل : كم أصول الأحكام؟
قال : خمسمائة، أصول الأحكام خمسمائة
قيل له : كم أصول السُّنَن؟
قال : خمسمائة
فقيل له : كم منها عند مالك؟ يعني كم من ذلك قد حصّل الإمام مالك؟
قال : كلّها إلّا خمسة وثلاثين حديثا
قيل له : كم عند ابن عُيَيْنة منها؟
قال : كلّها إلّا خمسة"انتهى من السّير. سير أعلام النّبلاء للحافظ الذّهبي.
الإمام أحمد -رحمه الله- يرى أنّ أصول أحاديث الأحكام ثمانمائة حديث
هنا روى الإمام أبو داود في رسالته إلى أهل مكّة قال :"وقد ألّفته نسقا على ما وقع عندي، فإن ذُكِر لك عن النبي -عليه الصلاة والسلام- سنّة ليس ممّا خرّجته فاعلم أنّه حديث واهٍ" على رأيه الإمام
"إلّا أن يكون في كتاب من طريق آخر فإنّي لم أُخَرِّج الطّرق لأنّه يكبر على المتعلّم" لم يستوعب يعني
"ولا أعرف أحدًا جمع على الاستقصاء غيري، وكان الحسن بن عليّ الخلال قد جمع منه قدر تسعمائة حديث"
إذًا من أهل العلم مَنْ رأى أصول الأحكام تسعمائة حديث
"وذكر" يعني الخلّال
"أنّ ابن المبارك قال : السُّنَن عن النبي -صلى الله عليه وسلم- نحو تسعمائة حديث، فقيل له : إنّ أبا يوسف قال : إنّها ألف ومائة"
إذًا منهم مَنْ يقول إنّها ألف ومائة
"قال ابن المبارك " أبو يوسف يأخذ بتلك الهنات من هنا وهنا، نحو الأحاديث الضّعيفة" يعني زاد على هذا العدد أحاديث لا ينتقي فيها
ومن أهل العلم كما ذكر الحافظ الشّوكاني في إرشاد الفحول منهم مَنْ عدّها نحوًا من ثلاثة آلاف حديث
والإمام أبو داود -رحمه الله- يرى أنّ أحاديث الأحكام التي بنى عليها السُّنَن نحوًا من أربعة ألاف وثمانمائة حديث
قال في خاتمة هذه الرّسالة:"فهذه الأربعة آلاف والثّمانمائة كلّها في الأحكام، فأمّا أحاديث كثيرة في الزّهد والفضائل وغيرها من غير هذا لم أُخَرِّج" ما يتعلّق بالزّهد والفضائل فإنّها كثيرة، ولم يُخَرِّجها
على كلّ حال هل هناك تباين إذًا؟
خمسمائة، ومنهم من يقول : ثمانمائة، ومنهم من يقول : تسعمائة، ومنهم : ألف ومائة، ومنهم : ألف ومائتين، ومنهم : ثلاثة آلاف، ومنهم : أربعة آلاف، ونحو ذلك
لا تناقض بينها، وجمعها لك وحرّرها في عبارة جميلة الإمام ابن القيّم -رحمه الله- في إعلام الموقّعين فقال : "أصول الأحكام التي يدور عليها نحو خمسمائة حديث وفرشها وتفاصيلها نحو أربعة آلاف حديث"الفرش البسط يعني، تفصيلها وتفتيتها وبسطها، تصل نحوًا من الأربعة آلاف حديث وبهذا يتّفق معك الكلام وترى أنّ الأئمّة -رحمهم الله- يسيرون في فلك واحد وليس بينهم تناقض -رحم الله الجميع وغفر لنا ولهم بمنّه وكرمه-.
ثمّ بهذا يكون قد أتينا عن البيان لما يتعلّق بإلماحة، هذه إلماحة حول أحاديث الأحكام وأصول السُّنن وبعض المؤلّفات في ذلك، وعدد هذه الأحاديث
نسأل الله -جلّ وعلا- أن يبارك لنا ولكم في الأعمال والأعمار والأوقات وأن يجعلها لوجهه خالصة، إنّه جوادٌ كريم وصلى الله على نبيّنا محمّد وآله وصحبه وسلّم.

وكما قلت أيّها الإخوة يعني هذه كلمة تذكيريّة بين يديها ما رغبت أن أبدأ في الشّرح ثمّ نقف، لكن نبدأ -إن شاء الله- مباشرة بعد العودة فنستمرّ -إن شاء الله تعالى-
نسأل الله -جلّ وعلا- أن يبارك لنا ولكم في الوقت.

*أسئلة الدّرس*

يقول السّائل : ما هي الطّريقة المثلى لإتقان الشّرح وضبطه وما هو الشّرح المعتمد؟ نرجوا النّصيحة في طلب العلم.
الجواب: لي محاضرة حاضرتها في مكّة باسم :"رسالة إلى طالب العلم" وتكلّمتُ فيها عن طريقة التدرّج في الطّلب، طريقة التدرّج في طلب العلم، مَنْ استعجل الأمر قبل أوانه عوقب بحرمانه، والتدرّج أيّها الأحبّة على نوعين:
تدرّج في الفنون
وتدرّج في الفنّ الواحد
ومن أجمل مَنْ تكلّم في وصف الطّريقة المثلى لــمَنْ أراد أن يتدرّج في الطّلب كلامٌ للعلّامة ابن خلدون -رحمه الله- في مقدّمته، تكلّم عن التدرّج وبالذّات تفصيله جاء عند كلامه عن التدرّج لطالب علم الحديث، وأختصر لك الكلام، وأعتصره
قال :"التدرّج على ثلاث مراحل : تدرّج أوّلي يقرأ الطّالب متنا على شيخه، هذا المتن يمرّ عليه مرورا، جهد الشّيخ فيه مع الطّالب فكّ بعض عباراته مثل شرح معاني الغريب، عرفتم؟ فكّ المعاني، الطُّهُور الطَّهور، الفرق بينهما، ويمضي من غير التّعليق، من غير تعليق، يعني مثل إعطاءك المعنى العام للحديثن وضح؟ طبعا هذه المرحلة يكون عندك الاستعياب استعياب محدود ، الحديث دلّ معناه على كذا، وضح؟
المرحلة الثّانية : أن يعيد قراءة هذا المتن على الشّيخ نفسه، طبعا هو يتكلّم عن ما يجب على الطّالب وعلى الشّيخ، هو يتكلّم عن الجهتين، أنّ الشّيخ يأتي للطّالب فيعطيه زيادة على ما تقدّم إلماحات وتنبيهات دقيقة تلفته إلى الأصول التي يدور عليها الحديث، يعني كما يقول مكامن القوّة في الحديث، سواء في الحديث أو في العبارة إذا كان متنا فقيّا أو حديثيّا أو أصوليّا أو غير ذلك.
قال :"ولا" حذّر تحذيرًا شديدًا وبالغا أن يستوعب الشّيخ مع الطّالب في المرلحة الأولى أو الثّانية التّفريعات، حذّر من التّفريعات؛ لأنّ هذه التّفريعات تشوّش عليه ولا تبني الطّالب، مشتّت؛ لأنّه يريد أن تبقى على أصل، الأصل ما هو؟
أن تفهم معنى الحديث، تستغلق عليك معان، تتبيّن معك في المرحلة التاليّة
المرحلة التاليّة المعنى عندك واضح؛ لكن هناك تدقيق، واضح؟
وذكر من مفاسد التّفريع أنّه يُشَتِّت الطّالب، ويشوّش عليه ويرهق المعلّم؛ لأنّ هذا يحتاج إلى جهد مضاعف حتّى يفهم ويستوعب، ما فهمت، تعيد مرّة ومرتين وثلاثة وأربعة ويأخذ الوقت، لماذا؟
هو يصوّر لك كأن العقل والقلب مثل الإناء، نقرّب لك مثل بيوت النّحل ، بيت النّحل مكوّن من خلايا؟؟
نعم، ما يمكن ابتداءا أن تُعَبِّأ كلّ الخلايا فتستوعبها الكلّ، إنّما الاوّل تجعل لها قاعدة أساسية تملأ شيئا منها والمرّة التّالية يسير حتّى تمتلئ كلّها
"إنّ هذه القلوب أوعيّة" يقول ابن مسعود في المصنّف لابن أبي شيبة "فاملؤوها بالقرءان ولا تملؤوها بغيره" حفظا وتفهّمًا وتعقّلا وتدبّرا ثم ّعملا ثم ّدعوة
فإذا ما شغلته وشتّته تشعّب الطالب وأُرْهق الأستاذ؛ لكن تصل إلى المرحلة الثّالثة من التّفتيت والتّدقيق ما أراحك في المرحلة الأولى والثّانية من إعادته وتكراره، وضح؟
وهذا أمرٌ واضح الله يرضى عليكم، الطلبة كلّهم يشتكون من مثل هذا، صحيح؟ هو كلّ سنة يمشي الحرم، ويأتي من الحرم، يأتي ماشي من ها الدّرس، ويأتي من ذاك الدّرس، وغير الحرم، صحيح؟ سنة واثنتين وثلاثة وأربعة وبعدين في الماجستير، وبعدين يظنّ أنّه في الدّكتوراة، يظنّ يعني خلاص حصّل، وإذا به تنفظه نفظا كثيرٌ منهم إلّا مَنْ رحم الله وعصم خواء، صحيح؟ لماذا؟
لأنّه ما أتى البيت من بابه جاءه من فوق {وأتوا البيوت من أبوابها} [النساء/15]
الزّهري نصح تلميذه يونس ابن عُبَيْد، هو يريد يحصّل هذا، يحصّل هذا، وجده هكذا فيه نهم قال :"يا بنيّ" سكّنه، شوف الخطاب اللّطيف كمان، "يابنيّ هذا العلم أوديّة وشعب" أوديّة، والوادي فيه شعب، فإذا دخلت الوادي تريد أن تقطع هذا الوادي تريد أن تمشي في هذا الشّعب، تمشي في هذا الشِّعب
قال :"قُطِعْت دون أن تبلغه" قُطِعت دون أن تبلغ شِعْبًا من تلك الشّعب فضلا عن أن تقطع الوادي
"ولكن خذه مع اللّيالي والأيّام"
والجلد بالجلد والحرمان بالكسل ... فانصب تُصِب عن قريب غاية الأمل لابدّ من الصّبر، ما يأتي
آفتان عظيمتان في طلب العلم، تنبّه!! لــمَنْ رُزِق الإخلاص والاتّباع؛ لكن هناك آفتان عظيمتان : الغفلة والعجلة، الاستعجال نبغى نمشي، نبغى ننتهي، هو هذا، صحيح؟
ما هكذا يا سعد تورد الإبل
فأقول :"قال له : خذه مع اللّيالي والأيّام" انظر إلى يونس بن عُبَيْد من أئمّة العلماء وحفّاظ الحديث وضبّاطه،صحيح؟
هذا هو الأصل في التّلقّي والتدرّج، ولذلك بلغوا رتبا عليّة
الإمام الشّافعي يقول :"حفظت القرءان وأنا ابن سبع سنين، وحفظت الموطّأ وأنا ابن عشر سنين" شوف كيف، إذا تأمّلت هذا الكلام كيف يعني؟!!
مع أنّ الإمام الشّافعي مات صغيرا، أربع وخمسين سنة، أصغر الأئمّة الأربعة عمرا، بين ولادته وبين ولادة الإمام أحمد أربعة عشرة سنة، وبين ولادة الإمام مالك وبين ولادة أبي حنيفة أربعة عشرة سنة
وأطولهم عمرا مالك عن خمس وثمانين سنة، سبع سنوات حفظ القرءان، عشر سنوات حفظ الموطّأ، خمسة عشرة كان يفتي، وألزمه شيوخه بالفتوى
قال تلميذه : ما علمت الشّافعيَّ إلّا يفتي وهو ابن خمسة عشر عاما ، وكان يحي اللّيل إلى أن مات، منذ أن تقلّد هذا المكان، يحي اللّيل إلى أن مات -رضي الله تعالى عنه-، هذا توفيق من الله -عزّوجل- فاحرص إذا أردت ان تسلك اسلك هذا السّبيل، لا تستعجل وإيّاك والغفلة، فهذه طريقة مختصرة للتلقّي، وضح؟
من المهمّ وطريقتنا -إن شاء الله- في الشّرح سنسلك الطّريقة المتوسّطة التي أشار إليها ابن خلدون بإذن الله، أو تريدون الأولى؟
المتوسّطة شوية ماشي؟ طيّب
على كلّ حال نأتي على الأولى ونعرّج قليلا على الثّانيّة، نجمع بين الأولى والثّانيّة، واضح؟
هذه ما يضرّك -والله - ماضرّك، لا يكون العالم عالم كما قال سفيان بن عيينة وقالها الإمام البخاري : لا ينبل الرجل حتّى يأخذ العلم ممّن هو فوقه، وممّ، هو دونه، وممّن هو معه.
على كلّ حال ثمّة مفاهيم قد غابت وتحتاج إلى إثارة وإلى تنبيه -بارك الله فيكم-.
أمّا عن الطّريقة المثلى لإتقان الشّرح مهمٌّ جدّا أن تبدأ أن تحفظ ما سيشرح لك؛ لأنّ أوائل العلم الحفظ، ثمّ الفهم، ثمّ العمل بهذا العلم
العلم يراد للعمل يقول الإمام بن القيّم : العلم يراد للعمل، كما أنّ العمل يراد للنّجاة
وأختصر لعلّ كتاب ابن خلدون ليس في أيديكم، هناك أيضا وصف دقيق ومختصر جدّا في أسطر، الطّريقة المثلى في الطّلب في التدرّج للعلّامة الشّيخ عبد الرّ؛من بن ناصر السّعدي في كتابه بهجة قلوب الأبرار وقرّة عيون الأخيار يشرح هذا عند -أظن- حديث :"المؤمن القويّ خيرٌ وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضّعيف، وفي كلّ خير" -إن لم تخنّي الذّاكرة- :" ذكر أن يتدرّج الطالب ومن أهمّ ما يكون أن يضبط المتن على أستاذ حاذق
قد تنهي؛ لكن على غير حاذق.
فنسأل الله للجميع التّوفيق.
ومن المهمّات أيها الأحبّة -وهذا أمرٌ نحتاجه دائما- كثرة اللّجأ إلى الله -عزّوجل- والضّراعة إليه، والإنكسار بين يديه، والدّعاء له -جلّ وعزّ- في الجلوات والخلوات أن يفتح عليك، وأن يرزقك الفهم والعلم النّافع المورث للعمل الصّالح.

المصنّفات في الأحاديث الأربعينيّة كالأربعين للنوّوي باب من أبواب

المصنّفات تُعْتَبَر خاصّة، وقد كثر التّأليف في عصرنا في الأربعينيات؟
الجواب : يعني هذا سؤال وإلّا ما هو!!
صيغته صيغة إيش هذا!!
على كلّ حال هي من التّصانيف، أقول من التّصانيف التي أُلِّفت كما قلنا في الأجزاء والمشيخات، جاءت مصنّفات في هذا الباب، الأجزاء والمشيخات، تصانيف العلماء إمّا عامّة كما قلنا المصنّف والسنن، الجوامع، المسانيد
أو في أبواب مخصوصة كما فعل مثلا بعضهم جزء رفع اليدين للإمام البخاري -رحمه الله-، وكذلك حديث ذي اليدين للعلائي -رحمه الله-، وغيره
ومنها الأربعينيّات
كثرت في زماننا؟ على كلّ حال إذا كان الذين يكتبون على هذا السّنن أربعين حديثا في ذمّ العصبيّة، أربعين في كذا، من باب الاستنان بطريقة العلماء، لا حرج -إن شاء الله-.

يقول السّائل : بعد السلام وذكر أنّه يحبّنا في الله -عزّوجل- أحبّه الله الذي أحبّنا من أجله
قال : شيخنا ما هي أحسن طريقة لدراسة الفقه وما قولكم فيمن ينصح في التجرّد لمتون الفقه ودراسته على مذهب معيّن بحسب مذهب البلد الذي يسكن فيه الطّالب؟
الجواب : هذه المسألة عرضت علينا في شرحنا على النّخبة -أظنّ إن لم تخنّي الذّاكرة- وأجبنا عنها؛ لكن نذكّر والذّكرى تنفع المؤمنين -إن شاء الله تعالى-
لا يُمْنَع من دراسة متن فقهيّ، ما كتبه العلماء في هذه الأبواب المتون المختصرة، نعم، بعضهم، كتبوه من باب تقريب العلم، لا إلزامك به
طبعا نحن نتكلّم عن الذين لا يلزمون ولا يتعصّبون، وكلام عظيم نفيس في كتابه الذي أشرت إليه آنفا "الردّ المؤمّل إلى الأمر الأوّل" في ذمّه والمتعصّبة والمقلّدة الذين طرحوا واطّرحوا النّصوص من الكتاب والسنّة ومقالات أئمّة المذهب كالشّافعي، وأحمد، وأبي حنيفة، ومالك، كم في ذلك من الافتيات على الأئمّة أنفسهم كلامٌ في غاية من النّفاسة في هذا الكتاب
الشّاهد دراسة هذا المتن لا يُمْنَع منها ابتداءا؛ لكن يُمْنَعُ التعصّب لما فيها والتقيّد بكلّ ما فيها ولو كانت مخالفة للكتاب والسنّة والحقّن هذا لا يجوزن هذا لا يجوز
ولذلك أشار إليك العلّامة بن السّعدي أن تدرس هذا المتن على معلّم حاذق، غير متعصّب يبيّن لك أنّ هذا القول مرجوح، والدّليل على خلافه، والصّواب في كذا، وضح؟
أمّا إن كنت تدرس المذهب متنا من أي مذهب معيّن لتتعصّب فيه وتلتزمه فما أفدت شيئا، والمقلّد ليس من أهل العلم ولا من طلّاب العلم أصلا، وغير معدود في العلماء، كما نصّ على هذا ابن عبد البرّ -رحمه الله- وابن القيّم وغيرهما
إذًا دراسة من باب ترتيب أبواب الفنّ، نعم، وفهمه، لا التعصّب له، وتقليده، وضح؟


هل هناك مفارقة بين ما يتعلّق بالمتون الفقهيّة أو كتب أحاديث الأحكام؟
الجواب : نقول الأصول هذه، أصول الأحكام، ما تُبْنى عليه الأحكام والأدلّة وغير ذلك، والمسائل والتّفريعات تُبْنى على هذا فلا حرج من هذا ولا مضادّة من هذا وذاكن ولاشكّ أنّ في دراسة حديث رسول الله -عليه الصّلاة والسّلام- الخير كلّه.

هل كتب الختم من السنّة؟
الجواب : السؤال غير واضح -بارك الله فيكم-.


هذا يسأل عمّا كان يحفظه الإمام أحمد من سبعمائة ألف حديث، هل هي مكرّرة أم لا؛ لأنّ بعض العلماء قال أنّ الحديث التي شملت أبواب الدّين لا تتعدّى ثلاثين ألف حديث أو كذا ؟
الجواب : على كلّ حال مراد الأئمّة الذين كانوا يحفظون ألف ألف حديث، أو كانوا يحفظون سبعمائة ألف حديث، أو نحو ذلك من الآلاف المؤلّفة إنّما المراد المكرّرة والتي لها طرق
الحديث الواحد إذا كانت له عشرة طرق أو أكثر تُعْتَبَر عشرة أحاديث عند الحفّاظ، ولهذا قال الإمام عليّ بن المديني :"الباب إذا لم تُجْمع طرقه لم يتبيّن خطؤه"
الحديث الذي يقول فيه سعيد بن إبراهيم الجوهري :" الحديث إن لم أروه من سبعين وجها فأنا فيه يتيم"
وقال يحي بن معين :"الحديث إذا لم أروه من مائة وجه لم أستوعبه" ونحو ذلك
فالمراد جمع الطّرق، جمع طُرُق الحديث.
مهمٌّ جدًا، أقول مهمٌّ جدًّا جدًّا جدًّا أن تعرف علم أصول الحديث، ما ينفع أن تقول أن أتعلّم الفقه من غير علم الحديث، أبدًا
ولهذا كما قال لك الإمام النّووي : كثيرٌ منهم قد ملأ هذه الكتب بهذه الأحاديث الضّعيفة
كيف تميّز؟ قال في زيادة عند أحمد، فيه زيادة عند النّسائي، هذه الزيادة مقبولة، غير مقبولة؟ مردودة؟ ما محلّها؟
يترتّب عليها أحكام، إلى غير ذلك


كم هي الأحاديث التي تتداول في كتب الفقه، وأكثرها لا أصل له؟ وضح؟
فمن المهمّ أن يتقن الطّالب هذا الفنّ.

بعد الانتهاء من حفظ أحاديث عمدة الأحكام لابن قدامة المقدسي، بماذا تنصح حفظه من الأحاديث بلوغ المرام أو المحرّر؟
الجواب : على كلّ حال هذا الأخ السّائل -ما شاء الله- متطلّعٌ جيّد هذا، هو إذا أراد أن يحفظ بعد هذا هو مخيّر بين البلوغ والمحرّر، حفظ هذا لا بأس، حفظ هذا لا بأس، كلاهما مفيد ومهمّ.

قال : ذكرتم في تعريف السنّة القول والعمل ولم تذكروا الاعتقاد، فهل يدخل الاعتقاد في السنّة؟
الجواب: ما وجه الإشكال عند الأخ؟ في معنى الإعتقاد؟
قلنا ما جاء سواء العلميّة أوالعمليّة، ما قلنا هذا؟
في التّعريف الأوّل المشتهر عند أهل الحديث؟ ما أُضيف إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- من قول أو فعل أو اعتقاد؟ هذا ما يسير
ما أُضِيف إلى النبي -عليه الصلاة والسلام- من قول أو فعل أو تقرير ويدخل في هذا ما جاء عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من أحاديث الاعتقاد، في حديث النّزول الإلهي في الثّلث الأخير، وحديث الجاريّة، وغير ذلك، كلّها أُضِيفت إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فنقولها ونعتقدها، إلّا إذا كان الأخ يقصد أنّ في تعريف السنّة الاعتقاد مثلا أو إيش؟ على كلّ حال قلنا العمليّة والعلميّة.
وصلّى الله على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلّم .
للمزيد من مواضيعي

 

__________________
قال الشيخ أزهر سنيقرة حفظه الله :" ومطلُوبٌ مِن طلَبة العِلم العامِلين أن يُربُّوا شبابَ الأمَّة على التَّميِيز بين العُلماء وبينَ المتشبِّعين بما لم يُعطَوا، وأن يغرِسوا في قلوبِهم تعظِيمَ الحقِّ واتِّباعه، ويربِطوهُم بالوَحي المعصُوم، حتَّى لا يكونُوا أتباعًا لكلِّ ناعِقٍ"اهـ .من مقال بعنوان (استِنسارُ البُغاثِ)

التعديل الأخير تم بواسطة أبو عمر عبد العزيز السلفي ; 05-09-2012 الساعة 22:57:12 PM
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 05-10-2012, 20:59:23 PM
الصورة الرمزية أبو عمر عبد العزيز السلفي
أبو عمر عبد العزيز السلفي أبو عمر عبد العزيز السلفي غير متواجد حالياً
عضو مميز
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: خميسة/سوق أهراس
المشاركات: 488
Tefreegh تفريغ الدرس الثاني من [شرح عمدة الأحكام للشيخ عبد الله البخاري]

الدرس الثّاني



تنبيه : هذا التّفريغ من تفريغاتي الخاصّة - وأسأل الله القبول-



بسم الله الرحمن الرحيم


الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبيّنا محمّد، وعلى آله وصحبه وسلّم وبعد:


نبدأ -إن شاء الله تعالى- في شرح كتاب "عمدة الأحكام" للحافظ المقدسي -رحمه الله تعالى-، وقد سبق في لقاء مضى الكلام عن أحاديث الأحكام، وفقه أحاديث الأحكام، ونُبَذ حول ما يتعلّق بهذا العلم، والكتاب الذي معنا كتابٌ للحافظ المقدسي -رحمه الله- عمدة الأحكام، وهو مشهور شهير؛ لكن من المهمّ جدّا أن نعلم قبل البدء في الغوض في الكتاب وما يتعلّق به أن نعلم مَنْ الكاتب وما الكتاب، فهذا أصلٌ مهمٌّ قد اعتنى به العلماء قديما، وتظهر لك أهميّة الكتاب وقوّة الكتاب من معرفة مؤلّفه



*اسمه ونسبه*



فالمؤلّف هو الإمام الحافظ العلّامة الأثري الفقيه تقيّ الدين أبو محمّد عبد


الغني ابن عبد الواحد ابن عليّ بن سرور المقدسي الجمّاعيلي الدّمشقي الصّالحي الحنبلي، المصريّ وفاة


وجمّاعيل بالتّشديد، بالميم المشدّدة، بفتح الجيم ثمّ بعدها ميم مشدّدة قرية مشهورة من قرى جبل نابلس بأرض فلسطين، ونُسِب المقدسي مع أنّه جمّاعيلي إلى بيت المقدس أو مقدسي؛ لأنّ جمّاعيل من أعمال بيت المقدس فلهذا يُنْسَب إليها



*رحلته في طلب العلم وشيوخه*



رحل الإمام عبد الغني المقدسي رحمه الله-، وحصّل عن عدد كبير من الأئمّة


الحفّاظ، تلقّى عنهم العلم، فذهب إلى بغداد وإلى الموصل وحرّان، وضمياط، وغيرها من البلدان التي انتشر فيها أهل العلم والحفّاظ


سمع من عدد كبير من الأئمّة ومن هؤلاء الحافظ أبي موسى المديني -رحمه الله-


وسمع أيضا من الحافظ أبي طاهر السِّلَفي، وكذلك حفظ عن الإمام عبد الرّحمن بن خلف الــمُقرئ، وغيرهم كثير.



*تلاميذه*



وأمّا هذا الحافظ فقد تحمّل عنه جماعة وأخذ عنه جماعة


منهم ابن خاله الإمام الحافظ الفقيه ابن قدامة موفّق الدّين، صاحب المغني، هو ابن خاله، وقد سمع منه وصحبه


وممّن أخذ عنه أيضا الحافظ عبد القادر الرُّهَاوِي، وأيضا الحافظ المشهور ضياء الدّين المقدسي -رحمه الله-


والحافظ ابن قدامة المقدسي هو خالٌ للحافظ الضّياء المقدسي صاحب المختارة، هو خاله، وغيره



*عقيدته ومنهجه*



كان الإمام عبد الغنيّ -رحمه الله- على عقيدة السّلف، هو سلفيّ الاعتقاد، متّبع للسنّة، آمرٌ بالمعروف ناهي عن المنكر، يصدع بالحقّ، متميّز بالثّبات على السنّة والدعوة إليها، ولهذا أوذي -رحمه الله تعالى- لهذا السّبب، أوذي بسبب تمسّكه بالسنّة، لهذا السّبب


قال الحافظ الإمام ابن قدامة الموفّق ابن قدامة -رحمه الله-:"وكمّل الله فضيلته بابتلائه" أي المقدسي عبد الغني


"بأذى أهل البدع وعداوتهم إيّاه وقيامهم عليه" كمّل الله -عزّ,جل- فضيلته على هذا الحافظ بأن ابتلاه بأهل الاهواء وأهل البدع، لِمَ؟


لأنّه كان ينابذهم ويظهر الحقّ ويصدع به



*مؤلّفاته*



ومن مؤلّفاته المشهورة في الاعتقاد الكتاب المشهور الاقتصاد في الاعتقاد، وغيره من الكتب المصنّفة في الاعتقاد وغيرها



*ثناء العلماء عليه*



والعلماء -رحمه الله- قد أثنوا عليه كثيرا مع عداوة، ورُغْم عداوة أهل البدع له إلّا أنّه اشتهر -رحمه الله- بمكانته العاليّة وشهد له القاصي والدّاني بالحفظ والإمامة، وكان آية في الحفظ، آية من آيات الله -عزّوجل- في الحفظ، فمع تمسّ:ه -كما قلت- وعداوة أهل البدع إلّا أنّ مكانته معروفة لدى الجميع وأثنى عليه جمعٌ من الأئمّة


ومن هؤلاء العلماء الأئمّة الذين أثنوا عليه وترجموا له الحافظ المنذري -رحمه الله- في التّكملة وفيات النّقلة قال -رحمه الله-:"الفقيه الحافظ كتب الكثير، وله تصانيف مفيدة، ولم يزل يجمع، ويُسْمِع ويسمع" فهو يحصّل -رحمه الله- وينتقل من بلد إلى بلد للقاء العلماء، والسّماع منهم.


وقال الحافظ الذّهبي -رحمه الله- في :"السّير الإمام العالم الحافظ الكبير الصّادق القدوة العابد الأثريّ المتّبع، عالم الحفّاظ" ثمّ قال :"صاحب الأحكام الكبرى والصّغرى" إلى أن قال :"فبكلّ حال فالحافظ عبد الغنيّ من أهل الدّين والعلم والتألّه" يعني التعبّد


"والصدع بالحقّ ومحاسنه كثيرة" رحمه الله


قال الحافظ ابن رجب -رحمه الله- في ذيل طبقات الحنابلة:"الحافظ الزّاهد أبو محمّد يُلَقَّب بتقيّ الدّين حافظ الوقت ومحدّثه"


وقال الإمام ابن كثير -رحمه الله- في البداية:" كان نادرا في زمانه، في أسماء الرّجال حفظا، وإتقانا، وسماعا، وسردا للمتون"


وقال ابن العماد الحنبلي -رحمه الله- في الشّذرات:"إليه منتهى حفظ الحديث متنا وسندا، ومعرفة بفنونه، مع الورع والعبادة، والتمسّك بالأثر، والأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر"


فهذه شهادات جمعٌ من الأئمّة والحفّاظ له -رحمه الله- بالإمامة والتقدّم والحفظ والإتقان والعلم والمعرفة، وحسبك بشهادة هؤلاء منزلة، ومكانة


أمّا تصانيف فهي تصانيف كثيرة، صنّف كثيرا وهو مكثر من التّصانيف، وتصانيفه في الاعتقاد وفي الحديث وغيره منها المسند ومنها غير المسند


أمّا أوقاته فقد كانت كلّها معمورة بالطّاعة والتّقوى لله -عزّوجل- والتّعبّد، والتّصنيف، والتّأليف، والتّدريس، والسّماع والإسماع


قال أخوه -رحمه الله-:"ما رأيت أحدا أشدّ محافظة على وقته من أخي"


وذكر الحافظ الضّياء المقدسيّ -رحمه الله- في بيان حفظه للوقت شيئا عجيبا، راجعوا ترجمة الإمام المقدسي عبد الغنيّ في سير أعلام النّبلاء تجدون النّقل عن الحافظ الضّياء هناك.



*وفاته*



أمّا وفاته -رحمه الله- فتوفيّ في شهر ربيع الأوّل في الثالث والعشرين من شهر ربيع الأوّل عام ستّمائة من هجرة النبي -صلى الله عليه وسلم-


مرض -رحمه الله- مرضا شديدا ستّة عشرة يوما، أقعده عن الكلام والقيام، ما استطاع أن يتكلّم ولا يقوم من مكانه، ثمّ بعد ذلك بدأ يتكلّم قيل له ماذا تشتهي؟ بعد أن بدأ يتكلّم، قال : أشتهي الجنّة، والنّظر إلى وجه الله الكريم -جلّ وعلا-


وما كان يزيد -رحمه الله تعالى- على ذلك من هذا الطّلب، وأوصى أبناءه وولده وله ثلاثة من الأولاد : محمّد، وعبد الله، وعبد الرّحمن، وكلّهم من الأئمّة الحفّاظ، أوصى بنيه وهو في فراش الموت أن لا يُضَيِّعوا قال : أن لا تُضَيِّعوا العلم الذي تعبنا عليه" يعني علم الحديث


قال له ولده محمّد وهو عنده في فراش النّزع -رحمه الله- : بمااذا توصيني، أو أوصني بوصيّة، قال : يا بنيّ أوصيك بتقوى الله والمحافظة على طاعته -جلّ وعلا-


جاءه جمعٌ من النّاس يعودونه في مرضه فدخلوا عليه وسلّموا وجلسوا فردّ عليهم السّلام وأغمض عينيه، فصاروا يتكلّمون فيما بينهم، ففتح -رحمه الله- عينيه وقال : ما هذا الحديث؟ في ماذا تتكلّمون؟ اذكروا الله، قولوا : لا إله إلّا الله، يأمرهم بالمعروف وهو في فراش النّزع -رحمه الله-


قال : قولوا لا إله إلا الله، اذكروا الله، فقالوا : لا إله إلا الله فجلسوا قليلا ثمّ قاموا


ودخل عليه رجل في ذلك المجلس وسلّم عليه وسأل عن حاله، فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قام هذا الرّجل ليأخذ كتابا ويرجع إليه ويقرأ عليه، فلمّا رجع ووجده قد مات -رحمه الله-، على خير حال، وكان يحرّك شفتيه تهليلا لله -جلّ وعلا-.


هذا هو الإمام عبد الغنيّ ابن عبد الواحد المقدسي -رحمه الله- وغفر له


إذا علمتم مكانة هذا الإمام، ومنزلته عند أهل العلم علمتم منزلة تآليفه، وعظم تآليفه -رحمه الله- ومن أعظم تآليفه كتاب "عمدة الأحكام" سواء الكبرى أو الصّغرى



*التعريف بكتاب عمدة الأحكام*



هذا الكتاب أعني العمدة الذي سندرسه هو العمدة الصّغرى هو أحد الكتب


التي جمعت أحاديث الأحكام، وقد مرّ معنا بيان معنى أحاديث الأحكام في اللّقاء الذي مضى


وهو كتابٌ ثابت النِّسْبة إلى الإمام المقدسي -رحمه الله- عبد الغني


وأثبته له الحفّاظ كالإمام الذّهبي -رحمه الله-، والحافظ ابن حجر -رحمه الله-، والعلّامة الرّوداني في صلة الخلف بموصول السّلف، وغيرهم من الحفاظ والعلماء.


وهو كتابٌ من الكتب المرويّة بالسّند إلى مصنّفه، مروية بالأسانيد، كتب جمع من الذين يجمعون بين الإجازات المروية بالأسانيد يلتقون عند الحافظ المقدسي -رحمه الله- برواية هذا الكتاب، والطّريق إليه متّصلة من عدّة طرق كطريق الفخر بن البخاري -رحمه الله- المتوفّى سنة تسعين وستمائة بعد الهجرة


ومن طريق الحافظ ابن عبد الدّائم -رحمه الله- المتوفّى سنة ثمان وستين بعد الستّمائة من هجرة النبي -عليه الصلاة والسلام-


والعلّامة عبد الهادي بن عبد الكريم القيسي المصري المتوفى سنة إحدى وسبعين وستّمائة من هجرة النبي -عليه الصلاة والسلام-


ويتّصل إسنادنا إليه -رحمه الله- بــمَنْ سأجيزه -إن شاء الله تعالى- من الإخوة الطلّاب الحضور عند انتهائنا من الكتاب، سيتّصل بكم الإسناد إليه -رحمه الله- بعد الانتهاء


وهذا الكتاب أيّها الأحبّة على صغر حجمه اعتنى به الأئمّة كثيرا، حفظا وتدريسا،وتعليما، وتأليفا، وتنكيتا عليه، وإعرابا، وحرصا على معرفة والكلام عن رجاله، وغير ذلك


وهذه الكتب التي عُنِيَت بشرحه والكلام عنه منها المطوّل، ومنه المختصر، وعدد المصنّفات التي أُلِّفت حتّى آخرهم وهو شيخنا العلامة أحمد بن يحي النّجمي في تأسيس الأحكام يبلغ عدد المؤلّفات حول الكتاب كما قلت تنكيتا أو الكتب التي عُنِيَت بالإعراب أو الشّرح أو الكلام عن الرّجال نحو من خمس وخمسين مؤلّفا عُنِيَت بالعمدة، وكلٌّ له بابه، وكلٌّ له طريقته في هذه العناية.


هذا ما جرى تحريره والتّذكير به في هذه التّقدمة قبل أن نشرع في شرح هذا الكتابا لعظيم، نسأل الله لنا ولكم التّوفيق والسّداد والعون ولاإعانة إنّه جوادٌ كريم.


بسم الله، نعم


الطالب : بسم الله والحمد لله والصّلاة والسّلام على رسول الله، وعل آله وصحبه ومن تبع هداه


[قال الإمام السّعيد الحافظ الفقيه الأوحد الصّدر الكبير ناقد الحفّاظ تقيّ الدّين أبو محمّد عبد الغني بن عبد الواحد بن علي بن سرور المقدسي -أدام الله توفيقه وإيانا- الحمد لله الملك الجبّار الواحد القهّار، وأشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له ربّ السموات والأرض وما بينهما العزيز الغفّار، وصلى الله على النبيّ المصطفى المختار وآله وصحبه الأطهار، أمّا بعد:


فإنّ بعض إخواني سألني اختصار جملة في أحاديث الأحكام، ممّا اتّفق عليه الإمامان أبو عبد الله محمّد بن إسماعيلبن إبراهيم البخاري، ومسلم بن الحجّاج؛ فأجبته إلى سؤاله رجاء المنفعة به، وأسأل الله أن ينفعنا به، ومَنْ كتبه أو سمعه أو حفظه، أو نظر فيه، أن يجعله خالصا لوجهه، موجبا للفوز لديه، فإنّه حسبنا ونعم الوكيل]


الشيخ : نعم، هذه مقدّمة من المؤلّف والدّيباجة الأولى من الرّاوي له، ويبدو أنّ الكتاب يعني طبعاته عديدة، وكثيرة، ونجد ثمّة بعض الفروق سواء في القارئ أو ممّا عندكم، فيه مفارقات وعلى كلّ حال النسّخ يُخْتار منها أحسنها وأفضلها ممّن اعتنى بضبط النصّ على نسخ خطّية عديدة


احرص على أن تقتني النّسخة فتقول أي النّسخ؟


الجواب : أقول النّسخ كثيرة؛ لكن اعتني بأخذ النّسخة التي اعتنى صاحبها بعدد كبير من النّسخ الخطيّة وقارنها وقابلها ودقّق فيها، وضح؟


وإن كان الاختلاف سيكون يسيرا؛ لكن يعتني الطالب بالحرص على النّسخة المقابلة والمصحّحة والمدقّقة


قال -رحمه الله-:[ الحمد لله الملك الجبّار، الواحد القهّار، وأشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، ربّ السموات والأرض وما بينهما العزيز الغفّار، وأشهد أنّ محمّدا عبده ورسوله المصطفى المختار]


عندك :[وصلّى الله على نبيّنا] أظنّ؟ فيه اختلاف


ثمّ قال :[ صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه الأخيار، أمّا بعد: فإنّ بعض إخواني سألني اختصار جملة في أحاديث الأحكام ممّا اتّفق عليه الإمامان أبو عبد الله محمّد بن إسماعيل بن إبراهيم البخاري، ومسلم بن الحجّاج بن مسلم القشيري النّيسابوري، فأجبته إلى سؤاله رجاء المنفعة]


قوله -رحمه الله- :[فإنّ بعض إخواني سألني اختصار جملة]


الاختصار هو إيجاز اللّفظ مع استيفاء المعنى


لماذا هو أوجَزَ؟


قال :[ جملة في أحاديث الأحكام ممّا اتّفق] لأنّ الشيخين في كتابيهما في الصّحيحين، كتاب الإمام البخاري، وكتاب الإمام مسلم جمع أحاديث الأحكام، والفضائل، والمعاملات، وما يتعلّق بالقصص، وما يتعلّق بالمواعظ وغير ذلك، صحيح؟، والتّوحيد، والاعتصام، وغير ذلك


فهو اختصر واقتصر على أحاديث الأحكام من ذلك، دون بقيّة الكتب الأخرى من الفضائل أو الزّهد والرّقائق وغير ذلك، فلهذا اختصر


قلنا الاختصار هو إيجاز اللّفظ مع استيفاء المعنى، هذا المعنى المراد من لفظة اختصر، نعم فهو اختصر واقتصر على أحاديث الأحكام دون غيرها


ثمّ قال :[ممّا اتّفق عليه الإمامان] هذا من حيث الغالب أنّه يورد في الكتاب ما اتّفق عليه الإمامان هذا من حيث الغالب، وإلّا فهناك أحاديث انفرد بها البخاري تارة، وأحاديث انفرد بها مسلم تارة دون البخاري


يعني تفهم من كلمة [اتّفق عليها] أنّ كلّ ما في الكتاب من أحاديث هي اتّفق عليها الشّيخان، صحيح؟


العبارة هذه تفيد هذا المعنى، أو تدلّ على هذا المعنى؛ لكن ليس كذلك الأمر على إطلاقه، هذا هو الغالب؛ ولكن يوجد بعض الاحاديث تفرّد بها البخاري، وبعضها تفرّد بها مسلم، ولهذا استدرك بعض الأئمّة وبعض الحفّاظ على الحافظ عبد الغني -رحمه الله- هذه الأحاديث ومنهم العلّامة الزّركشي في تصحيح العمدة، في كتاب له سمّاه تصحيح العمدة، استدرك عليه ستّا وسبعين حديثا في هذا الباب


وهذه النّسبة ست وسبعين بالنّسبة إلى أكثر الكتاب أو غالبه تعتبر نسبة ليست بالقليلة جدّا ولا بالكثيرة يعني نسبة محلّ نظر واعتبار


سيرد معنا التّنبيه عليها -إن شاء الله-


لماذا اقتصر على الصّحيحين؟


لأنّهما أصحّ الكتب بعد القرءان العظيم


لماذا اقتصر على الإمامين؟


لأنّهما أصحّ الكتب بعد كتاب الله، وليس في الكتب أصحّ منهما بعد القرءان ولهذا قُدِّما، فهذا هو سبب اقتصاره عليهما، نعم


الطالب : قال -رحمه الله-:[كتاب الطّهارة، عن عمر -رضي الله عنه- قال : سمعتُ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يقول :"إنّما الأعمال بالنيّة -وفي رواية : بالنيّات-، وإنّما لكلّ امرئ ما نوى؛ فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها، فجرته إلى ما هاجر إليه]


الشيخ : نعم، بدأ -رحمه الله- بــ "كتاب الطّهارة" والكلام عن هذا الباب، وعن التّبويب ثمّ حديث عمر -رضي الله تعالى عنه- من وجوه، أو الكلام على كتاب الطّهارة من وجهين، ثمّ الكلام على حديث عمر -رضي الله تعالى عنه- يتبعه


الوجه الأوّل : قال :[كتاب الطّهارة]


الكتاب مصدر كتب، وهذه الحروف "كتب" تدور على معنى الجمع والضمّ، فسُمِّي الكتاب كتابا؛ لأنّه يجمع الحروف والكلمات ويضمّ بعضها إلى بعض


وكتابٌ هنا فِعَال بمعنى مفعول أي : المكتوب في الطّهارة، هذا هو المكتوب في الطّهارة، كتاب مكتوب في الطّهارة، فِعَالٌ بمعنى مفعول أي المكتوب في الطّهارة.


الوجه الثّاني : الطّهارة -بفتح الطّاء- فَعَالة من التّطهّر، وهي في اللّغة النّظافة، والنّزاهة عن الأقذار الحسيّة والمعنويّة


يقال كيف يعني المعنويّة؟


يقال : فلان طاهر النّفس، بمعنى لا يحمل في قلبه غلّا ولا حسدا ولا ضغينة


وأمّا في الشّرع فهي :"ارتفاع الحدث بالماء، أو التّراب الطَّهُورين، وزوال النّجاسة" وهذا أدقّ من قول بعضهم :إزالة النّجاسة


لماذا بدأ المصنّف بكتاب الطّهارة، ولم يبدأ بكتاب الصّلاة مع أنّ الصّلاة هي الرّكن الثّاني بعد الشّهادتين؟ أليس كذلك؟


بدأ بالطّهارة لأمرين اثنين:


الأمر الأوّل : أنّ الطّهارة تخليّة من الأذى


والسّبب الثّاني : أنّ الطّهارة مفتاح الصّلاة، وهي شرطٌ من شروطها، والشّرط يسبق المشروط


ثمّ ذكر المصنّف -رحمه الله تعالى- حديث عمر بن الخطّاب -رضي الله تعالى عنه- قال : سمعتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول : إنّما الأعمال بالنيّات -وفي رواية : بالنيّة-، وإنّما لكلّ امرئ ما نوى؛ فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوّجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه"


هذا الحديث الكلام عليه شرحٌ من وجوه :


الوجه الأوّل : هذا الحديث عند أهل الحديث يعتبر من الأحاديث الأفراد الغرائب، حديث فردٌ غريب باعتبار ، مشهور باعتبار آخر


فكونه فردا من حيث أنّه يدور على يحي بن سعيد الأنصاري، ثمّ من بعد يحي انتشر، ويرويه عن يحي نحوا من مائتين وخمسين، وذكر بعضهم كما في المستخرج، كما ذكر الحافظ -رحمه الله- أنّ بعضهم ذكر أنّه قد رواه عن يحي بن سعيد نحوا من ثلاثمائة، فهو قد انتشر في النّاس من بعد يحي بن سعيد الأنصاري، فقلنا هو فرد غريب باعتبار، مشهور باعتبار آخر


يقول الإمام عليّ بن المديني -رحمه الله- : ليس له طريق يصحّ غير هذه الطّريق، يعني طريق يحي بن سعيد الأنصاري هذه


ليس له طريق يصحّ إلّا هذه الطّريق


وقال الخطّابي -رحمه الله- : لا أعلم خلافا بين أهل الحديث أنّ الحديث لا يصحّ إلّا من رواية عمر، في كتابه أعلام الحديث، ورُوِي من رواية أخرى؛ لكن الصّحيح منها رواية عمر -رضي الله تعالى عنه-


وبنحوه قال المحبّ الطّبري -رحمه الله- في أحكامه


الوجه الثّاني : هذا الحديث العظيم حديث عمر -رضي الله تعالى عنه- له منزلة عظيمة وهو قد اشتمل على قواعد شرعيّة كبرى، وهو من الأحاديث التي يدور عليها الإسلام


يقول الإمام الشّافعي -رحمه الله- :هذا الحديث ثلث العلم، يدخل في سبعين بابا من الفقه


علّق النّووي على كلام الإمام الشّافعي -رحمه الله- بقوله : لم يُرِد الشّافعي انحصار أبوابه في هذا العدد، فإنّها أكثر من ذلك


يعني أنّه يدخل في أكثر من سبعين بابا، ولم يرد الشّافعي الحصر


ولهذا ذكر الإمام أحمد -رحمه الله- أنّ أصول الدّين تدور على ثلاثة أحاديث، ومنها حديث عُمَرَ، والحديث الثّاني حديث عائشة:"مَنْ أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه"، والحديث الثّالث حديث النّعمان بن بشير -رضي الله تعالى عنه- :"الحلال بيّن والحرام بيّن"


ونحو هذا قال جمعٌ من الأئمّة أيضا كأبي عُبَيْد، وابن مهدي، وأبي داود السّجستاني، وغيرهم من الأئمّة


إذًا هذا الحديث له منزلة عظيمة، وله ثقلٌ في الشّرع، ومقالات الأئمّة تدلّ على هذا


بدأ الإمام المقدسيّ عبد الغنيّ بهذا الحديث لأمرين:


الأمر الأوّل : الأخذ بوصيّة الأئمّة كابن مهدي لمّا قال : أنّ كلّ من أراد أن يصنّف في العلم كتابا أن يبدأ بهذا الحديث


وهي منقولة أيضا هذه العبارة، مشهورة عن الإمام، صحيح؟


وكذلك هي منقولة أيضا عن الإمام أحمد -رحمه الله-


فهو أخذ بوصيّة الأئمّة وطبّق ذلك الاقتداء عمليًّا بأن وافق الإمام البخاري، الإمام البخاري بدأ بهذا الحديث


قالوا : أقامه مقام الخطبة، والاخذ بوصيّة الأئمّة


هذا إذًا السّبب الأوّل


السّبب الثّاني : الإشارة لك يا طالب العلم، والتّنبيه لك يا طالب العلم إلى أهميّة الاعتناء بالنيّة وتصحيحها، فطلب العلم يحتاج صاحبه إلى نيّة مصحّحة دائمة


قال الحافظ ابن الجوزي -رحمه الله- في صيد الخاطر :"مَنْ أصلح سريرته فاح عبير فضله، وعبقت القلوب بنشر طيبه، فالله الله في السّرائر، فإنّه لا ينفع مع فسادها صلاح الظّاهر"


لا ينفع مع فسادها صلاح الظّاهر


فهو أراد منك أن تتنبّه إلى أهميّة تصحيح النيّة لله -جلّ وعز- وأن تطلب هذا العلم لله -جلّ في علاه-


فكلّ عمل لا يراد به وجه الله -عزّوجل- من هذه الأعمال مردود على صاحبه، باطلٌ، هذا هو الوجه الثّاني.


الوجه الثّالث : قوله -صلّى الله عليه وسلّم- :"إنّما الأعمال"


هذا التّركيب "إنّما" يفيد الحصر والقصر؛ لأنّ "إنّما" من أدوات الحصر


ويدلّ أيضا على أنّها مقصورة محصورة دخول الألف واللّام "إنّما الأعمال" الألف واللّام في "الأعمال" الاسغراقيّة


والمعنى أنّ هذا الأسلوب، معنى كلمة يفيد الحصر والقصر، أنّ هذا الأسلوب إذا ورد على نحو من هذا يُثْبِت المذكور وينفي ما عداه


هذا هو الأصل في الإطلاق، أنّ هذا التّركيب يدلّ على الحصر والقصر؛ لكن ليس على الدّيمومة، بمعنى أنّها قد تفيد حصرا مخصوصا في بعض الأحايين


كيف نعرف؟


بالقرينة التي احتفّت به تدلّ على أنّه حصرٌ مخصوص كما في قوله -تعالى- {ربه إنما أنت منذر} [الرعد/7]


فليس وصف النّبي -عليه الصّلاة والسلام- ولا عمله خاصٌّ بالنّذارة فمن أوصافه أيضا البشارة وغير ذلك، فإذن دلّ على أنّه حصرٌ مخصوص { فأنذرتكم نارا تلظى } [الليل/14] وضح؟ طيب


قوله أيضا في هذا الحديث -ولازلنا في هذا الوجه الثّالث- :"الأعمال"


الأعمال جمع عمل، هل هذا العمل يراد منه عمل الجوارح، أم يدخل فيه عمل القلب وعمل اللّسان؟


نقول : هذا اللّفظ يشمل عمل الجوارح وعمل القلب وعمل اللّسان


عمل القلب كالإنابة والخشية والخضوع وغير لك


وعمل اللّسان كالتّسبيحن والذّكر، والتّهليل، ونحو ذلك


وأعمال الجوارح ظاهرة؛ لكن قد يتبادر إلى الذّهن أنّ لفظ الأعمال يخصّ الجوارح، هذا الذي يسبق إلى الفهم، لكن لا يعني أنّ البقيّة لا تدخل، أعمال القلوب وأعمال اللسان


متى تخصّ هذه اللّفظة أعمال الجوارح دون أعمال القلوب وأعمال اللّسان؟ إذا قوبلت، يعني إذا قيل الأعمال والأقوال، إذا جاءت بهذا السّياق فيراد من الأقوال أقوال اللسان وأقوال القلب والأعمال أعمال الجوراح


فإذا قوبلت غايرت


طيب ما المراد "إنّما الأعمال"؟ ما المراد بالاعمال هنا؟


قال بعض أهل العلم المراد أي الأعمال الشّرعية التي تفتقر إلى نيّة "إنّما الأعمال بالنيّات" أي إنّما الأعمال الشّرعية التي يُتَعبَّد لله بها تجب فيها النيّة ما لا يفتقر إلى نيّة ولا يحتاج إلى نيّة فليس بواجب أن تنوي فيه، ولا تلزمك النيّة لأنّه عمل غير شرعي في أصله مثل مباح في أصله كالأكل، والشرب ونحو ذلك ، لا تحتاج أن تنوي الأكل، ولا تحتاج أن تنوي الشّرب هذا قول لبعض أهل العلم وقال به جماعة من المتأخّرين


لكن الذي عليه جمهور الأئمّة الذين تقدّموا كالإمام أحمد -رحمه الله- ومن معه من الأئمّة فإنّهم يقولون إنّ المراد به هاهنا الأعمال عموما ومطلقا، فلا يخصّ منها شيء، وعليه يكون هذا "إنّما الأعمال بالنيّات" إخبار عن أنّ الأعمال الاختيارية لا تقع من العبد إلّا بنيّة، إن أحسن أُجر، وإن كانت النيّة فاسدة لم يؤجر بل أثم


وهذا المعنى هو الذي أميل إليه يمعنى العموم الذي يشمل هذه الأعمال سواء كانت تفتقر إلى نيّة أعمال شرعيّة خاصة تفتقر إلى نيّات أم مطلقا كما يرد -إن شاء الله تعالى- معنا في الأوجه الآتية -إن شاء الله تعالى-


الوجه الرابع : النيّات قوله "إنّما الاعمال بالنيّات" النيّات جمع نيّة وهي لغة القصد وشرعا العزم على فعل عبادة تقرّبا إلى الله -جل وعلا-


محلّ هذه النيّة القلب، محلّها القلب والتلفّظ بها بدعة باتّفاق العلماء كما قاله الإمام ابن تيمية -رحمه الله-


الوجه الخامس : في قوله -عليه الصلاة والسلام- "إنّما الأعمال بالنيّات" هذا مبتدأ وخبر؛ لكن هناك مقدّرٌ مضاف محذوف، يعني ما هو التتمّة؟


التّقدير على قولين :


قولٌ لمن يقول بأنّ النيّة شرط قدّر صحة الأعمال "إنّما صحّة الأعمال بالنيّات" أو ما يقارب هذا المعنى، من شرط النيّة قدّر هذا التّقدير ونحوهن وهذا الذي عليه الجمهور مالك والشّافعي وأحمد وغيره وهو الصحيح


ومن قدّر أنّ النيّة غير مشترطة قدّر "إنّما كمال الأعمال بالنيّات" أو إنّما الأعمال الكاملة بالنيّات" وهذا عند الحنفيّة وعند أبي حنيفة -رحمه الله-


وقلنا إنّ الصّحيح هو الأوّل؛ لأنّ النيّة شرط في قبول العمل والصحّة أكثر لزوما للحقيقة الشرعيّة من الكمال


وأيضا خطابات الشّرع، الخطابات التي يأمر بها الشّارع وتأتي بها التّكاليف المراد منها تعريف العبد العمل الصّحيح ليأتي بالعمل الصّحيح، أمّا الدّلالة على العمل الكامل إنّما ترد ندبا لا وجوبا ولهذا يترجّح تقدير "صحّة" : إنّما الأعمال الصّحيحة أو صحّة الأعمال بالنيّات


الوجه السّادس : قوله -عليه الصلاة والسلام- :"لكلّ امرئ ما نوى" أي يحصل له ما نواه من خير أو شرّ، فإن كانت النيّة صالحة فعمله صالح


وإن كانت النيّة فاسدة فعمله فاسد وعليه وزره.


وهذا المعنى تدخل تحته مسائل كثيرة جدّا جدّا وأبواب عظيمة من أبواب الشّريعة.


الوجه السّابع : قوله -عليه الصلاة والسلام- :"فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله" هذه الجمل جملتان ظاهرها التّكرار "فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهرجته إلى الله ورسوله" ظاهرها -قلت- التّكرار وليس المعنى كذلك ابتداءا


الأصل -بارك الله فيكم- في الكلام أنّه يرد للتّأسيس، يريد تأسيسا، لا للتّأكيد، وإنّما يصار إلى التّأكيد أو يدلّ على التّأكيد بقرينة، فإن وجدت القرينة دلّ على أنّ التّكرار للتأكيد


وبناءا على هذا فالجملة الأولى :"من كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله" الجملة الأولى غير الجملة الثّانية من حيث الدّلالة، فالأولى تدلّ على أنّ صلاح العمل وفساد العمل بحسب النيّة المقتضيّة لإيجاده والباعثة عليه


وأمّا الجملة الثّانية فإنّها تدلّ على أنّ ثواب العمل بحسب النيّة الصّالحة


ماذا قال النّووي -رحمه الله-؟ لفت لفتة عظيمة الحافظ النّووي هنا قال، الفائدة من هذا التكرار، قال الفائدة من تكرار الجملة يعني في الظاهر أنّ تعيين المنوي شرطٌ


تعيين المنوي ماذا تريد أن تعمل، صلّيت ما الذي تريد من الصلاة صلاة الظّهر؟ صلاة عصر. ظهر فجر؟ مغرب ؟ عشاء؟ نافلة؟ لابدّ من التّعيين


صُمْت هل هو صيام تطوّع؟ فرض؟ صيام قضاء؟ إلى آخره وضح؟


ويوقل الحافظ ابن دقيق :"فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله نيّة وقصدًا، فهجرته إلى الله ورسوله حكما وشرعا"


الوجه الثّامن : للنيّة مرتبتان:


المرتبة الأولى : مرتبة العمل


المرتبة الثّانية : مرتبة المعمول له


مرتبة العمل : يدخل تحتها أمران أو يندرج تحتها أمران:


الأمر الأوّل : تمييز العبادات عن العادات


والأمر الثّاني : تمييز العبادات بعضها عن بعض


ماذا نقصد بالأوّل تمييز العبادات عن العادات؟


منهم من يغتسل لرفع الجنابة، ومنهم من يغتسل تبرّدًا، وضح؟ فالبنيّة ظاهر أمر الغسل للجنابة أو للتبرّد واحد؛ لكن ما الذي يغاير بينهما النيّة نوى رفع الحدث رُفِع، نوى التبرّد ولم ينو رفع الحدث لم يرتفع الحدث؛ لأنّه لم ينو رفعه


والأمر الثاني : تمييز العبادات بعضها عن بعض، كما قلنا، تمييز مثلا ركعتي الفجر، سنّة الفجر، عن فريضة الفجر


وتعيين صلاة اللّيل عن الصّلوات المكتوبة، وغير ذلك من نوافل العبادات وفرائضها


وقلنا أنّ القسم الثّاني، أنّ النية لها مرتبتان، انتهينا من نية العمل


نيّة المعمول له بمعنى تمييز المقصود بالعمل له، هل هو لله -جلّ وعز-؟ تعمل هذا لله أم لغيره؟


مَنْ صلّى خاشعا لله وهناك مَنْ يصلّي مُرَاء، صحيح؟


كلاهما يصلي لعلّهما بجوار بعض؛ لكن أحدهم يخلص لله والثّاني غير مخلص لله -جلّ وعلا-


الوجه التّاسع : أنّ من فقه حديث الباب وهذا ما يدلّ على ما مضى من اختيارنا لما مضى أنّ الأعمال المطلقة، قلت إنّ من فقه حديث الباب أنّ المباح من الأعمال إذا اقترن بنيّة التقرّب إلى الله، فإنّ العبد يثاب عليه كما قرّر هذا الأمر غير واحد من الأئمّة كالإمام ابن القيّم، وابن السّمعاني، والعراقي، وابن الملقّن، وابن سعدي، وغيرهم


الوجه العاشر -وهو الأخير- : ما يخاطب به العبد -أيها الأحبّة- نوعان:


النّوع الأوّل مقصودٌ فعله: أقيموا الصّلاة، أتوا الزّكاة، أمر مقصود فعله


والثاني : أمرٌ مقصودٌ تركه


فالأوّل -الأمر المقصود فعله- لابدّ فيه من النيّة؛ بل هي شرط في صحّته كالصّلاة، والزّكاة، والحجّ، والعمرة، إلى آخره


وأمّا الثّاني وهو ما يقصد تركه مثل إزالة النّجاسة من البدن، أو من الثّوب، أو من البقعة التي أنت فيها


أو أداء الدّين الواجب، عليك ديْنٌ لفلان يجب عليك أن تؤدّيه، وأن تبرّئ ذمّتك فتخليّها وتتركها من هذا الذي شغل هذه الذمّة، وضح؟


فإزالة النّجاسة، قضاء هذه الأمور التي يجب أن تتركها لا يحتاج فيه إلى نيّة، إزالة هذه الأمور، وإبراء الذمّة منها لا يحتاج المرء فيه إلى نيّة، وإنّما يصحّ وقوعها منك بغير نيّة؛ لكن إن أردت الثّواب وأن يأجرك الله على ذلك على أداء الدّين، وعلى إزالة النّجاسة ونحو ذلك، إذا أردت أنّ الله -عزّ وجل- يأجرك على ذلك فانو النيّة الحسنة، أنّك إنّما أزلتها تقرّبا لله -عزّ وجل- بإزالة النّجس، ولأن تعبده -عزّوجل- على طهارة، وإلى غير ذلك


ولذلك جاء الحديث :"وإماطة الأذى عن الطّريق صدقة"


وكذل كقضاء الدّين، وأداء الدّين، أردت به التخلّص وإبراء الذمّة، وإيفاء الرّجل حقّه، وغير ذلك ممّا يُتَقَرَّب به إلى الله -عزّوجل- فإنّك تؤجر على هذا


وأيضا هذا الحديث يعتبر قاعدة شرعيّة وميزانٌ للأعمال الباطنة؛ لأنّ الأعمال منها الظّاهر ومنها الباطن


ميزان الأعمال الباطنة حديث :"إنّما الأعمل بالنيّات"


وميزان الأعمال الظّاهرة حديث عائشة :"مَنْ أحدث في أمرنا هذا ما ليس فهو ردّ" كما يقول الإمام ابن رجب -رحمه الله-


حديث عمر ميزان الأعمال الباطنة، وحديث عائشة ميزان الأعمال الظّاهرة.



الطالب : قال المصنّف -رحمه الله- :[ عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- قال : قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- :"لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتّى يتوضّأ"]


الشيخ : نعم، هذا الحديث حديث أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- الكلام عليه من وجوه :


الوجه الأوّل : الحديث هذا أخرجه الإمام البخاري في موضعين:


أحدهما : في كتاب الوضوء بلفظ :"لا تُقْبَل صلاة مَنْ أحدث"


وجاء في كتاب الحيل منه بما في لفظ الباب هنا؛ لكن في آخر الموطن الأوّل في كتاب الوضوء زيادة مهمّة، أورده في كتاب الوضوء وفي كتاب الحيل


في كتاب الوضوء فيه زيادة اللّفظ غير هذا اللّفظ كما مرّ ونبّهت في نحوه؛ لكن في آخره أنّ رجلا من حضرموت قال لأبي هريرة -رضي الله عنه- : وما الحدث يا أبا هريرة؟ فقال أبو هريرة -رضي الله عنه- : فساءٌ أو ضراط


واضح؟ هذه مهمّة لما سيرد، هذا هو الوجه الأوّل


الوجه الثّاني : قوله -عليه الصّلاة والسلام-:"لا يقبل" بفتح الياء وهذا عامٌّ في عدم القَبول من جميع الـمُـحْدِثِين، في جمع أنواع الصلاة، فرضا كان أم نفلا


كيف استفدنا من هذا العموم؟


جاءت عندنا هنا :"لا يقبل الله" "لا" هنا نافيّة للجنس


ثمّ قال -عليه الصلاة والسلام-:"لا يَقبل الله صلاةَ" بالفتح منصوبة بالفتح اسم "لا" وهي نكرة في سياق النّفي


وهي أيضا مضافة


فكلّ هذا من دلائل العموم، فتعمّ كلّ صلاة، سواء كانت فرضا أم نفلا، لا يجوز للمرء أن يصليّ وهو محدثٌ


قال -عليه الصلاة والسلام-:"لا يقبل" -ما زلنا في هذا الوجه الثاني-


المراد بالقَبول هنا "لا يَقبل" وقوع الصلاة مجزئة


وكيف تكون مجزئة؟


تكون مجزئة إذا وافقت الأمر الشّرعي، وعليه فيلزم من القَبول الصحّة في الظّاهر والباطن


ومت ثبت القَبول ثبتت الصحّة؛ لكن هل يلزم من الصحّة القَبُول؟ لا يلزم من الصحّة القَبُول


قوله :لا يقبل الله صلاة أحدِكم إذا أحدث" "أحدكم" هذا خطابٌ للمكلّفين، لا يراد منه العموم، إنّما هو ممّن هو مكلّف أو يصحّ وقوع الصّلاة منه


هذا الخطاب لمن يصحّ وقوع الصّلاة منه، فيخرج من هذا المجنون والكافر، ونحو ذلك ممّن لا يصحّ دخوله في هذا الخطاب، أو لا يدخل في هذا الخطاب


الوجه الثّالث : الحدث، "لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتّى يتوضّأ" الحدث : نقل الزّركشي -رحمه الله- في العمدة عن الصّاغاني من كتابه العُباب أنّ قول الفقهاء "الحدث" أو "أحدث" بمعنى أتى ما ينقض طهارته، أو بما ينقض طهارته، ثمّ قال هذا القول لفظ "الحدث" ممّا لا تعرفه العرب بدليل أنّ الأعرابي أو الرّجل من حضرموت قال لأبي هريرة وما الحدث؟ فأجابه -رضي الله تعالى عنه- وضح؟


وأقول -بارك الله فيكم- قول أبي هريرة -رضي الله عنه- :"الحدث فساء أو ضراط" هو تفسير للحدث بنوع من أنواع الحدث، وإلّا فالحدث يطلق على الحدث الأكبر وعلى الحدث الأصغر، مع أنّ كلام أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- لو أخذنا به فهو ينصرف إلى الأكبر أو إلى الأصغر؟ إلى الأصغر


ولفظ الحدث يشمل الأكبر ويشمل الأصغر، والأكبر كالجنابة والحيض والنِّفاس


إذًا هو فسّره -رضي الله تعالى عنه- بنوع من أنواعه


يطلق لفظ الحدث أيضا على الأمر الخارج نفسِه، ويُسَمَّى المنع المترتّب عليه أيضا حدث، لهذا يصحّ منك أن تقول : رفعت الحدث، ونويت رفع الحدث، يعني المانع من القيام بالعبادة التي يُشْترط لها رفع الحدث، وضح؟


الوجه الرّابع: قوله -عليه الصلاة والسلام- :"حتّى يتوضَّأ" هذا نفي القبول إلى غاية


ما هي الغاية؟ حتّى يتوضّأ


الوُضُوء -بالضمّ- الفعل، وبالفتح الماء المستخدم للفعل.


الوجه الخامس : من فقه الحديث أنّ هذا الحديث يدلّ على أمور عدّة منها:


وجوب الطّهارة لمن قدر عليها، لمن كان محدثا، وأراد الصلاة وهو شرط في صحّتها إجماعا


أيضا من فقه الحديث أنّه يدلّ على بطلان الصّلاة بالحدث، سواء خرج الحدث اختيارا أم اضطرارا؛ لأنّ النّبي -عليه الصّلاة والسلام- لم يُفَرِّق بين حدث وحدث، وحال وحال، إلّا ما جاء الدّليل باستثنائه، سيرد معنا -إن شاء الله- في محلّه


أيضا يدلّ الحديث أنّ الطّهارة للصّلاة لصحّتها -كما مرّ- سواء كانت الصلاة فرضا أم نفلا، ولمّا نقول نفلا يدخل فيها صلاة العيدين، والكسوف، والجنازة، إلى آخره.


خلافا لمن قال بجواز الصلاة بغير وضوء في صلاة الجنازة، يعني بعضهم أجاز الصّلاة -صلاة الجنازة- بغير وضوء


وهذا قولٌ باطل؛ عموم الحديث يردّه.


وهو مأثور عن الحافظ الشّعبي -رحمه الله-


يقول الإمام ابن القيّم -رحمه الله- في تهذيب السُّنَن :"يدخل في هذا الحديث أيضا صلاةُ الجنازة؛ لأنّ -كان يتكلم عن الصلاة تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم - تحريمها التّكبير -صلاة الجنازة- وتحليلها التّسليم وهذا قول أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لا يُعْرَف عنهم فيه خلاف، وهو قول الأئمّة الأربعة، وجمهور الأمّة خلافا لبعض التّابعين -وهذا إلماحة للشّعبي رحمه الله- وقد ثبت عن النبي -عليه الصلاة والسلام- تسميتها صلاة، وكذلك عن الصّحابة -كلّهم سمّوها صلاة- وحملة الشّرع يسموّنها صلاة"


إذًا لا يجوز إخراجها عن هذه التّسميّة


ودلّ الحديث أيضا وهو دليل على القاعدة الكبرى من قواعد الشّريعة أنّ اليقين لا يزول بالشكّ؛ لأنّ في قوله -عليه الصّلاة والسلام- :"إذا أحدث" فهذا اللّفظ لا يقال مع اليقين.


طيب نقف عند هذا وصلّى الله وسلم وبارك على نبيّنا محمّد وعلى آله وصحبه وسلّم.



هذا سائل يسأل يقول : ما هي أفضل الشّروح التي نستعين بها في شرح عمدة الأحكام؟


الجواب : قلت أنّ الشّروح لعمدة الأحكام كثيرة، منها المطوّل، ومنها المختصر؛ لكن من الشّروح المهمّة التي يراجع فيها إحكام الإحكام للحافظ ابن دقيق العيد -رحمه الله-، وكتاب أيضا ابن العطّار في شرح العمدة خرج مؤخّرا أيضا لا بأس به، وكتاب شيخنا الشّيخ أحمد النّجمي لا بأس به أيضا كذلك، يعني على كلّ حال يُنْظَر في هذه الشّروح، لا بأس به -إن شاء الله-.



هذا سؤال آخر في نفس المضمون : ما هو أفضل شرح تنصحون به للمبتدئ في الطّلب يشرح عمدة الأحكام؟


الجواب : من أراد الشّرح المختصر هناك شرحان مختصران للكتاب : شرح شيخ شيوخنا الشّيخ العلّامة عبد الرّحمن بن ناصر السّعدي -رحمه الله- وهذا طُبِع قريبا في ثلاثة مجلّدات شرح العمدة، هو شرح مختصر جدّا


وكذلك شرح الشّيخ عبد الله البسّام الذي سمّاه ماذا؟ لكن هذا مختصرٌ جدّا.



قال : بمااذا تنصح المسلم الذي ترك عملا ما ويقول لابدّ أن أُصْلِح نيّتي مثل اللّحية، أو الجلباب -أظن- على كلّ حال احتمال يعني، نحن نخمّن الجلباب للمرأة؟


الجواب : على كلّ حال لا يجوز للإنسان أن يترك العمل بنيّة أن يُصَحِّح النيّة،فيعمل ويُصَحِّح النيّة في مثل هذه الواجبات، يعني لا تحلق اللّحية وتقول : لن أربيَّها حتّى أُصَحِّح نيّتي؛ لأنّ الشّيطان يستزلّك، ويرغب منك الانصراف، وهذا قولٌ باطل، وهذا من تسويس الشّيطان وتزيينه.


وكذلك المرأة لا يعني لها أن لا تتجلبب، أو أنّها تتستّر بحجّة أنّها تصحّح النيّة فهي مأمورة بأمر الله -عزّوجل-، أقول مأمورة بالحجاب بأمر الله -عزّوجل-.



يقول : هل يجوز أن يطلب من الله الموت؟


الجواب : لا حول ولا قوّة إلّا بالله


على كلّ حال قد جاء النّهي عن ذلك أنّ يطلب المرء يعني الهلاك أو الموت، وإن كان ولابدّ فليقل : اللهمّ أحيني ما دامت الحياة خيرا لي، وتوفّني إن كانت الوفاة خيرا لي


أم أن يطلب اللهمّ أمتني أو كذا، لا، لا يجوز هذا الدّعاء.



هذا يقول -سؤال أيضا-: ذكرت في الدّرس الأوّل كلاما نفيسا عن الإمام ابن القيّم في شموليّة الشّريعة في كتاب أعلام الموقّعين؛ ولكن بعد الرّجوع ما وجدته.


الجواب : على كلّ حال نحن نقلناه وقرأناه بفصّه ونصّه، يحتاج إلى إعادة الرّجوع إليه الأخ مرّة أخرى، يجده -إن شاء الله-.



قال : ما معنى قول في الاختصار : إيجاز اللّفظ مع استيفاء المعنى ما معنى استيفاء المعنى؟


الجواب : يعني شمول، الاختصار فيه استيفاء بمعنى الشّمول والعموم، يعمّ، يعني ليس بالاختصار الذي يُقال عنه الاختصار المخلّ، الاختصار المخلّ ليس فيه استيفاء وشمول وعموم.


وصلّى الله على رسول الله وعلى آله وصحبه .

------------
الكلام بين نجمتين هو من كلامي وليس من كلام الشيخ -حفظه الله-
__________________
قال الشيخ أزهر سنيقرة حفظه الله :" ومطلُوبٌ مِن طلَبة العِلم العامِلين أن يُربُّوا شبابَ الأمَّة على التَّميِيز بين العُلماء وبينَ المتشبِّعين بما لم يُعطَوا، وأن يغرِسوا في قلوبِهم تعظِيمَ الحقِّ واتِّباعه، ويربِطوهُم بالوَحي المعصُوم، حتَّى لا يكونُوا أتباعًا لكلِّ ناعِقٍ"اهـ .من مقال بعنوان (استِنسارُ البُغاثِ)

التعديل الأخير تم بواسطة أبو عمر عبد العزيز السلفي ; 05-10-2012 الساعة 21:23:36 PM
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 05-12-2012, 21:54:09 PM
الصورة الرمزية أبو عمر عبد العزيز السلفي
أبو عمر عبد العزيز السلفي أبو عمر عبد العزيز السلفي غير متواجد حالياً
عضو مميز
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: خميسة/سوق أهراس
المشاركات: 488
Series الدرس الثّالث


الدّرس الثالث

الطالب : بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه أمّا بعد:
قال المصنّف -رحمه الله تعالى- : [عن عبد الله بن عمرو بن العاص وأبي هريرة وعائشة -رضي الله عنهم- قالوا : قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:"ويلٌ للأعقاب من النّار"]
الشيخ : بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمّد، وعلى آله وصحبه وسلم وبعد:
يقول الإمام المقدسي -رحمه الله- في كتابه العمدة، قال :[وعن عبد الله بن عمرو بن العاص وأبي هريرة وعائشة -رضي الله تعالى عنهم- قالوا : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم- :"ويلٌ للأعقاب من النّار"]
هذا هو الحديث الثالث في هذه الرّسالة المباركة، والكلام عن هذه الأحاديث من وجوه:
هو ذكر ثلاثة أحاديث ضمّها ضمّا واحدا وهي عبارة عن ثلاث، والكلام عليها عموما من وجوه :
الوجه الأوّل : يفيد هذا السّياق قوله :[عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وأبي هريرة، وعائشة] أنّ هذه الأحاديث على هذا السّنن، وهذا النّسق، ومن هذا المجموع هي مخرّجة في الصّحيحين وليس الأمر كذلك فيها كلّها، فحديث عائشة -رضي الله تعالى عنها وأرضاها- قد تفرّد به مسلم، كما نبّه على هذا الحافظ عبد الحق في الجمع بين الصّحيحين، والزّركشي في العمدة.
وأمّا حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، وحديث أبي هريرة فهما في الصّحيحين
وهذا الحديث أيّها الإخوة ورد وله سبب وهو أنّ النّبي -عليه الصلاة والسلام- رأى بعض الصّحابة توضّأ ولم يسبغ يعني الوضوء، فكانت أعقابهم تلوح، ولم يمسّها الماء فنادى "ويلٌ للأعقاب من النّار"
وأيضا حديث أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- فسببه أنّ النّبي -عليه الصلاة والسلام- رأى رجلا لم يغسل عقبيه فقال :"ويلٌ للأعقاب من النّار"
إذًا الحديث ورد وله سبب، سواء في حديث عبد الله بن عمرو، أو في حديث أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه-
كذلك له سبب في حديث عائشة لمّا مات سعد بن أبي وقّاص -رضي الله عنه- دخل عبد الرّحمن -أخوها- يتوضّأ عندها -أي عائشة أخته- فقالت له : إنّي سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول فذكرت له الحديث، وعلى كلّ حال فالحديث له سبب، هذا هو الوجه الأوّل.
الوجه الثّاني : في قوله -عليه الصلاة والسلام- :"ويلٌ" هذه الكلمة الوعيديّة ذكر القاضي عياض في المشارق أنّ فيها ستّة أقوال في بيان معنى "ويل"
ومنها أنّها تقال لمن وقع في الهلاك، هذا المعنى الأوّل
والمعنى الثّاني : تقال لمن استحقّ الهلاك
والمعنى الثالث : تقال وتطلق للهلاك نفسه
والمعنى الرابع : تطلق ويراد منها مشقّة العذاب
والمعنى الخامس : تطلق على الحُزْن
المعنى السّادس : تطلق على واد في جهنّم
فهذه المعاني الستّة لكلمة "ويلٌ"
وأقربها المراد به في الحديث هو المعنى السّادس، وهو واد في جهنّم بدليل قوله -عليه الصلاة والسلام- :"ويلٌ للأعقاب من النّار" فلفظة وجملة "من النّار" قرينة قويّة تدلّ على أنّ المراد بكلمة "ويل" في هذا الحديث هو واد في جهنّم، ولهذا قال الحافظ البغوي -رحمه الله- أنّ كلمة "ويل" تطلق تفجّعا وتعجّبا، وإنّما يتفجّع من قارب على الهلاك أو وقع فيه
وكذلك تعجّبا من صنيع ما فعل صاحبه ولما هو متعوّد به عليه
الوجه الثّالث : في قوله "الأعقاب" وهو جمع عَقِبٍ أو عَقْبٍ، وضبطها أنّها القاف تُسَكَّن وتُكْسَر عَقْب، وعَقِب
والأعقاب جمع عَقْبٍ أو عَقِبٍ وهو مؤخرّة القدم، وعقب الشّيء أو كلّ شيء آخره
وجاء عند الإمام مسلم أيضا "ويلٌ للعراقيب" بدل الأعقاب، والعراقيب هي العقب، أو الأعقاب والعراقيب جمع عُرْقُوب بالضمّ في الإفراد، وبالفتح إذا جُمِع عَراقيب
والعراقيب هو العصب الغليظ الذي يكون في مؤخّرة القدم من أعلاها، يعني فوق عقب الإنسان، وهذا ظاهر في قدم إنسان
وهذه الإشارة إلى الوعيد في قوله "ويلٌ للأعقاب" إشارة، الفائدة بهذ الذّكر التّنبيه بالأدنى على الأعلى
كيف هذا؟
إذا لم يتسمّح النبي -عليه الصلاة والسلام- في العقب الذي هو في مؤخّرة القدم وتوعّد صاحبه في مثل هذا، فكيف بمن يترك بما هو أكثر كالقدم كلّها، أو اليد كلّها؟!!
فهذا من باب التّنبيه بالأدنى على الأعلى
الوجه الرّابع : نستفيد من هذا الحديث العظيم وفيه من الفقه أنّ فرض الرّجلين هو الغسل لا المسح
والغسل هو الثابت من قوله -عليه الصلاة والسلام-، ومن فعله -عليه الصلاة والسلام-، ومن تعليمه -عليه الصلاة والسلام-، ومن فعل الصّحابة -رضي الله عنهم-
إذًا فرض الرّجلين هو الغسل، لا المسح كما قلت، وهذا الغسل هو الثّابت من قوله -عليه الصلاة والسلام-، وفعله؛ بل وتعليمه كما سيرد معنا في حديث عثمان -رضي الله تعالى عنه- وكذلك هو فعل الصّحابة -رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم- لم يثبت أن مسح النبي -عليه الصلاة والسلام- على قدميه، إنّما المسح الذي سيرد على الخفّين، وهذا باب غير، ليس المراد منه هنا؛ لكن إذا كانت الأقدام خالية عن الخفّين أو عن الجوربين، فإنّ الفرض فيها الغسل، غسل القدمين
وغسلهما هو الإسباغ؛ لأنّه مرّ معنا في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله تعالى عنهما- أنّ هذا الحديث ورد لسبب وهو أنّ النّبي -عليه الصلاة والسلام- رأى بعض الصّحابة وقد توضّأ ولم يسبغ الوضوء، وكونه لم يسبغ، هو أسبغ بقيّة الأعضاء، لكن الأعقاب لم يسبغها، بمعنى لم يغسلها، وكونه وصفها الرّاوي :"لم يُسْبِغْ" مع أنّه أسبغ بقيّة الأعضاء دلّ على أنّ الغسل، غسل الرّجلين هو الإسباغ، وأنّ المسح ليس بإسباغ، وعليه فمن مسح فوضوؤه باطل
الوجه الخامس : أنّ هذا الحديث فيه من الفقه على وجوب تعميم الأعضاء بالمطهّر، يعني بالماء، وأنّ ترك بعضها لا يُجْزئ، ترك بعض الأعضاء من غير تعميم لا يُجْزِئ
الوجه السّادس : أيضا الحديث فيه دليل على ذمّ الوسوسة والمسوسين، في الحديث دليل على ذمّ الإفراط وكذا الوسوسة كما قلت؛ لأنّ الوسوة مذمومة، والموسوس مخالف للسنّة من أكثر من وجه : تعدّيه، وظلمه، ووقعه في مخالفة السنّة، إلى غير ذلك كما فصّل ابن القيّم -رحمه الله- في كتابه إغاثة اللّهفان.
كما أنّه يدلّ على ذمّ التّفريط، فيه ذمّ الإفراط والوسوسة؛ لأنّ فيها زيادة وتعدٍّ، كما هو متضمّن وهو ظاهر ذمّ التّفريط وهو التّساهل وعدم إسباغ الوضوء على الأعضاء، فكما أنّه ذمّ أهل التّفريط، هو متضمّن لذمّ أهل الإفراط في الوضوء كالموسوسين.
أيضا الوجه الأخير في هذا الحديث وهو الوجه السّابع : كما قلت فيه من الفقه وجوب تعليم الجاهل، والقيام بشعيرة الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، فهذا النّبي -عليه الصلاة والسلام- قام بهذه الشّعيرة وأظهرها وأعلنها
في شذرات الذّهب لابن العماد -وهذا تذكّرته الآن يعني- نسيت المترجم له : كان هناك شيخ يُلَقَّب بشيخ المطاهر، قالوا وسبب تلقيبه أنّه كان يعمد إلى أماكن الوضوء فيُصَوِّب للمتوضّئين إذا أخطأ وغلط يصوّبه، ويصحّح له وضوءه، فسُمِّي بشيخ المطاهر.

الطالب : قال -رحمه الله- :[عن أبي هريرة -رضي الله عنه- :أنّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال : إذا توضّأ أحدكم فليجعل في أنفه ثمّ لينتثر، وَمنْ استجمر فليوتر، وإذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يديه قبل أن يدخلهما في الإناء ثلاثا، فإنّ أحدكم لا يدري أين باتت يده - وفي لفظ لمسلم : فليستنشق بمنخريه من الماء، وفي لفظ : مَنْ توضّأ فليستنشق-]
الشيخ : أنت عندك ما في :[فليجعل في أنفه ماءا]؟، [فليجعل في أنفه] هكذا من غير ماء؟
الطالب : مافيه ماء؛ لكن قال [زاد البخاري ومسلم ماء]كما هي موجودة في المخطوطة عندي
الشيخ : عندكم موجودة؟ يبدو أنّها موجودة في النّسخ
طيب، حديث أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأوّل : جاء عندنا في حديث الباب :[إذا توضّأ أحدكم فليجعل في أنفه ماءا ثمّ لينتثر، ومَنْ استجمر فليوتر، وإذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يديه قبل أن يدخلهما في الإناء ثلاثا]
قلت الوجه الأوّل : ليس عند البخاري لفظ [ثلاثا]، ولا لفظ [الإناء]؛ بل اللّفظ عنده [فليغسل يده قبل أن يدخلها في وَضوئه]
ولهذا نجد أنّ العلّامة الزّركشي -رحمه الله- قد وهّم الحافظ عبد الغني المقدسي صاحبنا، وهّمه بأنّ عزو هذا الحديث بهذا اللّفظ إلى الصّحيحن وهم قال في المعتبر :"ولفظة ثلاثا لم يوردها البخاري، ومَنْ ذكرها في المتّفق عليه كصاحب العمدة فقد وهم" إذًا لفظ "ثلاثا" و"الإناء" ليس عند البخاري
هذا الحديث الذي معنا ولازلنا في الوجه الأوّل ساقه الإمام البخاري -رحمه الله- مساق حديث واحد؛ لكنّ الإمام مسلم قد فرقّه، أنت تراه :"إذا توضّأ أحدكم ..." إلى آخره
وأمّا الإمام مسلم فقد فرّقه، كيف هو عنده؟
الشّق الأوّل :"إذا توضّأ أحدكم -إلى- ومَنْ استجمر فليوتر"
والشقّ الثّاني قال :"إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل" وضح؟
فهنا صار التّفريق عند مسلم والجمع عند الإمام البخاري، والإسناد واحد، وكأنّ الإمام البخاري -رحمه الله- كما قال الحافظ ابن حجر -رحمة الله عليه- أنّه إذا اتّحد الإسناد جمع بين الحديث الواحد، جمع المتن في حديث واحد إذا اتّحد الإسناد
وأمّا الإمام مسلم -كما قلت- فقد فرّقهما والأمر في هذا سهل
الوجه الثّاني : قوله -صلى الله عليه وسلم-:"إذا توضّأ أحدكم" المعنى إذا أراد الوُضوء، كما في قوله -تعالى- {فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم } [النحل/98] والمراد إذا أردت أن تقرأ القرءان فاستعذ بالله.
و"أحدكم" مرّت معنا دلالتها في الحديث الذي قبل الماضي، في الحديث الثّاني.
الوجه الثّالث: في قوله :"ثمّ لينتثر" هكذا؟
الاستنثار إخراج الماء من الأنف بعد استنشاقه
لماذا قيل : يستنثر؟
مأخوذٌ من النُّثْرة، الاستنثار، أو "لينتثر" مأخوذ من النّثرة وهي طرف الأنف، فمن ذلك قيل :"يستنثر" ليخرج ما في الأنف
الاستجمار : في قوله :"مَنْ استجمر" مسح جميع محلّ البول والغائط بالجِمار، وهي الأحجار
والاستنشاق : كما قال عندكم في الحديث، قال :[وفي لفظ لمسلم : فليستنشق] الاستنشاق جذب الماء بنفس إلى داخل الأنف
يعني بعضهم يجعل الماء من غير جذب فهذا لم يستنشق
هذه معرفة أهميّة الدّلائل، دلائل المعاني
جذب الماء بنفس إلى داخل الأنف
في قوله :[فليستنشق بمِنْخريه] ضبط كلمة "مِنْخَرَيه" كما قرأها يقول فيه الحافظ النّووي -رحمه الله- : بفتح الميم "مَنْخِرَيْه" وكسر الخاء، وبكسرهما جميعا" أي الميم والخاء مكسورة "مَنْخِريه"، و"مِنْخِرَيه" فالفتح ليس بوارد، هي لغتان، إمّا فتح الأوّل وكسر الخاء، أو كسرهما جميعا فهما لغتان معروفتان.
الوجه الرّابع : حكم مسألة المضمضة والاستنشاق؟
هذه المسألة مسألة المضمة والاستنشاق لأهل العلم فيها أقوال، أظهر تلك الأقوال وأصحّهما -وكما قلت لن نتعرّض للتوسّع الكثير-، أصحّ الأقوال فيها، والصّحيح منها:
أنّ المضمضة والاستنشاق الوجوب، خلافا لمن قال بالسنيّة، وهذا الوجوب يعمّ الوضوء والاغتسال، كما قلت خلافا لمن قال بالسنيّة في الوضوء والاغتسال، وخلافا لمن قال بالوجوب في الوضوء دون الاغتسال، أو العكس بالوجوب في الاغتسال دون الوضوء
كما قلت الصّحيح هو الوجوب فيهما جميعا، وذلك لدخول المضمضة والاستنشاق في عموم آية الوضوء { فاغسلوا وجوهكم } [المائدة/6] فهي داخلة فيه
وأيضا مداومة النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- عليهما فلم يتركهما قط
أيضا قد أمر بهما كما في حديث لقيط -رضي الله تعالى عنه- وهو حديث صحيح عند أبي داود وفيه ذكر المضمضة أيضا، وحديثه مشتهر :"وبالغ في الاستنشاق إلّا أن تكون صائما"، وأيضا في لفظة زائدة وهي لفظة صحيحة فيه الأمر بالمضمضة أيضا في حديث لقيط، وهو حديث صحيح
فإذن المضمضة والاستنشاق حكمهما الوجوب في الوضوء وفي الاغتسال
الوجه الخامس : في قوله -صلى الله عليه وآله وسلم- :"مَنْ استجمر فليوتر" هذا فيه أيضا من الفقه :
وجوب الإيتار مع أنّه كما ترى أنت في الحديث ليس فيه ذكر عدد الإيتار "مَنْ استجمر فليوتر" فيصحّ الوقوع على الواحد، والثّلاث والخمس، وغير ذلك، أليس كذلك؟
لكن علمنا العدد من حديث آخر، علمنا عدد الوتر "مَنْ استجمر فليوتر" علمنا عدد الوتر من حديث آخر والسنّة يفسّر بعضها بعضا وهو حديث عند مسلم -رحمه الله- في الصّحيح وفيه :"ونهانا أن نستنجي بأقلّ من ثلاثة أحجار" فعلمنا من هذا الحديث بضمّه إلى حديثنا أنّ الوتر المراد به في هذا الحديث هو أن لا يقل عن ثلاثة أحجار، وعليه نقول :
فقد ذهب جماعة من الأئمّة كالإمام أحمد، والشّافعي، وإسحاق إلى أنّ الاستجمار يشترط فيه أمران:
العدد
والإنقاء
خلافا لمن قال بالإنقاء، الشّرط فيه الإنقاء دون العدد
وكما قلت أنّ هذا القول -وهو الشّرط بوجوب العدد والإنقاء- هو الصّحيح للنصّ، هذا واحد
ولا صارف له، لهذا النصّ
فإذا حصل الإنقاء بثلاثة أحجار فلا يزيد
وإن لم يحصل الإنقاء زاد وجوبا على الثّلاث
طيّب، إن حصل الإنقاء بشفع؟ كأربع مثلا؟
نقول : يستحبّ أن يختم بوتر فيزيد الخامسة
إذا حصل الإنقاء بثلاث لا يزيد
إن لم يحصل الإنقاء بثلاث زاد وجوبا، فإن حصل الإنقاء بشفع استحبّ له أن يختم بوتر
وهنا تنبيه تحت هذا المبحث :
جاء عند أبي داود وابن ماجة حديث فيه "من استجمر فليوتر؛ فمن فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج" استدلّ بهاذ الحديث بعض من لا يرى وجوب الإيتار؛ لكنّه حديث معلول وقد أعلّ هذه الرّواية جمع من الحفّاظ كالبيهقي -رحمه الله- وغيره من أهل العلم، ومنهم الحافظ ابن حجر -رحمه الله- في التّلخيص وغيرهما، فهي رواية معلولة؛ بل منكرة، لتكون أوضح، فهي مدارها على حُصَيْن الحبراني وهو مجهول، ومثله لا يحتمل تفرّده، فتفرّده بمثل هذا اللّفظ يعتبر منكران من التفرّدات المنكرة المردودة.
وتنبيه ثان أيضا ذكره الحافظ العلامة الخطابي -رحمه الله- رادا على من قال بأنّ الشّرط هو الإنقاء قال : لو كان القصد الإنقاء فقط لخلا اشتراط العدد عن الفائدة، فلمّا اشترط العدد -يعني- لفظا وعلم الإنقاء منه معنى، دلّ على إيجاب الأمرين"
قال :"ونظير ذلك العدد في الأقراء، فإنّ العدد مشترط ولو تحقّقت براءة الرّحم" فالمرأة ملزومة بأن تعتدّ بالأقراء ولو برئ الرّحم بقُرْئٍ واحد
الوجه السادس : هل الاستجمار متعيّنٌ بالأحجار؟ يعني لابدّ أن يستجمر المرء بالحجر؟ لا يقوم مقامه غيره؟
وهذا من فقه الباب
فالجواب نقول : أنّ الصّحيح أنّ الاستجمار بالحجر أو بالأحجار ليس متعيّنا خلافا للظّاهريّة الذين منعوا الاستجمار بغير الحجر
إذا الخرقة، والخشبة، ونحوهما يقوم مقام الحجر، يدلّ على هذا الرّأي وصوابه وصحّـته أنّ النبي -عليه الصلاة والسلام- نهى عن الاستجمار بالرّوث، والرّجيع، والعظم، فلو كن متعيّنا أي الحجر لنهى النبي -عليه الصلاة والسلام- عمّا سواه مطلقا، لو كان الحجر متعيّنا لنهى عن سوى الحجر مطلقا، وعليه كما قال الحافظ الشّوكاني -رحمه الله- :فكلّ جامد جماد طاهر مزيل للعين ليس له حرمة، يُجْزِئ الاستجمار به
فشروط ما يجزئ أن يكون جامدا جمادا، طاهرا، مزيلا للعين، ليست له حرمة، فهذا يُجْزئ الاستجمار به
الوجه السّابع : جاء عند مسلم في رواية :"فلا يغمس يده في الإناء حتّى يغسلها"
عندنا "فليغسل يديه قبل أن يدخلهما" وعندنا اللّفظ كما مرّ قلت عند البخاري :"فليغسل يده قبل أن يدخلها"، وعندنا "يدخلهما"
واللّفظ عند مسلم في إحدى الرّاويات :"فلا يغمس يده في الإناء حتّى يغسلها" هذا اللّفظ "فلا يغمس" هذه اللّفظة أَبْيَنُ في بيان المراد من قوله :"قبل أن يدخلهما"
هذه اللّفظة أبين في بيان المراد من الإدخال في الرّواية التي سبقت
لماذ قلنا هي أبين؟
لأنّ مطلق الإدخال في الإناء لا يترتّب عليه الكراهة، إذا أدخل يده في الإناء ولم تمس يده الماء، فليس بكروه

ولو أدخل يده في الإناء وغرف الماء بمغراف جاز له؛ لكنّه لم يغمس، في إدخاله لم يغمس يده في الماء، ولذلك قلنا رواية :"فلا يغمس" أَبْيَن في بيان معنى المراد في بيان الإدخال في تلك الرّواية، وضح؟
قلت هي أبين؛ لأنّ مطلق الإدخال لا يترتّب عليه الكراهة، فمن أدخل يده في إناء واسع وغرف منه بمغراف ولم يغمس يده في الماء، لم تتحقّق الكراهة، ولم يلامس يده الماء، إذًا :"فلا يغمس" أَبْيَن في بيان المراد.
الوجه الثّامن : في قوله :"وإذا استيقظ أحدكم من نومه" قوله "من نومه" هكذا وردت اللّفظة هكذا وردت غير مقيّدة، لا بنوم ليل ولا بنوم نهار، وعليه حصل الخلاف هل غسل اليدين يكون من نوم اللّيل أو من نوم النّهار، أم منهما جميعا؟ -يعمّ يعني- لمن أراد أن يتوضّأ؟
فقوم خصّوه بنوم اللّيل، قوم خصّوا أنّ هذا الوجوب في غسل اليد بنوم اللّيل، كالإمام أحمد خصّوه بنوم اللّيل قالوا لأنّ كلمة "باتت" في آخر الحديث "لا يدري أين باتت يده" كلمة "باتت" تدلّ على نوم اللّيل، أو مخصوصة بنوم اللّيل
ومن أهل العلم مَنْ قال : يعمّ كلّ نوم، لم يخصّوا ذلك بنوم اللّيل، سواء نام باللّيل أو نام بالنّهار
وقالوا : لأنّ كلمة نوم مفردٌ مضاف فيعمّ
طيب، لماذا حصل الخلاف؟ وكلا القولين قويّ، لماذا ذكرتهما؟ لأنّه قوي
لماذا حصل الخلاف؟
لأنّ كلمة "بات" التي مرّت معنا : منهم من خصّها بنوم اللّيل، ومنهم من يرى أنّها غير مخصوصة بنوم اللّيل
لمّا ترجع إلى دلالة كلمة "بات" عند أهل اللّغة حتّى هم فيما بين أهل اللّغة بينهم خلاف في تحديد دلالة هذه الكلمة هل هي تخصّ نوم اللّيل أم تعمّ؟
فمنهم من قال هي خاصّة بنوم اللّيل؛ لأنّها مقترنة بفعل اللّيل، أو مقترنة بالتّعريس باللّيل
ومنهم من يقول لا هي لا تدلّ على هذا بل هي بمعنى صار
بل منهم من ذهب إلى أبعد من هذا وقال بتوهيم من قال بأنّ كلمة "بات" تدلّ على النّوم أصلا، وأبطل أنّها تدلّ على ذلك قال لقوله -تعالى- { والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما } [الفرقان/64]
فإذن الخلاف فيها خلاف قويّ، أعني في دلالة الكلمة
لكن هنا في الحديث ما الذي يُراد؟
الذي يظهر أنّ غسل اليدين الوارد في هذا الحديث يخصّ نوم اللّيل، وأنّه يُشْرَع أيضا من نوم النّهار استحبابا
ولماذا قلنا هو من نوم اللّيل؟
لأنّه جاء في السنّة ما يدلّ على ذلك، ولهذا رجّحنا لما أخرجه الإمام أبو داود في سننه وحسّنه الحافظ -رحمه الله- في الفتح بسكوته عليه أنّ النبي -عليه الصلاة والسلام- قال :"إذا قام أحدكم من اللّيل"
فنحن نقول إذا : هذا الأمر مخصوص بنوم اللّيل، ويُشْرع لمن قام من نوم النّهار يُسْتحبّ له خروجا من هذا الخلاف.
الوجه التّاسع : هل الأمر بالغسل -غسل اليدين- هو للوجوب أم لا؟ "فليغسل"، و"فلا يغمس حتّى يغسلها" وغير ذلك، هل هو للوجوب أم لا؟
فمن أهل العلم من قال بوجوب الغسل من نوم اللّيل، والاستحباب من نوم النّهار، وعلى هذا الإمام أحمد -رحمه الله- وجماعة من أهل العلم
وممّن قال بوجوب الغسل عموما، من نوم اللّيل أو النّهار، الظّاهريّة، هم شاركوا القول في وجوب الغسل؛ لكن عمّموه
والذين قالوا بالقول الأوّل خصّوه بنوم اللّيل دون النّهار
والقول الثّاني أنّه مندوب إليه ولا يجب، يعني يستحبّ، مشروعٌ ويستحبّ غسل اليدين من نوم اللّيل ولا يجب كما قلت وهذا عليه الجمهور
وبناءا على هذا فالذين قالوا بالوجوب فالنّهي عندهم للتّحريم، صحيح؟
ومن قالوا بالنّدب، فالنّهي عندهم للتّنزيه
والذي قالوا بالوجوب أخذوا بظاهر الحديث، وقالوا لا صارف له، وأنّ الأصل في الأمر الوجوب، وفي النّهي التّحريم
أمّا الذين قالوا بالنّدبيّة وهو قولٌ قويٌّ فعلّلوا بأمور :
منها أنّ في الحديث نفسه ما يدلّ على صرف الأمر عن ظاهره، في متن الحديث ما يدلّ على صرف الحديث عن ظاهره، الأمر عن ظاهره، وهو ما جاء فيه قوله -عليه الصلاة والسلام- :"لا يدري أين باتت يده" فقالوا التعّليل بأمر يقتضي الشكّ، هذا تعليلٌ بأمر يقتضي الشكّ والشكّ لا يقتضي وجوبا، في هذا الحكم مثلا ونحوه اسصحابا لأصل الطّهارة، لا يدري أين باتت يده، ولا يجوز أن يبنى على الشكّ خاصّة إذا استصحبت معها الطّهارة كما قلنا هي الأصل
يقول الإمام ابن تيميّة -رحمه الله- في القواعد النّورانيّة:"إنّ المشكوك في وجوبه لا يجب فعله، ولا يُسْتَحَبُّ تركه؛ بل يُسْتَحَبُّ فعله احتياطا"
أيضا من حجج الجمهور وأدّلتهم على صرف الأمر عن ظاهره أنّه جاء في بعض طرق هذا الحديث عند الإمام مسلم وهي اللّفظة التي مرّت:"فلا يغمس يده حتّى يغسلها ثلاثا" فيها التّنصيص على عدد الغسلات قالوا : ذكر العدد يقتضي الاستحباب، ولهذا قال الحافظ -رحمه الله- :"التّقييد في غير النّجاسة العينيّة يدلّ على النّدبيّة" هي ظنيّة وليست عينيّة
وإذا ضممت هذا على ما تقدّم من التردّد والشكّ ظهر لك المعنى
أيضا استدلّوا بقول الله -تعالى- بآية الوضوء{يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم} [المائدة/6]
قال زيد بن أسلم وغيره عند هذه الآية : إذا قمتم من نوم اللّيل
ووجه الاستدلال من هذه الآية أنّ الله -عزّوجل- قد أمر بالوضوء {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم}ولم يأمر بغسل الكفّين في أوّل الوضوء، أو في أوّل الإتيان أو القيام بالوضوء، ولهذا قالوا : الأمر بالشّيء يقتضي الإجزاء، وعليه فهذا يدلّ على الاستحباب لا الوجوب.
فالقول -بارك الله فيكم- على أنّه للندبيّة قولٌ قويٌّ.

الطالب : قال -رحمه الله- :[عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم قال :"لا يبولنّ أحدكم في الماء الدّائم الذي لا يجري ثمّ يغتسل فيه -ولمسلم : لا يغتسل أحدكم في الماء الدّائم وهو جنب"]
الشيخ : حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- الكلام عليه من وجوه :
الوجه الأوّل : اللّفظ الأوّل :"لا يبولنّ أحدكم في الماء الدّائم الذي لا يجري ثمّ يغتسل فيه"
هذا لفظ الإمام البخاري، وهو عند مسلم؛ لكن في آخره :"ثمّ يغتسل منه" في قوله في آخره :"ثمّ يغتسل" بدل "فيه" عند مسلم" منه" وهذه لها أحكام متعلّقة بها كما سيرد -إن شاء الله- التّنبيه عليه
أمّا اللّفظ الثّاني :"ولمسلم :"لا يغتسل أحدكم في الماء الدّائم وهو جُنُب" هذا اللّفظ أخرجه الإمام مسلم، فتفرّد به مسلم عن البخاري، وهو عند النّسائي، وابن ماجة، وغيرهما
وفي آخره عند مسلم : قالوا يا أبا هريرة : كيف يفعل؟ قال : يتناوله تناولا
وضمّمهما أبو داود في رواية ابن عَجْلان فجعلهما في مساق واحد وفيه :"لا يبولن أحدكم في الماء الدّائم ولا يغتسل فيه من الجنابة"
الوجه الثّاني :قوله :"الدّائم" "لا يبولنّ أحدكم في الماء الدّائم" كلمة الدّائم لها تفسيرات عديدة؛ لكن أظهرها أنّه الرّاكد السّاكن، المراد بالدّائم يعني الرّاكد السّاكن، أظهر، لها تفسيرات عديدة نختصرها لكم على أظهر الأقوال هو السّاكن الرّاكد
ودليل هذا المعنى او التّفسير أنّه جاء في رواية النّسائي وابن ماجة أنّ النبيّ -عليه الصّلاة والسّلام- قال فيه :"لا يبولن أحدكم في الماء الرّاكد"
وجاءت هكذا أيضا عند مسلم في الصّحيح من حديث جابر :"نهى -أي النبي عليه الصلاة والسلام- أن يُبَالَ في الماء الرّاكد" فهذه الألفاظ والرّوايات تدلّ على أنّ معنى "الدّائم" أي الرّاكد.
الوجه الثّالث : قوله :"الذي لا يجري" هذه الجملة على الصّحيح أنّها تفسير وإيضاحٌ لمعنى الرّكود أو الرّاكد أو السّاكن، بمعنى لا يجري
ومن أهل العلم من قال ليست للتأكيد، وإنّما هي للتّأسيس، كلمة تأسيسيّة لا تأكيديّة، وأنّها قيدٌ للاحتراز من بعض الأماكن التي تجري فيها المياه دون بعض مثل البرك، تجري أحيانا ولا تجري أحيانا أخرى
والأوّل أظهر
الوجه الرّابع : قوله -عليه الصلاة والسلام- :"ثمّ يغتسل فيه" مرّ أن قلت أنّ عند مسلم "منه" وكلاهما له معنى مختلف
دلالة كلّ واحدة من هاتين اللّفظتين لها معنى مختلف وهي أنّ إحداهما تفيد حكما بالنصّ، والثّانية بالاستنباط
كلّ واحدة منهما تفيد حكما بالنصّ والثاّني استنباطا
فمثلا دلالة قوله :"ثمّ يغتسل فيه" "لا يبولنّ أحدكم في الماء الدّائم ثمّ يغتسل فيه" ماذا تدلّ هذه العبارة؟
تدلّ على منع الانغماس، يغتسل فيه فينغمس فيه، هذا النصّ
أيضا تدلّ استنباطا على منع التّناول بعد أن يبول يمنع لو لم يغتسل أن ينتاول فيغتسل من غير أن ينغمس
إذًا دلالة الانغماس بالنصّ، ومنع التّناول بالاستنباط
هذه دلالة كلمة "فيه"
ماهي دلالة كلمة "منه"؟
عكس ما تقدّم فتدلّ على منع التّناول نصّا، والانغماس استنباطا
فإذًا دلّ الحديث بروايتيه أو بلفظيه على منع الانغماس والتّناول نصًّا.
الوجه الخامس : النّهي عن الاغتسال فيقوله :" لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب" وقوله كذلك :"ثمّ يغتسل فيه" النّهي عن الاغتسال لا يخصّ الغسل فقط؛ بل يشمل الوضوء أيضا يعني لا تفهم من هذا النصّ أن النّهي فقط عن الاغتسال، لو أراد الإنسان يتوضّأ لا حرج عليه، لا
يشمل الوضوء أيضا، وهذا علمناه من رواية أخرجها الإمام ابن خزيمة في الصّحيح، وابن حبّان في الصّحيح أيضا، وصحّحاها، والطّحاوي في شرح معاني الآثار بلفظ :"لا يبولنّ أحدكم في الماء الدّائم، ثمّ يتوضّأ منه، أو يشرب" ولهذا علّق بعض أهل العلم فقال : لو لم يرد -يعني التّنصيص على النهي عن الوضوء- النصّ على ذلك لكان معلوما قطعا -يعني معلومٌ المنع من الوضوء كذلك- استواؤهما في الحكم-يعني الاغتسال والوضوء-
الوجه السّادس : التغوّط في الماء كالبول فيه وأقبح منه
وكذلك من فقه الحديث أنّ من بال في إناء ثمّ سكبه عليه فإنّه يدخل في هذا الحديث خلافا لبعض الظّاهريّة
الوجه السّابع : هذا النّهي هو في بعض المياه للتّحريم، وفي بعضها للتّنزيه وهذا مستفاد من حكم المسألة وبيانه:
إذا كان الماء كثيرا جاريا لم يحرم البول فيه لمفهوم الحديث:"لا يبولنّ أحدكم في الماء الدّائم" فمفهومه أنّ الماء الذي يجري لا يحرم البول فيه؛ لكن الأولى اجتنابه لما قد يُسَبِّبه من أذى للغير.
وكذا لو كان الماء قليلا؛ لكنّه يجري يمشي، ويخرج، ويسيل، وهو غير راكد ولا ساكن فإنّه كذلك لا يحرم البول فيه، وإن كان الأولى اجتنابه لما فيه من الإيذاء للغير
أمّا الماء الرّاكد عموما قليلا كان أم كثيرا فإنّ البول فيه يحرم؛ لأنّه حينئذ يكون وسيلة للتّنجيس، إذا بال هذا وبال هذا وبال هذا وبال هذا فهو وسيلة للتّنجيس، والوسائل لها أحكام المقاصد. لعلّ المسألة تظهر في الوجه الثّامن
إذا وقعت النّجاسة على ماءٍ فغيّرت أحد أوصافه اللّون، أو الطّعم، أو الرّائحة، تغيّر الماء أو أحد أوصاف الماء الثّلاثة بهذه النّجاسة، فإنّ الماء يكون نجسا قليلا كان الماء أم كثيرا، فإنّه ينجس إجماعا كما حكاه الإمام الشّافعي -رحمه الله- وابن المنذر، وابن عبد البر، وغيرهم من الأئمّة ؛ لأنّه تغيّر أحد أوصافه بنجس
الوجه التّاسع : إذا كان الماء الكثير الذي وقعت فيه النّجاسة، كثير وقعت فيه النّجاسة ولم تُغَيِّر أحد أوصافه الثّلاثة فإنّه لا ينجس إجماعا
انتبه عند الكلام على نجاسة الماء وعندنا عن فعل البول في الماء، نحن نتكلّم عن حكم الماء؛ أمّا حكم الفعل في الماء، فإنّه في الماء الكثير الرّاكد يحرم، وبالتّالي أنّ القرينة كذلك يحرم؛ لكن نتكلّم عن الماءالذي وقعت فيه النّجاسة
الوجه العاشر : الماء القليل إذا وقعت فيه نجاسة فما هو حكمه؟ هل ينجس أو لا؟
من أهل العلم من قال بنجاسته، مجرّد وقوع النّجاسة إنّه ينجس، استدلّوا بحديث :"إذا بلغ الماء قلّتين لم يحمل الخبث" فدلّ على أنّ ما كان دون القلّتين فإنّه ينجس ولو لم يتغيّر.
والصّحيح أنّ الماء القليل إذا وقعت فيه نجاسة ولم يتغيّر أحد أوصافه لا ينجس، ولو كان قليلا كما هو مذهب عبد الله بن عباس -رضي الله تعالى عنهما-، وهو مذهب أبي هريرة -رضي الله عنه- والحسن، وسعيد، وهو قول الإمام أحمد، واختيار الإمام ابن تيميّة -رحمه الله-، وابن القيّم، والإمام محمّد بن عبد الوهّاب، وغيرهم من الأئمّة.
ولهذا القول أدلّة عديدة :
منها حديث بئر بُضاعة الذي خرّجه أبو داود والتّرمذي والنّسائي وأحمد وابن أبي شيبة وغيرهم، وهو حديث حسن لمّا سئل -عليه الصلاة والسلام- عن بئر بُضَاعة وما يلقى فيه من الحِيَض والنّتن ولحوم الكلاب، فقال -عليه الصّلاة والسّلام- :"الماء طهور لا ينجّسه شيء" هذا من أدلّة هذا القول
وللحديث زيادة :"إلّا إن تغيّر أحد أوصافه" هي عند ابن ماجة وغيره؛ لكنّ هذه الزيادة ضعيفة بالاتّفاق؛ لكن وقع الإجماع على مضمونها
من الذين قالوا بنجاسة الماء إذا وقع فيه البول ولو كان قليلا حديث أبي هريرة هذا، ومن أدلّتهم؛ لكنّه غير صريح ولا دِلالة فيه
يقول الإمام ابن تيميّة -رحمه الله-:"نهيه عن البول في الماء الدّائم لا يدلّ على أنّه يُنَجَسُ بمجرّد البول فيه، إذ ليس في اللّفظ ما يدلّ على ذلك؛ بل قد يكون نهيه سدًّا للذّريعة، لأنّ البول ذريعة إلى تنجيسه، فإنّه إذا بال هذا وبال هذا، تغيّر الماء بالبول، فكان نهيه سدًّا للذّريعة، أو يمكن أن يقال إنّه مكروه بمجرّد الطّبع، لا لأجل أنّه ينجس، وأيضا فيدلّ نهيه عن البول في الماء الدّائم أنّه يعمّ القليل والكثير، فيقال لصاحب القلّتين -من يستدل بحديث القلّتين- أتجوّز بوله في ما فوق القلّتين؟! إن جوّزته فقد خالفت ظاهر النصّ، وإن حرّمته فقد نقضت دليلك"
وهناك وجه آخر أيضا وهو أنّ النّهي تعبديّ محض وبهذا يكون انتهى الكلام عن هذا الحديث.

الطّالب : قال المصنّف -رحمه الله- :[عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال :"إذا شَرِب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعا -ولمسلم : أولاهنّ بالتّراب"، وله في حديث عبد الله بن مُغَفَّل : أنّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال :"إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبعا وعفّروه الثّامنة بالتّراب"]
الشيخ : هذا الكلام عن هذين الحديثين، حديث أبي هريرة وعبد الله بن مغفّل -رضي الله تعالى عنهما- من وجوه :
الوجه الأوّل : قوله :[عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال :"إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعا] هذا اللّفظ أخرجه الشّيخان وهو هنا بلفظ البخاري، ومسلم أخرجه بهذا اللّفظ؛ لكن زاد في آخره "مرّات" "إذا شَرِب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعا" هذا اللّفظ عندهما، زاد مسلم :"سبع مرّات"
أمّا اللّفظ الثّاني في قوله :"ولمسلم أولاهنّ بالتّراب" فهذا إشارة إلى لفظ قد ورد عند مسلم وعند غيره:"طُهُور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرّات أولاهنّ بالتّراب" وهو من أفراد مسلم وأخرجه أبو داود، وأحمد، وعبد الرزّاق، كلّهم من طريق هشام عن ابن سيرين عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه-
وهشام هذا من أثبت النّاس في ابن سيرين
وتوبع عليه هشام من جماعة من الحفّاظ
الوجه الثّاني : جاء في بعض ألفاظ هذا الحديث :"أولاهنّ بالتّراب" كما في حديث مسلم، "ولمسلم:"أولاهنّ بالتّراب" وفي روايةٍ :"إحداهنّ بالتّراب"، وفي لفظ :"آخرهنّ"، وفي لفظ:"السّابعة بالتّراب"
كلّها من حديث أبي هريرة
أرجح هذه الرّوايات هي رواية :"أولاهنّ" للأحفظيّة، والأكثريّة، وحتّى من حيث المعنى.
الكلام حول هذه الرّوايات كلام طويل اختصاره الذي ذكرته لك، ترجيح رواية "أولاهنّ" من أكثر من وجه كما ذكر الحافظ -رحمه الله-
للأحفظيّة : أحفظيّة مَنْ روى وهو المحفوظ من رواية ابن سيرين عن أبي هريرة، اختلف في ذلك عن قتادة عن ابن سيرين؛ لكنّ المحفوظ من رواية قتادة عن ابن سيرين هي :"أولاهنّ"، واضح؟
فهي الأولى كما قال الإمام الشّافعي -رحمه الله- :"الأُولى أَوْلى" يعني رواية :"أولاهنّ" أولى من الروايات الأخرى.
فالشّاهد أنّها من حيث الأحفظيّة والأكثريّة رووا على هذا، وحتّى من حيث المعنى.
الوجه الثّالث : قوله :"إذا شَرِب الكلب" "شرب" بمعنى ولغ الورادة في حديث عبد الله بن مغفّل :"إذا ولغ الكلب..."
ولهذا يقال ولغ الكلب في الإناء، يلغ بالفتح فيهما -وَلَغَ ، ويَلَغُ - وُلُوغًا إذا شرب الكلب بطرف لسانه.
بعضهم يخصّ يقول أنّه إذا أدخل الكلب لسانه في مائع يقال وَلَغ، إذا أدخل الكلب لسانه في إناء وكان فيه مائع من ماء أو نحوه يقال : ولغ
لكن إذا أدخل لسانه في الإناء الفارغ يقال : لحسه
وبعضهم يقول -من أهل اللّغة- : أنّ الوُلُوغ ولغ بمعنى لطعه بلسانه، يعني أدخل لسانه في الإناء فارغا أو فيه شيء، على كلّ حال يقال فيه أنّه ولغ فيه، شرب أو لم يشرب منه، فيه شيء أو هو فارغٌ
الوجه الرّابع : هذا الحديث يدلّ على نجاسة سؤر الكلب ووجوب الغسلات السّبع من ولوغه وعلى وجوب التّتريب.
الوجه الخامس : كيفيّة غسله بالتّراب؟كيف يُغْسَل بالتّراب؟
ذكر أهل العلم -رحمهم الله- أنّ الغسل بالتّراب :"فليغسله سبعا أولاهنّ بالتّراب" أو "عفّروه الثّامنة بالتّراب" هو الغسل بمعنى التّعفير، هو خلط الماء بالتّراب حتّى يصير الماء كدرًا
تصبّ الماء على التّراب أو تصبّ التّراب على الماء، المهمّ أن يكون الماء كدرا
في الإناء نفسه أو في إناء خارج فتصبّه عليه، هذا معنى :"غسله بالتّراب"
إذًا غسله بالتّراب خلط الماء بالتّراب ليكون الماء كدرا
يغسل الإناء مع الموضع الذي ولغ فيه الكلب، لا أن يغسل الموضع فقط دون بقيّة الإناء، يغسله كاملا لقوله :"إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم" فهذا يعمّ جميع الإناء
وقلت هو بمعنى التّعفير وهو غسله بالتّراب، يعني مرغه، عفره بالتّخفيف، يعفره عفرا، وأعفره وعفّره تعفيرا يعني مرّغه في التّراب تمريغا
الوجه السّادس : مسألة سؤر الكلب
قلنا أنّ الحديث دلّ على نجاسة سؤر الكلب الصّحيح في هذه المسألة -مسألة سؤر الكلب- أنّه نجس، وهو قول جمع من الصّحابة كعبد الله بن عبّاس، وأبي هريرة، وعروة بن الزّبير، وهو عليه جمهور العلماء، ورواية عن الإمام مالك، الجمهور كأبي حنيفة والشّافعي وأحمد، ورواية عن الإمام مالك، وقول أكثر أهل الظّاهر.
وقال بعض أهل العلم بأنّه طاهر، سؤر الكلب طاهر وهو المشهور عن مالك -رحمه الله-، وقل الإمام ابن المنذر -رحمة الله عليه-، وداود بن عليّ الظّاهري، وتعلّلوا بأنّ القول بنجاسة سؤره يعارض الآية { فكلوا مما أمسكن عليكم} [المائدة/4] في صيد الكلب الـمُعَلَّم
لابدّ أن يمسّ لعابه الصّيد
وأيضا في قوله -عليه الصّلاة والسّلام- :"سبع مرّات" النّجاسة قد تزول بأقلّ من سبع؛ فذكر السّبع تعبديّ محض لا يدلّ على نجاسة سؤره
لكنّ الصّحيح -كما قلتُ- هو القول الأوّل قول جماهير الأئمّة وهو نجاسة سؤره
لماذا؟
لأنّ قول النّبي -عليه الصلاة والسلام- :"طُهُور إناء أحدكم" كلمة "طُهُور" هذه تُسْتعمل عند أهل العلم إمّا من حدث أو خبث
فليست ثمّة حدث هنا، فتعيّن أنّه الخبث ولا يمكن حمله على الطّهارة اللّغويّة، انتبه!!
قد يقول : المراد به الطّهارة اللّغويّة
نقول : لا، حمله على الحقيقة الشّرعيّة أولى وأوجب من الحقيقة اللّغويّة
أيضا ممّا يدلّ على أنّه نجس ما جاء عند مسلم في الصّحيح أنّ النّبي -عليه الصّلاة والسلام- قال :"إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليُرِقْه وليغسله سبعا" فأمر بإراقته، ومعلوم قد يكون في هذا الإناء عسل أو سمن أو نحو ذلك من المائعات التي هي ثمينة
وإذا أراقه بناءا على الأمر -لو قلنا بعدم النّجاسة- لكان في هذا تضييع للمال والنبي -عليه الصلاة ولاسلام- نهى عن إضاعة المال كما في الصّحيحين، فلمّا أمر بالإراقة دلّ على النّجاسة
وأمّا أية { فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه } [المائدة/4] في صيد الكلب المعلّم، فهذا ممّا تسمّح فيه الشّارع وأذن فيه
وفيه أيضا دفع الحرج والمشقّة على الأمّة ولفظ "إذا ولغ الكلب" هنا لحقيقة الجنس أو لعمومه، يدخل فيه الكلب المعلّم؛ لكن استثني لتجويز الشّارع له.
أمّا مسألة العدد فلا مانع اجتماع العدد مع التعبّد النّجاسة مع التعبّد، اجتماع العلّتين وهذا هو الصّحيح.
الوجه السّابع وهو قبل الأخير : هل العدد معتبر في الغسلات؟
قد قلنا فيما مضى في الوجه الرّابع وجوب الغسلات السّبع، وعليه فاعتبار عدد الغسلات جمهور العلماء عليه، الجمهور مالك والشافعي وأحمد وغيرهم من الأئمّة على اعتبار العدد للنصّ
وذهب بعض أهل العلم بأنّه لا يجب، إنّما يغسل حتّى يظنّ الظانّ انّه قد أنقاه وأذهب النّجاسة، واستدلّ لهذا بحديث : "الكلب يلغ في الإناء غسله ثلاثا، أو خمسا، أوسبعا" هذا حجّة من قال بعدم وجوب اعتبار العدد كالحنفيّة؛ ولكنّه قولٌ مرجوح
والصّحيح هو الأوّل كما قلنا للنصّ
وهذا حديث باطل، حديث التّخيير حديث باطلٌ وردّه الأئمّة كالدّارقطني وغيره، فهو ضعيف باتّفاق الحفّظاظ كما قاله الإمام ابن الملقّن -رحمه الله-
وآخر هذه الأوجه: ما جاء في حديث عبد الله بن مغفّل في قوله -رضي الله تعالى عنه- :"وعفّروه الثّامنة بالتّراب" يعني فيه زيادة تعفير الثّامنة بالتّراب
وهذا القول قال به الحسن البصري، وذكر بعض أهل العلم أنّه لم يفت به أحد من العلماء، وهذا غلط؛ بل هو قولٌ ورواية عن الإمام مالك وقول للإمام أحمد
ولا تنافي بين هذا الحديث وحديث أبي هريرة أصلا؛ لأنّ من قام وطبّق حديث عبد الله بن مغفّل -رضي الله تعالى عنه- قد أتى بحديث أبي هريرة وزيادة، فالآتي بهذا الحديث آتٍ بالحديثين، ولهذا قال الحافظ الصّنعاني -رحمه الله- :"الأخذ بحديث ابن مغفّل يستلزم الأخذ بحديث أبي هريرة دون العكس"
وبعضهم مال ميلا عظيما فقال بشذوذ هذه اللّفظة وهو قول باطل؛ بل هو حديث صحيح وليس بشاذّ
نقف عند هذا وصلى الله على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلّم.


*أسئلة الدّرس*

يقول السائل : إذا ولغ الكلب في إناء دون القلّتين وقلنا أنّه نجس وأوصافه لم تتغيّر، ألا ينقض هذا ما تقدّم أنّ الماء لا يتنجّس إلّا إن تغيّر أحد أوصافه؟
الجواب : لا ينتقض، كون لعاب الكلب قلنا بأنّه نجس لا يعني أنّه إذا ولغ فيه الكلب أنّه ينجس، قلنا لا يتنجّس الماء قليلا كان أو كثيرا إلا إن تغيّر أحد أوصافه بنجاسة، ولا تعارض بينها.

هل يدخل في حديث النّهي عن إدخال اليد إدخالها إذا وجد قذرا في يده ونحوه؟
الجواب : إذا وجد المرء قذرا في يده فهذا أدعى أنّه لا يدخلها في الإناء، بمعنى القذر في الإناء؟
إذا كان ثمّة قذر في الإناء فإنّه يبعده بغرف أو بإمالة ليذهب ما فيه، وينظر ما نوع القذر إذا كان من نجاسة وغيّر أحد أوصافه فلا يتوضّأ منه بل يريق هذا الماء

هل يجب غسل ما صاده الكلب سبع مرّات؟
*الجواب* : إذا كان الصّائد كلبٌ معلّم فلا يجب غسله كما قلنا تسمّح الشّارع فيه

هل غسل اليدين للقائم من نوم اليدين معلومة العلّة أو هو للتعبّد؟
**الجواب*: من أهل العلم من قال بأنّ الأمر بالغسل بأنّه تعبّد محض، ومنهم من قال بالتّعليل لحديث "إذا استيقظ أحدكم من نومه فليستنثر ثلاثا فإنّ الشّيطان يبيت على خيشومه" ونحو من هذا
على كلّ حال غسل اليدين مشروع مستحبّ سواء لهذه العلّة أو لتلك العلّة ينبغي غسلهن ولا مانع من اجتماعها جميعا، كما أشار إلى هذا الإمام ابن تيميّة -رحمه الله- فيما ورد في المجموع.

من قال بالشاذّ أليست الغسلة الثّامنة بالتّراب تحتاج إلى غسلة تاسعة بالماء فكيف يكون الغسل ثمانيّة؟
*الجواب*: الثّامنة لا يعني وجوبا أن تمتثل لأنّها كما مرّ معنا "أولاهنّ" فيبدأ بالثّامنة ابتداءا بالأولى بالتّراب، ويكون الثّامنة بالماء ولا حرج؛ لأنّك لو قلت بوجوب الثّامنة -أن تكون الثّامنة ترابا- فسيتعارض هذا الأمر بمسألة "أولاهنّ بالتّراب" فهي للتّخيير، تبدأ والأولى أن تبدأ بها لتجتنب التّسع غسلات
وأمّا الشّذوذ فقائله ليس من أهل الحديث، إنّما ذكرته عرضا لا غرضا
وصلّى الله على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلّم.

__________________
قال الشيخ أزهر سنيقرة حفظه الله :" ومطلُوبٌ مِن طلَبة العِلم العامِلين أن يُربُّوا شبابَ الأمَّة على التَّميِيز بين العُلماء وبينَ المتشبِّعين بما لم يُعطَوا، وأن يغرِسوا في قلوبِهم تعظِيمَ الحقِّ واتِّباعه، ويربِطوهُم بالوَحي المعصُوم، حتَّى لا يكونُوا أتباعًا لكلِّ ناعِقٍ"اهـ .من مقال بعنوان (استِنسارُ البُغاثِ)
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 05-13-2012, 20:22:35 PM
الصورة الرمزية أبو عمر عبد العزيز السلفي
أبو عمر عبد العزيز السلفي أبو عمر عبد العزيز السلفي غير متواجد حالياً
عضو مميز
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: خميسة/سوق أهراس
المشاركات: 488
Tefreegh الدرس الرّابع

الدّرس الرّابع

الطالب : بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه، أمّا بعد:
قال المصنّف -رحمه الله- :[ عن حمران مولى عثمان بن عفّان -رضي الله عنهما- أنّه رأى عثمان -رضي الله عنه- دعا بوَضوء، فأفرغ على يديه من إنائه، فغسلهما ثلاثة مرّات، ثمّ أدخل يمينه في الوَضوء، ثمّ تمضمض واستنشق واستنثر، ثمّ غسل وجه ثلاثا، ويديه إلى المرفقين ثلاثا، ثمّ مسح برأسه، ثمّ غسل كلتا رجليه ثلاثا ثمّ قال : رأيت النبي -صلى الله عليه وسلم- يتوضّأ نحو وضوئي هذا، وقال :"مَنْ توضّأ نحو وضوئي هذا ثمّ صلّى ركعتين لا يُحَدِّث فيهما نفسه غُفِر له ما تقدّم من ذنبه"]
الشيخ : بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمّد وعلى آله وصحبه وسلّم وبعد:
يقول الإمام المقدسي -رحمه الله- في حديث حُمْران مولى عثمان بن عفّان -رضي الله تعالى عنه- أنّه رأى عثمان دعا بوَضوء، فأفرغ على يديه من إنائه..."الحديث

هذا هو الحديث الثّامن في هذا الباب، او تحت هذا الكتاب من كتاب الطّهارة، والكلام عليه من وجوه:
الوجه الأوّل: دلالة حديث عثمان -رضي الله تعالى عنه- الفقهيّة
دلّ هذا الحديث على صفة وضوء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهي الصّفة الكاملة، والمشتملة على التّرتيب بين الأعضاء المعطوفة بــ "ثمّ"
ودلّ الحديث أيضا على التّثليث في غسل هذه الأعضاء، وهذا الوضوء كما قلت هو الوضوء الكامل أو السّابغ، وقد اشتمل على فروض الوضوء وسننه
ومن دلالة الحديث الفقهية أيضا دلّ على فضل صلاة الرّكعتين بعد الوضوء
ذكر الإمام مسلم -رحمه الله- في الصّحيح عقب هذا الحديث قولا للإمام الزّهري -رحمه الله- قال الزّهري :"كان علماؤنا يقولون هذا الوضوء أسبغ ما يتوضّأ به أحدٌ للصّلاة"
الوجه الثّاني : في قول حمران -رحمه الله- قال : رأى عثمان -رضي الله عنه- دعا بوَضوء فأفرغ على يديه من إنائه" "دعا بوَضوء" بالفتح اسم للماء المستعمل في الوضوء أو المستخدم في الوضوء، ومرّ معنا فيما مضى
وقوله :"أفرغ على يديه" أي قلب وصبّ عليهما أي على اليدين ليغسلهما
وفي قوله أيضا :"ثمّ تمضمض واستنشق واستنثر" هذه مرّ في المعاني أيضا
وقوله :"ويديه إلى المرفقين" المرفق : في ضبطه لغتان فتح الميم وكسر الفاء، واللّغة الثّانية كسر الميم وفتح الفاء، لغتنا صحيحتان، كلاهما صحيح
الوجه الثّالث : دلّ الكتاب والسنّة والإجماع على وجوب غسل الوجه واليدين والرّجلين، وأن يستوعبها جميعا، وعلى مسح الرّأس
لماذا قلنا : وأن يستوعبها جميعا؟
خلافا للرافضة الذين يقولون بالمسح
وقلنا ومسح الرّأس وأمسكنا للخلاف في المقدار الواجب مسحه
الوجه الرّابع : ما هو المقدار الواجب مسحه من الرأس في الوُضوء؟ لأنّه جاء عندنا في قوله بعد غسل اليدين إلى المرفقين قال :" ثمّ مسح برأسه" فما هو المقدار الواجب مسحه للرأس حين الوضوء؟
من أهل العلم من يقول أنّ الواجب في ذلك مسح بعضه، مسح بعض الرّأس، وأنّ المسح يكون لما يطلق عليه الاسم ولو كان جزءا يسيرا، ولهم في ذلك تعليلٌ ودليل
دليلهم حديث المغيرة -رضي الله تعالى عنه- :"أنّ النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- مسح على ناصيته وعلى العمامة" وهذا الحديث عند مسلم في الصّحيح
والتّعليل قالوا : بأنّ الباء { وامسحوا برؤوسكم } [المائدة/6] تدل على التّبعيض أي بعض الرّأس
والقول الثّاني : مسح جميع الرّأس، واستيعاب جميع الرّأس وهذا القول قول جمهور أهل العلم مالك, أحمد، وغيره وهو قول الإمام ابن المنذر -رحمه الله- وانتصر له شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره، وهو الرّاجح
أرجح القولين هو استيعاب جميع الرّأس بالمسح، لأية الوضوء ولاباء في قوله -جلّ وعلا- { وامسحوا برؤوسكم } [المائدة/6] هي للإلصاق
والتّقدير :"وامسحوا رؤوسكم" والمتأمّل في هذه الدّلالة، دلالة هذه الآية آية الوضوء، وآية التيمّم {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين وإن كنتم جنبا فاطهروا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون } [المائدة/6]
السّياق واحد ومعلومٌ أنّ المتيمّم إذا مسح وجهه يعمّ أو يكتفي بالبعض؟ يعمّ، الدّلالة والسّياق واحدٌ فالمتيمّم يعمّم جميع الوجه ولفظهما واحد كما قلت [فامسحوا بوجوهكم][امسحوا برؤوسكم]
ودلّت السنّة الصحيحة على تفسير المراد بالمسح الرّأس في آية الوُضوء كما في حديث عبد الله بن زيد وغيره من الأحاديث الصّحيحة الثّابتة
وجاء في بعض ألفاظه قال :"ومسح رأسه كلّه"أي أنّ النبي -عليه الصلاة والسلام- مسح برأسه كلّه
ومعلوم أنّ السنّة مبيّنة ومفسّرة للقرءان ولم يرد عنه -صلى الله عليه وآله وسلم- أن اكتفى بمسح بعض رأسه وأمّا حديث المغيرة -رضي الله تعالى عنه- وهو مسحه -صلى الله عليه وآله وسلم- بناصيته وعلى العمامة، فأجاب عنه العلماء ومنهم شيخ الإسلام ابن تيميّة -رحمه الله- فقال :"لم يصح أنّ النبي -عليه الصلاة والسلام- اقتصر على مسح بعض رأسه البتّة؛ لكنّه إذا مسح بناصيّته كمّل على عمامته أي لم يقتصر على بعض رأسه"
وهذا القول أيضا انتصر له الإمام ابن القيّم في الزّاد وغيره من أهل العلم
وأمّا الباء التي قيل فيها أنّ دلالتها تدلّ على التّبعيض فهذا قولٌ بعيد
قال ابن برهان النّحوي -أحد علماء اللّغة- :"مَنْ زعم أن الباء تفيد التّبعيض فقد جاء أهل اللّغة بما لا يعرفونه"
ويقول شيخ الإسلام ابن تيميّة -رحمه الله- :" من ظنّ أنّ من قال بإجزاء البعض لأنّ الباء بالتّبعيض أو دالّة على القدر المشترك فهو خطأ، أخطأ على الأئمّة، وعلى اللّغة، وعلى دلالة القرءان"
فإذًا المعنى هذا معنى بعيد وجاء لأهل اللّغة بما لا يعرفونه، فصحّ عندنا القول بوجوب مسح جميع الرّأس
الوجه الخامس : قوله -رضي الله عنه- في أوّل حديث الباب :"فأفرغ على يديه من إنائه فغسلهما ثلاث مرّات" قوله :" فغسلهما ثلاث مرّات" هذا يدلّنا على استحباب غسل اليدين قبل ابتداء الوضوء، لغير المستيقظ من نوم، وقد مرّ معنا حكم غسل اليدين للمستيقظ من نومه.
الوجه السّادس : مسألة تتعلّق بترتيب أعضاء الوضوء، يعني حكم التّرتيب؟
وقد قلنا أنّ دلالة حديث عثمان الفقهيّة ممّا ذكرناه أنّها تدلّ على التّرتيب بين الأعضاء
وما المراد بالتّرتيب؟
أولا نتصوّر معنى التّرتيب، ثمّ نتكلّم عن حكم التّرتيب في أعضاء الوضوء، أو بين أعضاء الوضوء
فالتّرتيب معناه تطهير أعضاء الوضوء عضوا عضوا بالتّرتيب الذي أمر الله -عزّ وجل- به في آية الوضوء، فيبدأ بغسل الوجه، ثمّ اليدين، ثمّ يمسح الرّأس، ثمّ يغسل القدمين
هذا المراد بالتّرتيب
حكم التّرتيب؟
قولان لأهل العلم:
الوجوب : وجوب التّرتيب بين أعضاء الوضوء، وهذا قول جمع من أهل العلم كالشّافعية والحنابلة والظّاهرية وإسحاق وغيرهم
ومن أهل العلم من قال بالاستحباب، استحباب التّرتيب : وهو قولٌ مروي عن الإمام الزّهري والثّوري، قول لأبي حنيفة ومالك والمزني من الشّافعيّة
والقول الأوّل هو الرّاجح والصّحيح وهو وجوب التّرتيب
1 - لآية الوضوء، ووجه الدّلالة أنّ الله -جلّ وعلا- ذكر فرائض الوضوء في هذه الآية مرتّبة مع فصل الرّجلين عن اليدين وفرضهما الغسل بالرّأس وفرضه المسحن والعرب لا تخالف ولا تفصل ولا تقطع النّظير عن نظيره إلّا لفائدة والفائدة هنا هي إيجاب التّرتيب، لإدخاله الممسوح بين المغسولات.
2 - أيضا من أدلّة من قال بالوجوب وقلت إنّه القول الصّحيح والرّاجح أنّ كلّ من روى حديث رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- وهم نحوا من عشرين صحابيا في صفة وضوء رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- رواه على التّرتيب، وفعل رسول الله -عليه الصلاة والسلام- يعتبر تفسيرا وبيانا لآية الوضوء
وما ورد في بعض الأحاديث من ورود المخالفة وعدم التّرتيب فما يصحّ منها شيء، وسيرد الكلام -إن شاء الله- حول أدلّة القول الثّاني باختصار

أمّا القول الثّاني وهو الاستحباب
1 - فذكروا واستدلّوا لذلك بحديث أخرجه الإمام أحمد في المسند، وأبو داود في السّنن من طريق أبي المغيرة عن حريز بن عثمان عن عبد الرّحمن بن مَيْسَرة عن المقدام بن معدي كرب -رضي الله تعالى عنه- وفيه أنّ النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- غسل كفّيه ثلاثا وغسل وجهه ثلاثا ثمّ غسل ذراعيه ثلاثا ثمّ مضمض واستنشق ثلاثا ومسح برأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما وغسل رجليه ثلاثا" فأنت ترى قد حصل تقديم وتأخير فتأخّرت المضمضة والاستنشاق عن محلّهما بدليل أنّه أتى بـ "ثمّ" الدالّة على التّرتيب والتّراخي.
2 - واستدلّوا أيضا بما جاء عن عليّ -رضي الله عنه- عند ابن أبي شيبة في المصنّف والدّارقطني في السّنن قوله -رضي الله تعالى عنه- :" ما أبالي إذا أتممت وضوئي بأيّ أعضائي بدأت"
3 - واستدلّوا أيضا بقول ابن مسعود -رضي الله تعالى عنه- فيما أخرجه البخاري في التّاريخ الكبير وأبو عبيد في الطّهور قوله -رضي الله عنه- لما سُئِل عن الوضوء قال :"إن شاء بدأ في الوضوء بيساره"
4 - وذكروا أنّ العطف في آية الوضوء لا يدلّ على التّرتيب

وقلت إن الرّاجح القول الأوّل

1 - أما حديث المقدام بن معدي كرب -رضي الله تعالى عنه- فهو حديث في الجملة ثابت إلّا قوله في الحديث :"ثمّ مضمض واستنشق ثلاثا" مؤخّرة عن موضعها فهي لفظة شاذّة منكرة
وأعلّها بعض أهل العلم بالحديث بالشّذوذ لمخالفتها الصّحيح الصّريح في ترتيب وضوء رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- ومنها حديث عثمان الذي معنا
ومنها حديث عبد الله بن زيد الآتي وغيرهما في ترتيب وضوء رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-
والمحفوظ -كما قلت- حديث عثمان، وحديث عبد الله بن زيد وغيرهما
وهذا التّأخير منكرٌ شاذّ والحمل فيه على عبد الرّحمن بن ميسرة
انتبه!! لأنّ بعض أهل العلم بالحديث قد صحّح الحديث؛ ولكنّه -أعني التّصحيح- غلط والحمل فيه على عبد الرّحمن بن مَيْسَرة قال فيه الإمام علي بن المديني :"مجهول لم يرو عنه إلّا حريز بن عثمان"
وتجوّز الحافظ الذّهبي فوثّقه ودقّق الحافظ ابن حجر فقال :"مقبول" فمثله لا يحتمل تفرّده، وما يأتي فيه بتفرّد يعتبر منكرا، كيف إذا ما خالف؟!!
فهو حديث شاذّ منكر.

في قوله :"ما أبالي إذا أتممت وضوئي بأيّ أعضائي بدأت" فهو أثرٌ ضعيفٌ أيضا وهو من رواية عوف بن أبي جميلة عن عبد الله بن عمرو بن هند عن عليّ
وقلت إنّ الأثر قد أخرجه ابن أبي شيبة في المصنّف والدّارقطني في السّنن وقبلهما الإمام أحمد في العلل
وفي العلل فائدة زائدة وهي أنّ عوفا قال :"ولم يسمعه من عليّ" يعني عبد الله بن عمرو بن هند لم هذا الأثر من علي" يعني أثرٌ منقطعٌ

وأمّا أثر عبد الله بن مسعود -رضي الله تعالى عنه- فهو أثرٌ حسن الإسناد بيّن معناه الإمام أحمد -رحمه الله- كما في مسائل عبد الله :"قال : يعني اليسرى قبل اليمنى، ولا بأس أن يبدأ بيساره قبل يمينه؛ لأنّ مخرجهما في الكتاب واحد" ثم ّذكر آية الوضوء { يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين وإن كنتم جنبا فاطهروا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون } [المائدة/6] هذا المراد، مخرجهما واحد "فاغسلوا وجوهكم وأيديكم" فإذا بدأ باليسار في غسل اليمين قبل اليمين فالمخرج واحد، قد غسل اليدين؛ لكن بدأ باليسرى قبل اليمنى.
فقال الإمام أحمد :"لا بأس أن يبدأ بيساره قبل اليمين"
هكذا فسّر الإمام أحمد قول عبد الله بن مسعود -رضي الله تعالى عنه-
ولكن وإن كان هذا جائز -أي البدء بالياسر قبل اليمين- إلّا أنّ السنة أولى بالاتّباع، فيبدأ بيمينه قبل يساره كما سيرد معنا في حديث عائشة -رضي الله تعالى عنها-.

الوجه السابع : في قول عثمان -رضي الله تعالى عنه- بعد أن توضّأ قال : "رأيت النبي -عليه الصلاة والسلام توضّأ نحو وضوئي هذا وقال :"من توضّأ نحو وضوئي هذا ثمّ صلى ركعتين"
دلالة كلمة "نحو" و"مثل" مختلفة لهذا قال الحافظ النّووي -رحمه الله- في شرحه على مسلم :"إنّما لم يقل "مثل" لأنّ حقيقة مماثلته لا يقدر عليها غيره" ولهذا جاء بــ "نحو" بدل "مثل" فالحقيقة التي يفعلها -عليه الصلاة والسلام- لا يقدر عليها غيره.
هذا إذا كان الأمر -بارك الله فيكم- على أنّ الروايات كلّها "نحو"؛ لكن قد جاء في الصّحيحين من حديث عثمان جاءت لفظة "مثل" ففي البخاري في كتاب الرّقاق من الصّحيح من طريق معاذ بن عبد الرحمن عن حمران عن عثمان فيه :"من توضّأ مثل هذا الوضوء"
وجاء في كتاب الصّيام أيضا من الصّحيح :"من توضّأ وضوئي هذا" يعني مثل وضوئي هذا
وجاء عند مسلم في الصّحيح من طريق زيد بن أسلم عن حمران :"توضّأ مثل وضوئي هذا"
إذًا عندنا رواية بلفظ "نحو"، وعندنا روايات بلفظ "مثل" في حديث عثمان نفسه، ماهي روايات أخرى
قال الحافظ ابن حجر :"وعلى هذا فالتّعبير بــ "نحو" من تصرّف الرّواة؛ لأنّها تطلق على المثليّة مجازا، لأنّ "مثل" وإن كانت تقتضي المساواة ظاهرا لكنّها تطلق على الغالب" يعني في الغالب إذا كان الاتّحاد في كلّ الأوجه في الغالب فيه شيء يسير، اخلتفا يسير فيطلق المثليّة من حيث الغالب
قال :" فبهذا تلتئم الرّوايتان
رواية "نحو" ورواية "مثل" قال :"ويكون المتروك لا يخلّ بالمقصود" هذا التّرك اليسير لا يخلّ المقصود
فإذًا الوضوء كوضوئه -صلى الله عليه وسلم-

الوجه الثّامن : قوله -عليه الصلاة والسلام- :"ثمّ يصلّي ركعتين" فيه دليل على استحباب الرّكعتين بعد الوضوء والتي يعبّر عنها بعض أهل العلم سنّة الوضوء
ومعلوم الحديث الثّابت في الصّحيح أنّ بلالا -رضي الله عنه- كما في الصّحيحين أدرك ذلكم الفضل أنّه قال :"ما توضّأت ووضوءا إلّا صلّيت لله -عزّ وجل- ركعتين" فهذا فضل عظيم
خلافا لمن قال بعدم السنيّة
والصّحيح السنيّة
الوجه التّاسع : قوله -عليه الصلاة والسلام- :"لا يحدّث فيهما نفسه" فيه إثبات أنّ النّفس تتحدّث؛ لكن ّ المراد به هنا الاسترسال في حديث النّفس، مع إمكان المرء أن يقطع هذا الحديث؛ لكنّه يسترسل ويدخل
لماذا قلنا : مع إمكانه القطع؟ قوله :"يُحَدِّث" تدلّ على أنّه تقتضي -كما يقول العلماء- تكسّبا منه، اكتسابا منه، بخلاف ما يغلب على الإنسان ويهجم عليه ممّا لا يستطيع دفعه فإنّ هذا يعفى عنه.

الوجه العاشر : قوله -عليه الصلاة والسلام- :"غفر الله له ما تقدّم من ذنبه" جاء في بعض الرّوايات :"غُفِرَ له ما تقدّم من ذنبه" بالبناء عىل المجهول والمعنى واحد
ظاهر هذا اللّفظ "غفر الله له ما تقدّم من ذنبه" قوله "من ذنبه" يعمّ الكبائر والصّغائر إلّا أن ّ أهل العلم خصّها هذا اللّفظ، والأحاديث وما جاء في معناها بالصّغائر دون الكبائر
من أين جاء هذا التّخصيص؟
جاء هذا التّخصيص من روايات أخرى تستثني الكبائر كما جاء عند مسلم في الصّحيح :" الصّلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفّراتٌ لما بينها ما اجتنبت الكبائر"
والكبائر تحتاج إلى توبة
هذا الحديث وهذا الوعد في حقّ من له كبائر وصغائر، فمن له كبائر فيجب عليه فيه التّوبة والصّغائر تُكَفَّر
أمّا من ليست له كبائر، له صغائر خاصّة فقط فإنّها تُكَفَّر بناءا على هذا الحديث
ومن ليست له كبائر ولا صغائر دائم التّوبة ودائم الإنابة والرّجوع فإنّه والحالة هذه يزاد في حسناته.
في هذا الحديث من الفقه أيضا

التّعليم بالفعل لكونه أبلغ وأضبط للمتعلّم، أنت ترى انّ عثمان -رضي الله عنه- دعا بوضوء، توضّأ ويظهر هذا للمتعلّم ثمّ بعد أن انتهى قال :"رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نحو وضوئي هذا ثمّ قال..." فهذا التّعليم بالفعل
وفي السنّة شواهد لهذا كثيرة

الطالب : قال -رحمه الله- :[عن عمرو بن يحي المازني عن أبيه قال :شهدت عمرو بن حسن سأل عبد الله بن زيد -رضي الله تعالى عنه- عن وضوء النبي -صلى الله عليه وسلم- فدعا بتور من ماء، فتوضّأ لهم وضوء النبي -صلى الله عليه وسلم- فأكفأ على يديه من التّور فغسل يديه ثلاثا، ثمّ أدخل يده في التّور فمضمض واستنشق واستنثر ثلاثا بثلاث غرفات، ثمّ أدخل يده فغسل وجه ثلاثا، ثمّ أدخل يديه فغسلهما مرّتين إلى المرفقين، ثمّ أدخل يده فمسح رأسه فأقبل بهما وأدبر مرّة واحدة، ثمّ غسل رجليه -وفي رواية : بدأ بمقدّم رأسه حتّى ذهب بهما إلى قفاه ثمّ ردّهما حتى رجع إلى المكان الذي بدأ به ، وفي رواية : أتانا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأخرجنا له ماءا في تور من صُفْر-" التّور : شبه الطّست]
الشيخ : هذا حديث عبد الله بن زيد -رضي الله تعالى عنه- في صفة وضوء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والكلام عليه من وجوه:
الوجه الأوّل : في دلالته
دلالة حديث عبد الله بن زيد الفقهية هي كدلالة حديث عثمان -رضي الله تعالى عنه- السّابق
الوجه الثاني : قوله -رضي الله عنه- :"فدعا بتور"
أوّلا : هذه اللّفظة هي من أفراد البخاري ولم يروها مسلم
التّور المثّناة المفتوحة -تَوْر- بالتاء المثنّاة المفتوحة، قيل : قدحٌ، وقيل : إناء يُشْرب منه، وقيل : الطّست، وغالبا يكون الطّست أكبر من الآنية، وقيل : شبيه بالطّست كما اختار المصنّف
وهذا يكون من صُفْر كما في الرّواية الآتية، ويكون من حجارة
الحاصل والمحصّلة من كلام أهل العلم أنّه إناءٌ يجمع فيه الماء
ثمّ قال -رضي الله عنه- :"فأكفأ على يديه" "أكفأ" بهمزتين، وفي بعض طرق وألفاظ الحديث في الصّحيح :"فكفأ" بهمزة واحدة
من أهل العلم من يرى أنّ المعنى واحد كفأ الإناء وأكفأه إذا أماله
ومن أهل العلم باللّغة من يرى المغايرة فكفأت الإناء إذا كببته، إذا كَبَبْتُ الإناء بكلّ ما فيه
وأكفأتُ الإناء إذا أملته
والمراد أنّه -في هذا الموطن- أفرغ من الإناء الماء على يديه، يعني أفرغ منه - الإناء- على يديه -صلى الله عليه وآله وسلم- كما جاء مصرّحا به في رواية مالك:"فأفرغ من الإناء على يديه"
ومهمّ جمع الألفاظ والرّوايات، لمَ؟
لأنّ الرّوايات يفسّر بعضها بعضا
طيب، قوله بعد هذا :"فمضمض واستنشق واستنثر ثلاثا بثلاث غرفات" لك في قراءة "غرفات" لغات :
فتح الغين والرّاء "غَرَفات"
واللّغة الثّانية : ضمّهما، ضمّ الغين والرّاء "غُرُفات"
والثّالثة : ضمّ الغين وإسكان الرّاء "غُرْفات"
والرّابعة : فتح الرّاء "غُرَفات"
وكلّها كما قلت لغات محكيّة، حكاها وذكرها الحافظ النّووي في المجموع.

الوجه الثّالث: في قوله :"فمضمض واستنشق واستنثر ثلاثا بثلاث غَرَفات..." إلى آخره
جاء وثبت عنه -صلى الله عليه وسلم- أنّه توضّأ مرّة مرّة
وثبت أنّه توضّأ مرّتين مرّتين
وثبت أنّه توضّأ ثلاثا
فإذا ما قلنا في المضمضمة والاستنشاق هل يفصل بين هذه الغرفات، فيأخذ غرفة للفم وغرفة للأنف؟ أم يجمع بينها بغرفة واحدة؟
يمكن تصوّر الغرفات للأنف لكلّ واحد منها غَرْفة في الغَرْفتين وفي الثّلاث، يُتَصوّر الغَرْفة للفم في الغَرْفتين غَرْفت للفم وغَرْفة للأنف
ويُتَصوّر أيضا في الثّلاث
لكن في الواحدة لا يتصوّر أن تكون الغَرْفة يعني غَرْفة للفم وغَرْفة للأنف؛ لأنّها صارت غَرْفتان، صحيح؟
ولهذا يقول الإمام ابن القيّم -رحمه الله- في الزّاد :"كان النبي -عليه الصلاة والسلام- يتمضمض ويستنشق تارة بغَرْفة، وتارة بغَرْفَتين، وتارة بثلاث، وكان يصل بين المضمضة والاستنشاق" لا يفصل
"فيأخذ نصف غَرْفة لفمه، ونصفها لأنفه، ولا يمكن هذا" يعني المناصفة
"إلّا في الغَرْفة" الواحدة يعني
"وأمّا الغَرْفتان والثّلاث فيمكن فيهما الفصل والوصل" فيمكن فيهما في الثّنتين والثّلاث الفصل واحدة وواحدة، والوصل
أمّا في الواحدة فلا يمكن فيهما الفصل، لا يمكن فيها إلّا الوصل
قال :"إلّا أنّ هديه -صلى الله عليه وسلم- كان الوصل بينهما" حتّى في الثّنتين وحتى في الثّلاث
قال :"كما جاء في الصّحيحين من حديث عبد الله بن زيد أنّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:"تمضمض واستنشق من كفٍّ واحد فعل ذلك ثلاثا" قال :"هذا أصحّ ما رُوي في المضمضة والاستنشاق، ولم يجيء الفصل بين المضمضة والاستنشاق في حديث صحيح البتّة"انتهى كلامه.
يعني وُجِد بعض الأحاديث فيه الفصل ؛ ولكنّه حديث غير صحيح
فإذًا السنّة في ذلك الوصل بغَرْفة، أو بغَرْفتين، أو ثلاث
ولهذا قال الحافظ النّووي -رحمه الله- في المجموع :"أمّا الفصل فلم يثبت فيه حديث أصلا، وإنّما جاء في حديث طلحة بن مصرّف وهو ضعيف" وهذا هو الصّحيح
إذًا السنّة في المضمضة والاستنشاق الفصل أم الوصل؟
نعم، والفصل لم يرد به حديث صحيح

الوجه الرّابع : قوله :"فغسلهما مرّتين إلى المرفقين" وقوله :"فأقبل بهما وأدبر مرّة واحدة"، وقوله :"فغسل يديه ثلاثا"، "وغسل وجهه ثلاثا" ترى أنّ في حديث عبد الله بن زيد أنّ بعض أعضاء الوضوء غسلها -عليه الصلاة والسلام- ثلاثا
وبعضها مرّتين
وبعضها مسحها مرّة كما في مسح الرّأس
وهذه استدلّ أهل العلم -رحمهم الله- بهذا وبغيره على جواز المخالفة بين أعضاء الوضوء بحيث يغسل بعضها مرّة، وبعضها مرّتين، وبعضها ثلاث
يعني يخالف بينها في وضوء واحد للنصّ ، وحكى بعضهم الإجماع على ذلك كالنّووي، وغيره

الوجه الخامس : في قوله :"فأقبل بهما وأدبر"
وهذا يدعونا إلى الكلام في كيفيّة الإقبال والإدبار في مسح الرّأس، يُقْبِل ويُدْبر
أقوالٌ لأهل العلم أصحّها أن يبدأ بمُقَدَّم رأسه ممّا يلي الوجه ثمّ يُدْبِر بهما إلى مؤخّر رأسه ثمّ يعود للرّواية التي ذكرها المصنّف عندكم، وفي رواية :"فبدأ بمقدّم رأسه حتّى ذهب بهما إلى قفاه ثمّ ردّهما حتّى رجع إلى المكان الذي بدأ منه"
لكن يُعَكِّر على هذا قوله -كما في الصّحيح-:"فأقبل بهما وأدبر" كما هو عندنا هنا
لو قلنا بأنّه يبدأ بمقدّم رأسه فيُدْبِر ثمّ يُقْبِل فيكون قد، لو قلنا بهذا يبدأ بالمقدّمة أدبر ثمّ أقبل، وعندنا الحديث قال :"فأقبل بهما وأدبر" وضح؟
نقول : أنّ هذه الواو في قوله :"وأدبر" لا تقتضي التّرتيب، والعطف هنا لا يقتضي التّرتيب لما جاء عند البخاري في الصّحيح قوله :"وأدبر بيديه وأقبل" والمعنى واحد، والرّوايات يفسّر بعضها بعضا وهو يدلّ على أنّ الواو هنا لا تقتضي التّرتيب
من أهل العلم من قال يبدأ بمؤخّر رأسه ويقبل إلى مقدّم الرّأس ثمّ يُدْبِر، يعني محافظة على قوله:"أقبل بهما وأدبر"
لكن يشكل على هذا في الرّواية الأخرى :"بدأ بمقدّم رأسه"
ومنهم من يقول وهو قولٌ ثالث يبدأ بناصيته يذهب بها إلى ناحيّة الوجه ثمّ إلى مؤخّرة الرّأس ثمّ يعود مرّة أخرى
وعلى كلّ حال القول الأوّل أظهر وأرجح والرّوايات تدلّ عليه.

الوجه السّادس : في قول المصنّف :[وفي رواية : بدأ بمقدّم رأسه] هذه الرّواية رواية في الصّحيحين ، قوله :[وفي رواية] قد يفهم منها شخص أنّها رواية إمّا في البخاري أو في الصّحيح، وقد يفهم منها أنّها في الصّحيحين وهي رواية في الصّحيحين أيضا
وقوله :[وفي رواية : أتانا] هذه رواية في البخاري، صرّح بها في العمدة الكبرى له لذا الزّركشي -رحمه الله- في النّكت على العمدة وَهِمَ فاستدرك على المصنّف هنا بأنّ هذه الرّواية من أفراد مسلم، وليس كذلك؛ بل هي من أفراد البخاري؛ لأنّ الإسناد من رواية عبد العزيز بن سلمة عن عمرو بن يحي عن أبيه عن عبد الله بن زيد وهذا الإسناد عند البخاري وليس عند مسلم.

الوجه السّابع : حكم الموالاة؟
ما المراد بالموالاة أولا؟
المراد بالموالاة المتابعة بين أعضاء الوضوء في الغسل بحيث لا يفصل بينهما بوقت كثير يقطع الموالاة، هذا معنى الموالاة
حكم الموالاة؟
من أهل العلم من قال بالاستحباب وهو قول لأبي حنيفة والشّافعي في الجديد
ومن أهل العلم من قال بالوجوب وعليه جماهيرهم وهو مروي عن عمر بن الخطّاب، والأوزاعي، ومالك في رواية، وهو المشهور عن الإمام أحمد، وانتصر له شيخ الإسلام بن تيميّة -رحمه الله- وغيره
وهذا الوجوب بعضهم أطلق الوجوب
وبعضهم قال بالوجوب إن ترك لعذر
يعني لك أن تقول القائلون بالوجوب على قسمين :
منهم من أطلق
ومنهم من قال بأنّه يجب إلّا إن ترك لعذر كمثل عدم وجود تمام الماء، توضّأ لكنّه عندما أراد أن يغسل بعض الاعضاء انتهى الماء عليه فبدأ يطلبه
فهم يقولون بالوجوب إلّا إن ترك الموالاة لعذر فإنّه في هذه الحالة إذا ما وجد الماء في وقته اليسير والزّمن المعتبر صحّ إتمامه للوضوء ولا يجب عليه الإعادة ولا ينتقض الوضوء

وهذا هو الرّاجح لحديث خالد بن معدان المخرّج عند أبي داود وأحمد في المسند أنّ النبي -عليه الصلاة والسلام- رأى رجلا يصلّي وفي ظهر قدمه لمعة قدر درهم لم يصبها الماء فأمره النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- أن يعيد الصّلاة والوضوء وهو حديث جيّد ثابت، خلافا لمن رام تضعيفه، صحّحه جماعة من أهل العلم
ووجه الدّلالة أنّ النبي -عليه الصّلاة والسلام- لم يعذره؛ بل أمره بإعادة الوضوء، وإعادة الصّلاة
ومثله أيضا ما جاء عند مسلم في الصحيح من حديث جابر -رضي الله تعالى عنه- أنّ عمر بن الخطّاب -رضي الله تعالى عنه- قال : إنّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رأى رجلا توضّأ فترك موضع ظفر على قدمه، فأبصره -عليه الصلاة والسلام- فقال له :" ارجع فأحسن وضوءك" فرجع الرّجل فأحسنه وأعاده ثمّ صلّى، والحديث في مسلم
وأخرج الإمام ابن أبي شيبة وأبو يعلى بسند صحيح أنّ عمر بن الخطّاب -رضي الله تعالى عنه- رأى رجلا يصلي وقد ترك موضع قدر ظفر في قدمه أو لم يصبه الماء فأمره عمر -رضي الله تعالى عنه- أن يعيد الوضوء والصّلاة
وهذا موقوف على عمر كما قلت، أخرجه ابن أبي شيبة في المصنّف، وأبو يعلى في المسند بإسناد صحيح عنه.
ولهذا ذكر الإمام ابن تيمية -رحمه الله- كما في المجموع أنّ القول بالوجوب إلّا إن ترك ذلك لعذر قال هو المتوافق مع أصول الشّريعة، ومع أصول الإمام أحمد وغيره، فإنّ الأمر بالإعادة إنّما لمن كان متهاونا وفيه تفريط ولهذا أمره -عليه الصلاة والسلام- بالإعادة.
أمّا من أصابه العذر كأن بدأ انتهى عليه الماء وبدأ يطلبه فهذا قد اتّقى الله ما استطاع، وأتى بما يجب عليه والله -جل وعلا- يقول { فاتقوا الله ما استطعتم واسمعوا وأطيعوا وأنفقوا خيرا لأنفسكم ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون } [التغابن/16]
يقول -صلى الله عليه وآله وسلم- :"إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" فهذا غير متهاون بل هو عاج، ولا واجب مع عجز، ولا حرام مع ضرورة كما هي القاعدة الكبرى، وهذا هو القول الصّحيح؛ لكن انتبه أن يكون وقت طلب الماء لمن فقده في أثناء وضوئه زمنٌ معتبر قليل، لا أن يمضي عليه السّاعة والسّاعتان والثّلاث فيقول لا ينقطع
هنا ينقطع به الوضوء، وتنقطع به الموالاة.

الوجه الأخير : فائدة ذكرها الحافظ النّووي -رحمه الله- في المجموع قال :"المرأة كالرّجل في صفة مسح الرّأس على ما سبق، نصّ عليه الشّافعي"، ثمّ قال :" ونقله البخاري في صحيحه عن ابن المسيّب أنّ المرأة والرّجل في مسح الرّأس على السّواء
قلت : وهو كذلك فالرّواية أو القول الذي أشار إليه -رحمه الله- قد أخرجه البخاري في الصّحيح تحت كتاب الوضوء، باب مسح الرّأس كلّه.

الطالب : قال -رحمه الله- :[عن عائشة -رضي الله عنها- قالت :"كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يعجبه التيمّن في تنعّله وترجّله وطهوره وفي شأنه كلّه"]
الشيخ : حديث عائشة -رضي الله تعالى عنها وأرضاها- الكلام عليه من وجوه:
قولها -رضي الله تعالى عنها- :"كان رسول الله -عليه الصلاة والسلام- يعجبه التيمّن"
التيمّن : أي الابتداء باليمين قبل الشّمال، وهذه اللّفظة يعني التيمّن من الألفاظ المشتركة؛ لأنّه مصدر تيمّن الشّيء مأخوذ من اليمن وهو البركة
وأيضا تُسْتَخدم هذه اللّفظة في النّسبة إلى اليَمَن بفتح الياء والميم، يقال : تيمّن أي انتسب إلى اليمن، فهي من الألفاظ المشتركة؛ لكن هنا يمعنى يبتدئ باليمين قبل الشّمال
لماذا كان يعجبه -عليه الصلاة والسلام- البُداءة باليمين؟أو بالتيمّن؟
تقول :"يعجبه التيمّن"؛ لأنّه -عليه الصلاة والسلام- يحبّ الفأل الحسن إذ أصحاب الجنّة هم أصحاب اليمين، وهذا التيمّن منه -عليه الصلاة والسلام- ما استطاع إليه، يعني يتيمّن ما استطاع إلى ذلك سبيلا كما جاء عند البخاري :"كان يعجبه التيمّن ما استطاع"
ولفظة "ما استطاع" عند البخاري تفيد وتنبّه إلى أمر مهم وهي أنّه يحافظ على التيمّن إلّا إن منعه منه مانعٌ
طيب قولها -رضي الله تعالى عنها- :"في تنعّله"
المراد بالتنعّل لُبْس النّعال، فيبدأ باليمين
ترجّله : يعني ترجيل الشّعر، ورجّل الرجل شعره أي سرّحه، من التّسريح الشّعر ودهنه
قال :"وطهوره" قال العلامة الصّنعاني -رحمه الله- :"الطُّهُور بضمّ الطاء هنا يشمل الوضوء والغسل عن جنابة ونجاسة".

الوجه الثّاني : في قولها :"وفي شأنه كلّه"
ذكر الحافظ النّوي -رحمه الله- قاعدة فقال في شرحه على مسلم :"قاعدة الشّرع المستمرّة - يعني المطّردة - استحباب البُداءة باليمين في كلّ ما كان من باب التّكريم والتّزيين، وما كان بضدّهما استحبّ التّياسر"
قال :"فمن الأوّل -يعني من باب التّكريم والتّزيين- لُبْسُ الثّوب- يعني التيمّن في لبس الثّياب-، ودخول المسجد، وترجيل الشّعر، والانتعال، وحلق الرّأس، وغسل أعضاء الطّهارة في الوضوء ونحوه
ومن الثّاني دخول الخلاء، والأماكن المستقذرة والخروج من المسجد، والامتخاط ونحوه"انتهى
ولك أن تقول أنّ هذا عامٌّ مخصوص، أنّ هذا اللّفظ وهو قولها :"وفي شأنه كلّه" عامٌّ مخصوص يعني خُصّ أنّه لا يتيمّن إذا خرج من المسجد، إلى آخره، وإذا دخل الخلاء
الوجه الثّالث : قال الإمام ابن المنذر -رحمه الله- في الأوسط:"ثابتٌ عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنّه يعجبه التّيامن ما استطاع في ترجّله وتنعّله ووضوئه، وقد ثبتت الأخبار عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنّه بدأ فغسل يده اليمنى ثمّ اليسرى في وضوئه، وكذلك كيفعل المتوضّئ إذا أراد اتّباع السنّة وأجمعوا على أنّه لا إعادة عى من بدأ بيساره قبل يمينه" مرّ معنا في مسألة التّرتيب، قلنا أثر ابن مسعود يدلّ عليه، وقول الإمام أحمد في تفسيره واضح، وقلنا وإن كان هذا يجوز أو سائغ؛ لكنّ السنّة أولى بالاتّباع.

الطالب : قال -رحمه الله- :[عن نُعَيم الــمُجْمر عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنّه قال :"إنّ أمّتي يُدْعون يوم القيامة غُرًّا محجّلين من آثار الوضوء، فمن استطاع منكم أن يطيل غرّته فليفعل" وفي لفظ : رأيت أبا هريرة يتوضّأ فغسل وجهه ويديه حتّى كاد يبلغ المنكبين ثمّ غسل رجليه حتّى رفع إلى السّاقين، ثمّ قال : سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول :"إنّ أمّتي يُدْعون يوم القيامة غرًّا محجّلين من أثر الوضوء، فمن استطاع منكم أن يطيل غرّته فليفعل"، وفي لفظ لمسلم:سمعت خليلي -صلى الله عليه وسلم- يقول :"تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء"]
الشّيخ : هذا الحديث حديث أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- الكلام من وجوه:
الوجه الأوّل : قوله :"عن نُعَيْم المجمر" هو نُعَيم بن عبد الله وضبط الـمُجْمِر يُضْبَط على ضبطين :
ضمّ الميم الأولى وكسر الثّانية وإسكان الجيم
وهناك ضبط ثان وهو ضمّ الأولى وتشديد الميم الثّانية، مع فتح الجيم "مُجَمِّر"
وكلا الضّبطين صحيح
فالأوّل ذكره الحافظ ابن حجر، والثّاني عند الذّهبي
وذكره غيرهما وهو صحيح
الوجه الثاني :"قوله -عليه الصلاة والسلام- :"إنّ أمّتي يُدْعَوْن" المراد بأمّته أمّة الإجابة، وهم من آمن به وأسلمن ولا يدخل في هذا أمّة الدّعوة
قوله :"غُرًّا" جمع أغرّ أي ذو غُرَّة والغُرَّة أصلها لمعة بيضاء في جبهة الفرس ثمّ اُسْتُعملت هذه اللّفظة على الجمال والشّهرة وطيب الذّكر
والمراد بها هنا النّور الكائن في وجوه أمّة محمّد -صلى الله عليه وآله وسلم- من أثر الوضوء
قوله :"محجّلين" من التّحجيل، ما هو التّحجيل؟
بياضٌ في قوائم الفرس؛ من أهل العلم من قال في ثلاث قوائم
ومنهم من يرى أنّه في كلّ القوائم، في الأربعة
فمن كانت في ثلاث يقال له محجّل
ومن كانت في الأربع يقال فيه محجّل
والمراد به هنا أيضا النّور الذي يكون في أقدامهم، أو على أقدامهم، فذاك الغُرَّة في وجوههم وهذا في أطراف أقدامهم وأيديهم.
قوله -عليه الصلاة والسلام- :"من أثار الوضوء" "من" هنا تعليليّة وقوله :"آثار الوضوء" أي عاقبته
فالغُرَّة والتّحجيل نشآ عن فعل الوضوء بالماء واستخدام الماء في الوضوء ولهذا نشأت الغُرَّة والتّحجيل، وهذا يدلّ على فضل الوضوء.
الوجه الثّالث : دلّ الحديث على استحباب إطالة الغُرَّة والتّحجيل في الوضوء، وهذا الاستحباب هو الذي عليه جماهير العلماء، وهو فعل أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- وفعل ابن عمر -رضي الله تعالى عنهما- فيما أخرجه ابن ابي شيبة وأبو عُبَيْد في الطّهور بإسنادٍ حسن عنه
وهذا هو الصّحيح خلافا لمن منع
وهذا يسوقنا إلى الكلام حول لفظة :"من استطاع منكم أن يطيل غرّته فليفعل"
ذهب بعضهم إلى القول بأنّها مُدْرجة، من قول أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه-؛ ولكنّ هذا فيه بُعْدٌ والصّحيح عدم الإدراج، والإدراج يحتاج إلى بيّنة ودليل، ولهذا لم يتجاسر الحافظ ابن حجر -رحمه الله- على القطع بإدراجها، لم يتجاسر
فالصّحيح عدمه.
الوجه الرّابع :في القدر المستحبّ إطالته
قلنا يُسْتَحبُّ إطالة الغُرَّة والتّحجيل
فما هو المقدار المستحب؟
أقوالٌ لأهل العلم
قال قومٌ أنّه يُسْتَحَبُّ الإطالة والزيادة فوق المرفقين والكعبين من غير توقيت، إلى أين بالضّبط لم يوقّتوا، استحبّوا ذلك
وقال قومٌّ يُسْتَحبُّ إلى نصف السّاق ونصف العضد، وقّتوه، يعني اشتركا كلّهم في استحباب الزّيادة؛ لكنّ القسم الأوّل القول الأوّل لم يُوَقِّت
الثّاني وقّت، نصف العضد ونصف السّاق
وثالثٌ وقّت أيضا قومٌ، قالوا يُسْتَحَبُّ إلى المنكبين وإلى الرّكبتين
قال الحافظ النّووي -رحمه الله- :"أحاديث الباب تقتضي هذا كلّه"
يعني تشمل هذا
وقد جاء من صنيع أبي هريرة -رضي الله عنه- وفعله، وفعل ابن عمر -رضي الله عنهما- ما يدلّ على ذلك
أمّا من قال بعدم الجواز على الكعبين والمرفقين بناء على حديث :"فمن زاد فقد تعدّى وظلم" فقد أبعد، وهذا الحديث في عدد المرّات، لا في إطالة الغُرَّة والتّحجيل كما نصره الحافظ ابن حجر -رحمه الله- وغيره
نقف عند هذا وصلى الله وسلم وبارك على رسول الله وعلى آله وصبحه وسلّم.

هذا سائل يقول : حكم مسح العنق في الوضوء وحكم فعل ذلك؟
*الجواب*: أمّا مسح العنق في الوضوء فلم يصح فيه حديث ومن أهل العلم من عدّه في البدع
والسنّة عدم فعله

وسائل يقول : هل يًعْذر من ترك الموالاة جهلا، أو لمرض ونحوها؟
*الجواب*: من ترك الموالاة جهلا يُعَلّم، ويؤمر بالإعادة كما فعل عمر وغيره وهذا ظاهره أنّه يعمّ ذلك، يعمّ الجاهل والمتهاون
لكن هل يأثم؟ هذا هو السّؤال، نقول : لا يأثم لجهله ويُعَلَّم

وصلى الله على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم
__________________
قال الشيخ أزهر سنيقرة حفظه الله :" ومطلُوبٌ مِن طلَبة العِلم العامِلين أن يُربُّوا شبابَ الأمَّة على التَّميِيز بين العُلماء وبينَ المتشبِّعين بما لم يُعطَوا، وأن يغرِسوا في قلوبِهم تعظِيمَ الحقِّ واتِّباعه، ويربِطوهُم بالوَحي المعصُوم، حتَّى لا يكونُوا أتباعًا لكلِّ ناعِقٍ"اهـ .من مقال بعنوان (استِنسارُ البُغاثِ)
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 05-15-2012, 20:03:15 PM
الصورة الرمزية أبو عمر عبد العزيز السلفي
أبو عمر عبد العزيز السلفي أبو عمر عبد العزيز السلفي غير متواجد حالياً
عضو مميز
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: خميسة/سوق أهراس
المشاركات: 488
افتراضي الدرس الخامس


الدرس الخامس

بسم الله الرحمن الرحيم


الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبيّنا محمّد على آله وصحبه وسلّم وبعد:


قبل أن نشرع في درس اليوم، أرغب في التّنبيه على أمر يتعلّق بالدّرس الماضي، أو بتنبيهين، وهما لهما سبب، التّنبيهان لهما سببٌ


كثرة سؤال الإخوة وتكرار ذلك فرغبت أن أنبّه مع أنّي قد نبّهت أو بيّنت الرّاجح في ذلك باختصار وقد ذكرت في أوّل لقاء أنّنا سنجمع بين الطّريقة الأولى والثّانية في الشّرح؛ لكن يرغب الإخوان إلّا ويأبون إلّا أن نخرج قليلا مع أنّني لا أرغب الخروج حفاظا على أن نسير على تلك الطّريقة التي ذكرت وهي الجمع بين الطّريقتين، أعني الأولى والثّانيّة، والأولى والثّانيّة قد بينّا المراد منها في الدّرس الأوّل


وهذا التّنبيه فيما يتعلّق أيضا بمسألة الإسباغ في حديث أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- الذي مرّ معنا وفيه "فمن استطاع منكم أن يطيل غرّته فليفعل"


ولذلك قلت سأنبّه على تنبيهين:


التّنبيه الأوّل في اللّفظ الأخير الذي ذكره المصنّف -رحمه الله- قال :"وفي لفظ لمسلم قال :"سمعت خليلي -صلى الله عليه وسلم- يقول :"تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء"


هذا الحديث أيها الإخوة له سياق جاء فيه، وهو أنّ أبا حازم -رحمه الله- كنت خلف أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- وهو يتوضّأ للصلاة فكا نيمدّ يده حتّى تبلغ إبطه فقلت له يا أبا هريرة : ما هذا الوضوء؟ قال :يا بني فرّوخ أنتم هاهنا!! لو علمت أنّكم هاهنا ما توضّأت هذا الوضوء، سمعت خليل -صلى الله عليه وسلم- يقول فذكر الحديث


من أهل العلم بعضهم يقول أنّ الحديث فيه إدراج أعني حديث أبي هريرة بناءا على هذا، استنباطات واستيحاء، وليس هذا في هذا السّياق ما يدلّ على الإدراج، لِـمَ؟


غاية ما في هذا اللّفظ وفي هذا السّياق أنّ أبا هريرة -رضي الله عنه- خشي إذا ما رُئِيَ وهو يتوضّأ هذا الوضوء أن يظنّ ظانٌّ أنّ هذا هو الفرض في الوضوء، فينادي بعد ذلك أنّ هذا هو الفرض؛ لأنّ أبا هريرة أحد رواة حديث الوضوء، وهو راوي حديث التّحجيل، فليس فيه ما يدلّ على الإدراج، إنّما خشي قال :"لو علمت أنّكم هاهنا ما توضّأت هذا الوضوء" نعم الفرض إلى الكعبين، وإلى المرفقين، في اليدين والرّجلين، مازاد على ذلك فهو مندوبٌ إليه ويستحبّ


وهذا الأمر قد أشار إليه جماعة من أهل العلم ونبّهوا عليه


وأمّا الأمر الثّاني والثّالث والتّنبيه الثّاني أنّه قد استدلّ بعضهم أيضا على الإدراج بما جاء عند الإمام أحمد في المسند من حديث أبي عامر، قال حدّثنا فُلَيح بن سليمان عن نُعَيْمٍ -صاحبنا الذي يروي حديث الغُّرّة والتّحجيل عن أبي هريرة- أنّه قال زاد في آخره قال نُعَيْمٌ :"لا أدري قوله :"من استطاع منكم أن يطيل غرّته فليفعل" من قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أو من قول أبي هريرة"


فجعلوا أنّ هذا التّشكيك أو الشكّ قرينة تدلّ على الإدراج، وهذا غلط؛ لأنّ هذا الحديث حديث الإمام أحمد بهذا اللّفظ هو حديث متكلّم فيه كما سيرد لكن قبل أن أُعَرِّج عن الكلام عن هذا الحديث، وعن هذا الإسناد أقول :


الأصل في هذا الحديث عدم الإدراج، لأمور عديدة:


أوّلا : أنّ هذا الحديث بهذه الجملة "من استطاع منكم أن يطيل غرّته فليفعل" وتحجيله فليفعل، أوغرّته فليفعل" الحديث الذي معنا هذا الحديث تمام بهذا اللّفظ هو في الصّحيحين، خُرِّج في الصّحيحين محتجّا به، هذه واحدة.


ثانيا : لم أقف على أحد من أهل ممّن نقد الصّحيحين قد تكلّم على هذه الرّواية وأعلّها ونقدها، أعني من الحفّاظ الذين تصدّروا لنقد الصّحيحين


ومال لم ينتقده الحفّاظ الذين سبقوا ونخلوا الصّحيحين فلا يصحّ لك أن تأتي الآن وتنتقد


أقول لا يصحّ


فليس الحديث ممّا نقده الحفّاظ على الصّحيحين


الأمر الثّالث : أنّ الأصل في الرّوايات عدم الإدراج، إلّا ببيّنة ظاهرة قويّة تدلّ عليه ولذلك إيضاح الإدراج له مسالك، وبيان الإدراج له مسالك وطرائق عند أهل العلم بعضها قويّ وبعضها ضعيف لا يرتقي


قد فصّلنا هذه المسالك وبينّا الإدراج وحكمه في شرحنا على النّخبة وعلى الموقظة، فالأصل عدمه، ولا يستطيع إنسان أن يجزم بإدراج في حديث إلّا ببيّنة واضحة قويّة تدفع مثل هذه القوّة التي ذكرناها ممّا سبق


ثم نعرّج على الأمر الرّابع وهو الحديث الذي استدلّوا به وهو حديث الإمام أحمد من رواية فُلَيح بن سليمان


هذا الحديث من هذه الطّريق لا يصحّ الإستدلال به، ولا يستقيم


لماذا؟


لأنّه إسنادٌ معلول وعلّـه هو فُلَيح بن سليمان قال إمام يحي بن معين :" لا يحتجّ بحديثه، وهو دون الدّراوردي" عبد العزيز الدّراوردي مع سوء حفظه فُلَيح دونه


قال :"وهو دون الدّراوردي، والدّراوردي أثبت منه"


وضعّف فُلَيح أيضا الإمام أبو زرعة والنّسائي وجماعة من الحفّاظ وقال الإمام أبو داود:"ليس بشيء"


وقد ذكر جملة من هذه الأقوال الحافظ ابن حجر -رحمه الله- في كتابه هدي السّاري


قد يقول قائل أليس قد أخرج البخاري لفظه في الصّحيح؟


نقول : بلى، قد أخرج؛ ولكن اسمع إلى كلام الحافظ ابن حجر -رحمه الله- يحرّر المعنى لك الذي ذكرته


قال -رحمه الله- في الهدي :"قلت لم يعتمد البخاري اعتماده على مالك وابن عيينة وأضرابهما، وإنّما أخرج له أحاديث أكثرها في المناقب وبعضها في الرّقائق"انتهى كلامه رحمه الله.


أقول : بمعنى ماذا يقصد الحافظ ابن حجر -رحمه الله- بهذا؟


يريد أنّ الإمام البخاري -رحمه الله- لم يعتمد على فُليْح بن سليمان في أحاديث الأحكام، ومن كان حاله كذلك لا يُحْتمل تفرّده ولو بالشكّ؛ بل ما ينفرد به يعتبر منكرا ، وما خُرِّج في الصّحيح له فقد قفز القنطرة، وأمّا ما سواه في خارج الصّحيح فيوزن بهذا الميزان.


وأخيرا : ممّا أعلّه بعضهم في أنّ هذا الحديث مدرج قالوا : الإطالة تتوقع وتتصوّر في التّحجيل، أماّ في الغّرة وكما قلنا في محلّها وأنّها في الجبهة فلا يتصوّر إطالتها


فالجواب عن هذا التّعليل : بأنّ بعض أهل العلم قد ذكر أنّ الغرّة غُرَّة الوجه يمكن إطالتها، قد نقل ذلك الحافظ ابن حجر -رحمه الله- عن الرّافعي وعن غيره بأنّه يمكن إطالة غرّة الوجه ليشمله كلّه بغسل صفحة العنق، فهذه إطالة، علما بأنّنا لا نحتاج هذا أيضا لأ،ّ ذكر التّحجيل مع الغرّة :"فمن استطاع منكم أن يطيل غرّته وتحجيله فليفعل" هو "من يطيل غرّته فليفعل" هو من باب التّغليب ولهذا يذكر الفقهاء -رحمهم الله- باب استحباب إطالة الغرّة ولا يذكرون أحيانا التّحجيل


فكلّ هذه التّعليلات عليها وجهٌ يُورد عليه ويرد به على هذا القول وهذا الذي رغبت أن أنبّه عليه مع أني أشرت أنّ هذه الرّواية رواية صحيحة ومن أعلّها بالإدراج فقد غلط


قلت هذا أو لم أقل؟قلت


واكتفاءا بهذه الإشارة لكن أيضا جاء بعض الطّلبة إلّا وإلّا، فنحن هذه الإشارة من باب إشباع من كان عنده بعض شكّ


وجاءني آخر وآخرون فيما مضى من حديث :"إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم" وذكرت هناك من أوجه ذلك الكلام حول الحديث رواية مسلم :"فليرقه" وذكر لي بعضهم أنّ بعض المدرّسين قال بأنّها رواية شاذّة وذها أمر قد فصّلناه في شرحنا على المحرّر وعلى غيره، وبيّنت أنّ هذه اللّفظة محفوظة وتفرّد عليّ بن مسهر بها وليس كلّ تفرّد يعتبر شذوذا ومن رام التّفصيل فليرجع في شرحنا على النّخبة والموقظة فيعرف معنى التفرّد ومتى يكون شذوذا، ومتى يعتبر ومتى لا يعتبر


مع إلماحات موجودة في شرح البيقونيّة


على كلّ حال هذا ما جرى تحريره، وأرجو أنّنا لا نضطرّ إلى مثل هذه الإطالات لأنّنا نختصر لمناسبة المقام


الطالب : بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه،


قال المصنّف -رحمه الله- :[باب الإستطابة، عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- أنّ النبي -صلى الله عليه وسلم- كان إذا دخل الخلاء قال :"اللهمّ إنّي أعوذ بك من الخُبُث والخبائث" والخُبُث :بضمّ الخاء والباء جمع خبيث، والخبائث جمع خبيثة استعاذ من ذُكْران الشّياطين وإناثهم]


الشيخ : هكذا عندك هذه الزّيادة؟ كلّكم عندكم هذه الزّيادة؟بعضكم وبعضكم، نعم


والباب باب إيش؟


الطالب : الإستطابة


الشيخ : نعم، الكلام عن هذا الباب وما تحته من أحاديث من وجوه، وقبل أن نتكلّم عن الوجوه في حديث أنس -رضي الله عنه- ننبّه أ،ّه في أكثر نسخ الكتاب المفردة والمطبوعة مع الشّرح، مع شروحاته، فيها باب الإستطابة


وفي بعضها باب دخول الخلاء والإستطابة، وهذا البا يُعَنون له بعض أهل الحديث باب آداب التخلّي


وبعضهم يُعَنْون له باب الإستطابة


وبعضهم يجمع دخول الخلاء والاستطابة وغير ذلك والأمر فيه سهل؛ ولكن الذي يظهر أنّ الباب بدون لفظة أو جملة دخول الخلاء، هذا الذي يظهر


وأمّا ما ذكره بعد ذلك من بيان معنى الخُبُث والخبائث إلى غير ذلك فهذا في نسخة، وأظنّه في أكثر النُّسخ غير موجود


الوجه الأوّل : الإستطابة لغة مصدر استطاب، بمعنى رآه طيّبًا، مأخوذ من الطّيّب لأنّه إزالة الأذى والفضلة عن المحلّ فيطيب بها المحلّ، أعني بهذه الإزالة، فيطيب المحلّ بهذه الإزالة


وأمّا اصطلاحا فهي إزالة الأذى عن المخرجين بالماء، أو الأحجار، أو ما يقوم مقامهما


والإستطابة أيّها الإخوة هي بمعنى الإستنجاء وقد مرّ بيان الإستنجاء فيما مضى أليس كذلك؟


وبينّا ضابط الاستنجاء


ولهذا يقال استطاب الرّجل وأطاب فهو مُسْتَطيبٌ إذا استنجى


يقول أنسٌ -رضي الله تعالى عنه- أنّ النبي -عليه الصلاة والسلام- كان إذا دخل الخلاء"


ولازلنا في الوجه الأوّل


الخلاء : بالخاء المعجمة والمدّ هو مضوع قضاء الحاجة، وسبب تسميّته بالخلاء لخلائه في غير أوقات قضاء الحاجة، وهو يُسَمَّى بالكنيف، ويقال أيضا المرحاض


أصل الاستعمال لفظة الخلاء في المكان الخالي، ولكن كثر استعماله على المعنى الذي ذكرنا حتّى تُجُوِّز في ذكره عن الأذى نفسه الذي يخرجه الإنسان، تُجُوُّز في ذكره حتّى صار يطلق على الأذى نفسه الذي يخرجه الإنسان


الوجه الثّاني : قوله -رضي الله عنه- :"كان إذا دخل الخلاء" معناه إذا أراد دخول الخلاء، يدلّ عليه رواية الإمام البخاري -رحمه الله- في الصّحيح المعلّقة من حديث سعيد بن زيد أنّه قال :"إذا أراد أن يدخل"


وهذه الرواية قد وصلها المصنّف -رحمه الله- أعني البخاري في الأدب المفرد فهي تبيّن المراد من قوله :"إذا دخل الخلاء"


بمعنى أنّه يقول هذا الدّعاء عند إرادته دخول الخلاء، لا بعد دخول الخلاء


يقول هذا الذكر وهذا الدعاء عند إرادته دخول الخلاء، أو قُبَيْل دخوله للخلاء، لا بعد دخول الخلاء


وهذا بالنّسبة إلى الأمكنة المعدّة لذلك كما سيرد بيانه -إن شاء الله-، ولهذا جاءت رواية أيضا:"كان إذا أتى الخلاء" وسترد معنا دلالة "أتى" هذه أيضا فيما يرد من الأوجه.


الوجه الثّالث : قوله -صلى الله عليه وسلم- :"اللهمّ إنّي أعوذ بك من الخُبْث والخبائث"في ضبط هذه اللّفظة "الخُبُث" ضبطان:


ضمّ الباء الموحدّة "خُبُث


وإسكانها "خُبْث"


فيها الوجهان


وإذا ما ضُمَّت فهي جمع خبيث والخبائث جمع خبيثة


وإذا سُكِّنَتْ أريد بها الشرّ والمكروه ، والخبائث هي النّفوس الشرِّيرة


وأهل العلم -رحمهم الله- لهم بيانات حول معنى الخُبْث والخبائث، ولهذا يرى بعضهم أنّ الإسكان أعمّ في الدّلالة


فممّا قيل في معاني الخُبْث والخبائث، أو الخُبُث والخبائث ذكور الشّياطين، والخبائث هم إناث الشّياطين


وقيل في معناه الشرّ


وقيل أيضا الكفر


وقيل الأذى


وقيل المعاصي


وقيل الأفعال المذمومة


ولهذا قال القاضي عياض -رحمه الله تعالى- وهذا نشير إليه اختصارا كما قلت للمعاني


قال القاضي عياض -رحمه الله- :"لا يبعد أن يستعيذ -صلى الله عليه وسلم- من الكفر، والشّياطين، ومن جميع الأخلاق الخبيثة، والأفعال المذمومة، وهي الخبائث"


فلا يمنع من الاستعاذة من ذلك كلّه، ولذلك قلنا أنّ من أهل العلم من قال إنّ التّسكين يعمّ وهي دلالة أعمّ، فيدخل في ذلك ذكور الشياطين وإناث الشياطين، والأفعال المذمومة من المعاصي والشرّ كلّه بأنواعه.


الوجه الرابع : هل هذا الذكر "اللهمّ إني أعوذ بك من الخُبْث والخبائث" خاصٌّ في الأماكن المعدّة لذلك، أم أنّه يعمّ حتّى في الفضاء؟ويدخل فيه ما لو بال الإنسان في إناء، ولو لم يكن في خلاء ونحوه؟


مرّ معنا أنّ الحديث جاءت له ألفاظ تدلّ على أنّ المراد بهذه اللّفظة إذ كان يقوله -عليه الصلاة والسلام- إذا أراد دخول الخلاء، فالأماكن المعدّة لذلك ظاهرة


وتلاوة هذا الذّكر قبل الدّخول وقُبَيْل الدّخول ظاهر


ودلالة "أتى" التي مرّت الإشارة إليها تعمّ من أتى الخلاء عموما ولو أتى الفضاء أو قضى ذلك الأمر في إناء


وقالوا متى يذكر هذا؟ متى يذكره إذا ما أراده؟


إذا أراد دخول المكان المعدّ فيقول هذا الدّعاء قُبَيْل الدّخولكما قلنا لا بعد الدّخول


وإذا كان في فضاء أو في مكان كما قلنا القضاء في إناء ولا يستطيع القيام عند تشميره، عند استعداده لقضاء الحاجة من تشمير ونحوه


لا تقل كيف يقضيه في إناء؟ هذا موجود شافى الله المرضى، هذا موجود في المستشفيات لمن يعجز عن القيام


فهل نقول أنّه لا يصحّ أن يدعو بهذا الدّعاء ولا يشمله هذا الفضل؟ لا، فله أن يدعو قُبَيْل مباشرته لقضاء الحاجة


وهذا هو مذهب جماهير العلماء


لكن من أهل العلم يرى الإطلاق سواء يقول هذا الدّعاء قُبَيْل الدّخول أو بعد الدّخول ومن هؤلاء الإمام مالك -رحمه الله- يرى جواز ذكر هذا الدّعاء حتّى ولو بعد الدّخول ولا يقيّده، ومن لا يقيّد فلا إشكال عنده.


أمّا من نسي فلم يذكر الدّعاء قبل الدّخول فهل يذكره بعد الدّخول؟


من لا يرى التّفصيل فالأمر عنده سيّان، له أن يذكر


وأمّا من يرى التّفصيل كالجماهير فهم منهم من يقول أنّها سنّة قد فات وقتها فلا تقضى، ولا تُذْكر


ومنهم من يقول يستعيذ في قلبه


والأظهر الأوّل


الوجه الخامس : من فوائد هذا الحديث العظيم أنّ فيه إثبات افتقار رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى ربّه ومولاه، افتقاره واحتياجه -صلى الله عليه وآله وسلم- وهو إمام الموحّدين وسيّد المرسلين فهو يستعيذ بالله ويلتجئ به من الخُبْث والخبائث وهذا يدلّ على كمال توحيده -صلى الله عليه وسلم-


وفيه أيضا الحديث بيان ما كنا عليه الصّحابة -رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم- من ضبطهم لأمور رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأفعاله، وأحواله من ضبطهم لأفعال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- وأموره من ذلك الأذكار والأفعال والأقوال والحركات والسّكنات، وهذا من حرصهم -رضي الله تعالى عنهم- على ضبط ما يرد عن رسول الله عليه الصلاة والسلام- لأنّه شريعة


أيضا فيه بيان قدرة الله -جلّ وعلا- وأنّ بيده النّفع والضرّ -جلّ في علاه- وهو على كلّ شيء قدير


أيضا في الحديث فائدة عظيمة إثبات الجانّ والشّياطين خلافا لمن أنكر وجودهم وهذا حديث كما قلت يدلّ والآيات في هذا كثيرة وكذلك في السنّة، ومن ذلك ما جاء في الصّحيحين لمّا سئل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن الرّجل ينام حتّى يصبح لا يستيقظ إلّا على الفجر يعني الصّباح قال :"ذاك رجلٌ بال الشّيطان في أذنيه أو في أذنه"


فالشّياطين موجودة والجانّ موجود، ولا ينكره إلّا مخالف للسنّة


الطالب : قال -رحمه الله- :[عن أبي أيّوب الأنصاري -رضي الله عنه- قال : قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- :"إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول، ولا تستدبروها؛ ولكن شرّقوا أو غرّبوا" قال أبو أيّوب : فقدمنا الشامّ فوجدنا مراحيض قد بُنِيَت نحو الكعبة فننحرف عنها ونستغفر الله -عزّوجل- قال المصنّف : الغائط الموضع المطمئنّ من الأرض، كانوا ينتابونه للحاجة، فكنّوا به عن نفس الحدث كراهة لذكره بخاصّ اسمه. والمراحيض جمع مرحاض وهو الــمُغْتَسَل وهو أيضا كناية عن موضع التخلّي]


الشيخ : حتّى هذه الزّيادة عندكم؟ في بعض النّسخ أيضا هذه الزيادات في معاني الغريب موجودة، وفي جمل منها غير موجودة


الكلام عن حديث أبي أيّوب -رضي الله تعالى عنه- من وجوه:


الوجه الأوّل : قوله -رضي الله عنه- قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- :"إذا أتيتم الغائط" الغائط مأخوذ من الغَوْط والغوط هو عمق الأرض الأبعد، ومنه قيل للمطمئنّ من الأرض غائط، المطمئنّ يعني النّازل منها غائط


ومنه أيضا قيل لموضع قضاء الحاجة قيل له أو سُمِّي وأُطْلِق عليه الغائط؛ لأنّ العادة أنّ الحاجة تُقْضى في الأماكن المنخفضة من الأرض لأنّها أستر ثمّ اُتُّسِع في ذلك حتّى صار يُطْلق هذا اللّفظ على النّجو نفسه، وعلى الأذى الذي يخرجه الإنسان نفسه


قوله أيضا :"فلا تستقبلوا القبلة" الألف واللّام في "القبلة" للعهد، والمراد الكعبة، أو جهتها، ولا يصحّ أنّها للجنس، ولا يصح أن يقال أنّ الألف واللّام هنا هي للجنس؛ لأنّ وإن كان بيت المقدس كان قبلة فهي قبلة منسوخة، والحديث الذي ورد في النّهي عن استقبال بيت المقدس حديث ضعيف، أعني النّهي عن استقباله أو استدباره ببول أو غائط، وعليه فالألف واللّام هنا للعهد، فالمراد بها الكعبة أو جهتها.


قول أبي أيّوب -رضي الله تعالى عنه- :"قدمنا الشّام فوجدنا مراحيض" المراحيض بفتح الميم وبالحاء المهملة وبالضادّ المعجمة جمع مرحاض بالكسر، وهو البيت المتّخذ لقضاء حاجة الإنسان أي التغوّط كما قاله الحافظ النّووي -رحمه الله-


قوله -صلى الله عليه وسلم- :"ولكن شرّقوا أو غرّبوا" هذا خطابٌ لأهل المدينة، ومن كان في سمتهم كأهل الشّام ؛ لأنّ القبلة بالنّسبة لأهل المدينة جنوبيّة فما كان على سمت المدينة، وقبلة أولئك جنوب يأخذ حكم المدينة


وكذلك يدخل فيها أهل اليمن؛ لأنّ قبلتهم شمال فيُشَرِّق أهل المدينة ومن كان في سمتهم واليمن ومن كان في سمتهم ويُغَرِّبوا


أمّا من كان في شرقها أو في غربها يأخذ شمالا أو جنوبا


قول أبي أيوب -رضي الله تعالى عنه- :"فننحرف ونستغفر الله" لماذا يسغفر رضي الله تعالى عنه؟ ما سبب استغفار أبي أيوب -رضي الله تعالى عنه-؟


كلام كثير لأهل العلم في سبب استغفاره


الأظهر من ذلك أنّ أبا أيّوب -رضي الله تعالى عنه- ممّن يرى تحريم استقبال القِبْلة عموما في الصّحاري أم في البنيان.


ولكنّه لمّا كان هو غير الباني لم يبن قال :"فقدمنا الشّام فوجدنا مراحيض قد بُنِيَت" ليس هو الذي بناها وهو محتاج إلى دخول تلك الأماكن فكان يدخل ويحاول الانحراف ولا يستطيع


قال :"فننحرف عنها" يعني قدر استطاعتنا، وليس الانحراف التامّ الذي يدلّ عليه قوله -صلى الله عليه وسلم- :"شرّقوا أوغرّبوا" التّشريق أو التّغريب هو انحراف تام بالكليّة، ولكن هنا قال :"ننحرف" يعني انحرافا غير تام ونستغفر الله، لا يستطيع أن ينحرف أكثر من هذا، فهو ينحرف ويستغفر الله -عزّ وجل- من ذلك من باب الاحتياط وهؤلاء هم أهل الورع، والتّقى، والنقاء -رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم- مع أنّهم ليس لهم في ذلك يد، مع هذا يستغفرون الله تحقيقا لتقواه -جلّ وعلا-


الطالب :[وعن عبد الله بن عمر بن الخطّاب -رضي الله عنهما- قال : رقيت يوما على بيت حفصة فرأيت النبيّ -صلى الله عليه وسلم- يقضي حاجته مستقبل الشامّ، مُسْتَدْبِر الكعبة]


الشيخ : الحديثان دلالتهما واحدة ولذلك الكلام عليهما كلاهما من وجوه تأتي تباعا:


لازلنا في الوجه الأوّل : قول ابن عمر في الحديث الذي يليه "رقيت" هو بكسر القاف، ضبطها يكون بكسر القاف، بمعنى صعدت، يقال : رَقِي بالكسر، يرقَى بالفتح إذا صعد المرء سلّما، أو منبرا أو مكانا عاليّا ارتقى إليه


وهناك لغة لأهل طيّ بالفتح "رقَيْتُ" لكنّ المشهور هو الكسر


الوجه الثّاني : حكم استقبال واستدبار القبلة ببول أو غائط


أقوال في المسألة محصّلتها خمسة:


القول الأوّل : المنع مطلقا، وساء كان في البنيان، أو كان في الصّحاري، وممّن قال بهذا القول أب وأيّوب -رضي الله تعالى- عنه راوي الحديث، وهو قول لمجاهد وإبراهيم النّخعي، وسفيان الثّوري، ورواية عن الإمام أحمد، وهم أعملوا هذا الحديث وجعلوا أنّ العلّة مذكورة، علّة المنع مذكورة في الحديث نفسه وهو تعظيم القبلة، واحترامها وهذا المعنى أعن التّعظيم معنى مناسب لورود الحديث


فإذًا حصروا العلّة في ذلك وقالوا بالمنع مطلقا


والقول الثاني : الجواز مطلقا سواء كان في الصّحاري أو في المباني، وهو قول لعروة بن الزّبير وربيعة شيخ مالك، وداود بن علي الظّاهري، وجماعة وعاملوا حديث أبي أيّوب بالنّسخ، قالوا حديث أبي أيّوب منسوخ


دليل النّسخ حديث ابن عمر الآتي بعد، وهو حديث متّفق عليه


وأيضا ما أخرجه الإمام أبو داود والتّرمذي وابن ماجة وابن حبّان في الصّحيح، وابن خزيمة في الصّحيح والحاكم في المستدرك من حديث جابر -رضي الله تعالى عنه- أنّه قال :"نهى رسول الله -صلّى الله عليه وسلم- أن نستقبل القبلة ببول فرأيته قبل أن يُقْبَض بعام يستقبلها" وهذا الحديث حديث صحيح، صحّحه الإمام البخاري -رحمه الله- ولا حجّة لمن أعلّه ومن قال بإعلاله فليس بصحيح، صحّحه الإمام البخاري،وابن حبّان، وابن خزيمة، والحاكم، وابن الملقّن، وغيرهم، فهو حديث صحيح


قالوا هذه الأحاديث تصرف حديث أبي أيّوب -رضي الله تعالى عنهم جميعا- عن ظاهره وقالوا بأنّه حديث منسوخ ونسخ حديث أبي أيّوب


لكن الصّيرورة إلى النّسخ لا يصار إليها إلّا عند تعذّر الجمع وعدم إمكانه


أقول لا يقال بالنّسخ هكذا إلّا إذا عُدِم الجمع، أمّا إذا أمكن الجمع فإعمال الحديثين أولى من إهمال أحدهما كما هي القاعدة المقرّرة، والجمع ممكن كما سيرد


وأمّا القول الثّالث : فهو الجواز للاستدبار في البنيان والصّحاري، يعني يجوّزون الاستدبار في الصّحاري وفي البنيان، دون الاستقبال، وهذه رواية مروية عن الإمام أبي حنيفة والحديث يردّها


فحديث أبي أيّوب في الباب شامل :"لا تستقبلوها، ولا تستدبروها"


والقول الذي يليه وهو الرّابع: جواز الاستدبار في البنيان، دون الاستقبال، يعني يخصّون الجواز في الاستدبار في البنيان، الصّحاري يحرم فيها الاستقبال والاستدبار


أمّا في البنيان يجوز الاستدبار دون الاستقبال، وهذا قول لأبي يوسف من أصحاب أبي حنيفة، وهو ترجيح العلامة ابن عثيمين -رحمة الله عليه- وذكروا أنّ حديث أبي أيّوب -رضي الله تعالى عنه- حديث شامل في الاستقبال والاستدبار، وأمّا حديث ابن عمر فهو صارف لذلك ويخصّص ما تقدّم ويصرفه فيجوّز الاستدبار فقال :"فرأيت النبي -عليه الصلاة والسلام- يقضي حاجته مستقبل الشام، مُسْتَدْبِر الكعبة"


وقالوا إنّ الاستدبار أخفّ قبحا من الاستقبال


والقول الخامس : التّحريم في الصّحاري استقبالا واستدبارا، والجواز في البنيان استقبالا واستدبارا وهذا الذي عليه جماهير أهل العلم كابن عمر -رضي الله تعالى عنه- والعبّاس بن عبد المطّلب، وعليه الإمام مالك، والشّافعي، وهو رواية عن الإمام أحمد وهو المشهور في المذهب، المشهور في مذهب الحنابلة، وهو قول الإمام إسحاق وغيرهم من الأئمّة، وهو الرّاجح جمعا بين الأدلّة


والاستقبال والاستدبار في معنى الاستقبال والمعنى واحد وفي هذا القول إعمال للأحاديث كلّها لكن إذا ما بنى الإنسان بيتا وأراد أن يبني المراحيض فإنّ الأولى له أن لا يجعلها إلى جهة القبلة، وهذا أمرٌ ميسور وسهل ولله الحمد، وممكن، ولا يتساهل الإنسان فيهن خروجا من هذا الخلاف القويّ الذي حصل بين أهل العلم


الوجه الثالث : هل الجماع يُلْحق بحكم قضاء الحاجة؟ بمعنى إذا ما أتى الإنسان ليقضي وطره هل يُمْنع من الاستقبال أو الاستدبار؟


هذه مسألة مبنيّة على محلّ العلّة في النّهي، هل محلّ العلّة انكشاف العورة؟ أم محلّ العلّة الخارج؟ يعني الأذى


فالمستقبل والمستدبر لقضاء حاجته يخرج منه أذى فهل العلّة من النّهي في الاستقبال والاستدبار الأذى الخارج نفسه؟ أم انكشاف العورة؟


فمن حمل على أنّ العلّة انكشاف العورة منع؛ لأنّ العلّة موجودة حتّى في حال قضاء الوطر أو الوطئ


ومن حمل العلّة وقال بأنّ العلّة خروج الأذى يرى الجواز؛ لأنّه ليس ثمّة خارج من أذى، فلا أذى يخرج


والصّحيح في هذا أنّ الوطأ لا يُلْحق بحكم قضاء الحاجة؛ بل لا يُكْره فضلا عن أن نقول بالجواز، لا يكره لا استقبال ذلك ولا استدباره، أعني القبلة حين قضاء الوطر؛ لأنّ القول بالكراهة، أو القول بالتّحريم يحتاج إلى نصّ شرعي، ودليل شرعي ولا دليل في هذا، وهذا القول الذي عليه جماهير العلماء والأئمّة كأبي حنيفة وأحمد والشّافعي، وغيرهم من العلماء والحفّاظ


وأيضا مع أنّه لم يرد في الشّرع فيبقى الأمر على البراءة الأصليّة، وهي الجواز


الوجه الرّابع : في حديث ابن عمر -رضي الله عنه- لمّا قال :" رقِيت يوما" لم يكن ارتقاء ابن عمر -رضي الله تعالى عنهما- على سطح بيت حفصة بقصد التجسّس، والاطّلاع على ما لا يجوز له أن يطّلع عليه، لم يقصد ذلك، وإنّما كان صعوده -رضي الله عنه- على سطح المنزل اتّفاقا، لم يتعمّد ولم يقصد أن يرتقي ليرى ويتجسّس


وقد جاءت رواية عند الإمام البخاري -رحمه الله- في الصحيح تظهر ذلك وهو أنّه قال -رضي الله عنه- : ارتقيت فوق بيت حفصة لبعض حاجتي


إذًا له حاجة قصدها وأرادها -رضي الله تعالى عنه- فهذه تؤيّد وتدلّ على أنّه لم يرد التجسّس والاطّلاع على ما لا يجوز له أن يطّلع عليه، ولهذا ذكر أهل العلم أنّه إنّما ارتقى ضرورة


وما رأى من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إنّما رأى كما قال العلماء رأى ظهره، ولم ير منه ما لا يجوز أن يراه، يعني عورة النبي -صلى الله عليه وسلم- ومع ذلك مع أنّها كما يقال التفاتة، يقول ابن عمر كما في رواية البيهقي :"فحانت لي التفاتة" من غير قصد كما هي رواية البيهقي، من رواية الأعمش لهذا الحديث، قال :"فحانت لي التفاتة" التفت مع هذه الالتفاتة ولم ير من رسول الله -عليه الصلاة والسلام- ما لا يجوز أن يراه حفظ لنا هذا الحكم الشّرعي -رضي الله تعالى عنه- وأرضاه.


وهي فائدة عظيمة -رضي الله تعالى عنه وأرضاه- إذًا عرفنا أن ارتقاء ابن عمر لم يكن بقصد التجسّس؛ لأنّ اللّفظ قد يوهم ذلك فالرّوايات إذا ضُمَّت بعضها إلى بعض وجُمِعت الألفاظ ظهر لك المعنى


الوجه الخامس : من فوائد هذين الحديثين وفقههما تكريم القبلة وجهتها


أيضا من فوائد هذين الحديثين وفقههما المستنبط أنّ النبي -عليه الصلاة والسلام- كان حريصا على أمّته في بيان ما يحتاجونه، وذلك في قوله :"إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة، ولا تستدبروها؛ ولكن شرّقوا أو غرّبوا"


أيضا من فقه هذا الباب ابتداء أهل العلم أصحابهم وطلبة العلم بالتّعليم والبيان خصوصا إذا ما احتاجوا إلى ذلكم البيان، فأنت ترى في حديث أبي أيوب أنّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد ابتدأهم بالبيان، قبل أن يسألوه لعلمه بالحاجة، بحاجتهم إلى ذلك البيان


أيضا من فقه الباب بيان حرص الصّحابة -رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم- في تتبّع أحوال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ونقلها بأمانة تامّة


الطالب : قال -رحمه الله- :[عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال : كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يدخل الخلاء فأحمل أنا وغلامٌ نحوي إداوة من ماء وعَنَزَة، فيستنجي بالماء" العَنَزَة : الحربة]


الشيخ : ما عند الإداوة؟ عندكم زيادة الإداوة؟ بيان معنى الإداوة؟


أنت مرّة تزيد مرّة تنقص، أو هو النّاسخ مرّة يزيد


حديث أنس -رضي الله تعالى عنه- يقول فيه -رضي الله تعالى عنه-:"كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يدخل الخلاء فأحمل أنا وغلامٌ نحوي معي إداوة من ماء وعَنَزة فيستنجي بالماء]


الكلام على هذا الحديث شرحا من وجوه:


الوجه الأوّل : قوله -رضي الله تعالى عنه- :"كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يدخل الخلاء" بمعنى ما تقدّم أي يريد دخول الخلاء، والمراد بالخلاء هنا في هذا الحديث -حديث أنس- هو الفضاء، وجاء في رواية :"كان إذا خرج لحاجته" فهذا يدلّ على أنّ المراد بالخلاء هنا الفضاء لا المكان المعدّ لقضاء الحاجة


ويدلّ على أنّ المراد به الفضاء أيضا زيادة على الرّواية حمل أنس -رضي الله تعالى عنه- للعَنَزة ومعه إداوة الماء، ومعلوم أنّ حمل العَنَزة بين يدي رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- إنّما كان يحملها معه حيث لا سترة يتّخذها غيرها، إذا أراد أن يصلّي في الفضاء جعل العَنَزة بين يديه وصلّى، يتّخذها سترة.


وأيضا غالبا الأخليّة التي كانت في بيوته -صلى الله عليه وسلم- كان يليه في خدمته إذا دخلها أهله


فهذه كلّها تدلّ على أنّ المراد بالخلاء هنا هو الفضاء


قوله -رضي الله عنه- :"وغلامٌ نحوي" يعني يريد -رحمه الله- غلامٌ مقاربٌ لي في السنّ والحريّة، لا أنّه مثله من كلّ وجه وهذا يدلّ عليه أيضا رواية عند البخاري في الصحيح قال :"وغلامٌ منّا"


وجاء عند ابن حبّان :"من الأنصار" هذا الغلام من الأنصار


فهذه الرّوايات تدلّ على المعنى الذي ذكرت


قوله:"إداوة" بيّن عندكم الحافظ المقدسي -رحمه الله- قال :[إناء صغيرٌ من جلد]


الإداوة بكسر الهمزة هي بالكسر، إناءٌ صغير من جلد يُتَخَذُ للماء، يعني يوضع فيه الماء


والعَنَزَة : قال عندكم :[ الحربة الصّغيرة] هذا اختيار، وهذا أحد المعاني في معنى العَنَزة، وهي ضبطها بفتح العين والنّون والزّاي عَنَزَة، ومن معانيها الحربة الصّغيرة


قال الإمام البخاري في الصّحيح عقب الحديث :"العَنَزَة عصا فيها زُجٌّ" بالضمّ


الزُجُّ : هي سنّان، فيها مثل الأسنان، ولهذا قالوا أنّها أقصر من الرّمح، الرّمح فيه طول، وهذه أقصر من الرّمح


قوله -رضي الله تعالى عنه- :"فيستنجي بالماء" الاستنجاء الذّهاب إلى النّجو من الأرض لقضاء الحاجة


والنّجوة المرتفعة منها، النّجوة هي المرتفع من الأرض، المكان المرتفع من الأرض


لماذا يتّخذونه؟


لقضاء الحاجة؛ لأنّه أستر كمثل المنخفض من الأرض، الغائط، وساء المرتفع يستر، وكذلك المنخفض يستر عن أعين النّاس


الوجه الثّاني : الحديث حديث أنس دالٌّ على جواز الاستنجاء بالماء والاقتصار عليه، ترجم الإمام البخاري لهذا الحديث في الصّحيح فقال :"باب الاستنجاء بالماء"


لماذا عقد البخاري هذا الباب؟


عقد هذا الباب ليردّ على من كره الاقتصار في الاستنجاء على الماء، بعضهم يكره الاقتصار في الاستنجاء على الماء فالبخاري -رحمه الله- بوّب بهذا الباب وأورد حديث أنس -رضي الله تعالى عنه- قال :"فيستنجي بالماء" وحده


وأراد -رحمه الله - أعني البخاري أيضا الردّ على من نفى، بعضهم نفى أن يكون النبي -عليه الصلاة والسلام- قد اقتصر في استنجائه على الماء


فأيضا عقد هذا الباب ليردّ على من كره الاقتصار، وكذلك يردّ على من نفى وقوع استنجائه -عليه الصلاة والسلام- بالماء وحده


الوجه الثّالث : زعم بعضهم أنّ لفظة وجملة "فيستنجي بالماء" مدرجة، قال بعضهم إنّها مدرجة من كلام عطاء، والجملة التي هي عندك هي من كلام أنس -رضي الله عنه- يصف حال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولها حكم الرّفع


فزعم بعضهم أنّها مدرجة من كلام عطاء -رحمه الله-


وعليه تكون مرسلة ومدرجة ومدخلة في الحديث، وهي مرسلة فهي ضعيفة وهذا غلط


يدلّ على أنّها غلط ما أخرجه الإمام مسلم في الصّحيح من حديث أنس نفسه من رواية خالد الحذّاء عن عطاء عن أنس فيه قال أنس:"فخرج علينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فخرج علينا وقد استنجى بالماء"


يقول أنس :"فخرج علينا" وهذه لا يمكن أن يقولها عطاء؛ لأنّ عطاء ليس في الصّحابة


فهذه تدلّ على أنّ "فيستنجي بالماء" من كلام أنس -رضي الله عنه- فقال :"فخرج علينا وقد استنجى بالماء"


من فوائد هذا الحديث وهو الوجه الرّابع : بيان الأدب في قضاء الحاجة ومن ذلك التّباعد عن النّاس عند قضائها والاستتار عن أعينهم


أيضا من فوائد هذا الحديث جواز استخدام الرجل الفاضل بعض أتباعه الأحرار في الاستعانة بهم وبخاصّة في أمور التعبّد كالطّهارة


ومن فوائد الحديث خدمة الصّالحين وأهل الفضل وأنّ ذلك يُعَدُّ في المناقب


الطالب، قال -رحمه الله- :[عن أبي قتادة الحارث بن رِبعي -رضي الله عنه- أنّ النّبي -صلى الله عليه وسلم- قال:"لا يُمسِكَنَّ أحدكم ذكره بيمينه وه ويبول، ولا يتمسّح من الخلاء بيمينه، ولا يتنفّس في الإناء"]


الشيخ : الكلام عن حديث أبي قتادة -رضي الله تعالى عنه- من أربعة أوجه:


الوجه الأوّل : حُكْم الاستنجاء باليمين، في بيان حكم الاستنجاء باليمين؛ لأنّ هذا الحديث قد اشتمل على ثلاث جمل "لا يُمْسِكَنَّ أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول"، و"لا يتمسَّح من الخلاء بيمينه"،و"لا يتنفّس في الإناء"


فحكم الاستنجاء باليمين


مسألة الاستنجاء فيها من الأحاديث حديث الباب الذي معنا حديث أبي قتادة، وفيها أيضا حديث سلمان وهو عند مسلم وغيره في الصحيح قوله -رضي الله عنه- :"نهانا -صلى الله عليه وسلم- أن نستقبل القبلة بغائط، أو بول، أو أن نستنجي باليمين، أو أن نستنجي بأقلّ من ثلاثة أحجار"


وعندنا حديث الباب :"لا يُمْسِكَّنَّ أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول، ولا يتمسّح من الخلاء بيمينه"


فعندنا حديث سلمان -رضي الله تعالى عنه- مطلق :"أو أن نستنجي باليمين" هل هو على عمومه وعلى إطلاقه، في حال تبوّل، وفي غير حال تبوّل؟ أم أنّه يُقيَّد بحديث أبي قتادة -رضي الله تعالى عنه- الذي عندنا يعني النّهي عن مسّ الذّكر باليمين حين البول


فمن أهل العلم من قال بالعموم، ونهى عن مسّ الذّكر باليمين مطلقا، ولهم في ذلك مبحثٌ طويل


وقولٌ لأهل العلم خصّوه بأنّ المنع خاصٌّ في حالة التبوّل بناءا على حمل المطلق على المقيّد


وعلى كلّ كلا القولين قويٌّ وله حظ من النّظر والأحوط والأورع للإنسان عدم المسّ مطلقا بيمينه


الوجه الثّاني : قوله -عليه الصلاة والسلام- :"ولا يتمسّح من الخلاء بيمينه" مرّ معنا أنّه أُطْلِق الخلاء على الأذى الذي يخرج من السّبيلين، وقلنا أنّه يطلق على المكان الخالي إلى غير ذلك


قوله :"لا يتمسّح من الخلاء بيمينه" هذا يشمل القُبَل والدُّبر، لفظ يعمّ القُبَل والدُّبر، فلا يتمسّح من الخلاء بيمينه


أمّا عن كيفيّة التمسّح قد يكون ظاهرا في الدّبر، وغير ظاهر في القُبُل


ولأهل العلم في ذلك كلامٌ وصور ولعلّ أقرب تلك الصّور وهو الذي صوّبه الحافظ ابن حجر ما ذكره الحافظ الخطّابي -رحمه الله- من تلك الصّور وهي أن يُمِرَّ بعضوه بيساره على شيء يمسكه بيمينه، فيكون هذا الــمُمْسَك باليمين ثابتا غير متحرّك، فمن فعل ذلك فلا يكون مُسْتَجْمرا بيمينه، ولا متمسّحا بيمينه، من فعل ذلك فلا يكون مُسْتَجْمرا ولا متمسّحا ولا مستنجيا بيمينه كمن يمسك بالماء بيمينه فيصبّه على يساره ليغسل موضع الأذى من الموضعين


لا يُقال أنّه غسله بيمينه.


الوجه الثّالث : هل المرأة كالرّجل في هذا النّهي؟


أكثر العلماء وجماهيرهم على أنّها كذلك، لأنّ سبب النّهي هو إكرام اليمين، وصيانة اليمين عن الأقذار وإن ذكر الرّجال في هذا الخطاب فهذا على وجه الغالب والنّساء يدخلن في ذلك لأنّهن شقاقئق الرجال خلافا للظّاهرية الذين حصروا وقصروا أنّ الخطاب خاصٌّ بالرّجال؛ لأنّ العلّة والمعنى موجود حتّى في النّساء وهو إكرام اليمين وصيانة اليمين


الوجه الرّابع : قوله -عليه الصلاة والسلام- :"ولا يتنفّس في الإناء" أي لا يتنفّس فيه هو نفسه عندما يشرب منه لايتنفّس في الإناء نفسه وإنّما يتنفّس خارجا عن الإناء، يتنفّس خارج الإناء؛ لأنّ في ذلك صيانة الإناء من وقوع الأذى والقذر والنّتن الذي قد يصحب ذلك، قد يُنْتِن الماء هذا النّفس، وقد يُنْتِن الإناء خاصّة إذا كان الإنسان مريضا، أو مزكوما وفيه علّة


الطالب : قال -رحمه الله- :[عن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- قال : مرّ النبي -صلى الله عليه وسلم- بقبرين فقال : إنّهما ليعذّبان وما يعذّبان في كبير، أمّا أحدهما فكان لا يستتر من البول، وأمّا الآخر فكان يمشي بالنّميمة، فأخذ جريدة رطبة فشّقها نصفين فغرز في كلّ قبر واحدة فقالوا : يا رسول الله : لِـمَ فعلت هذا؟، قال : لعلّه يُخَّفَّف عنهما ما لم ييبسا"]


الشيخ " الكلام عن هذا الحديث حديث عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- من وجوه:


الوجه الأوّل : قوله -رضي الله عنه- :"مرّ النبي -عليه الصلاة والسلام- بقبرين" هذا من باب تسمية الشّيء بمحلّه، والمراد أنّه مرّ بصاحب القبرين أو بصاحبي القبرين، فهو من باب تسمية الشيء بمحلّه، وإلّا القبور موجودة، بعض القبور موجودة محفورة ولا يوجد فيها أحد، فالمراد بصاحبي القربين


ومكان القبرين هذا المكان مكانهما جاء عند البخاري في الصحيح أنّهما كانا في حائط من حيطان المدينة أو مكّة، إيش المراد بالحائط؟ بستان يعني، في أحد بساتين المدينة، قال الراوي : في المدينة أو مكّة، شكّ الرّاوي؛ لكن جاءت الرّواية في كتاب الصّحيح أيضا في البخاري على الجزم من كتاب الأدب فيها قال :"أنهما في حائط من حيطان المدينة" مافيه أو مكّة


قوله -عليه الصلاة والسلام- :"وما يعذّبان في كبير" قال :"وإنهما ليعذّبان وما يعذّبان في كبير" هذه الجملة فيها تفسيرات عدّة، أظهرها ثلاثة :


التّفسير الأوّل : إنّه ليس بكبير عندكم؛ لكنّه عند الله كبير، من حيث الذّنب، ذنب كبير، وهذا يدلّ عليه رواية البخاري في موطن قوله -عليه الصلاة والسلام- :"وإنّه لكبير"وفي رواية عند البخاري أيضا:"وما يعذّبان في كبير، بلى" فهذا يدلّ على أنّه كبير وجرم كبير وذنب كبير


التّفسير الثّاني : أنّه ليس بأكبر الكبائر، هذا الفعل ليس بأكبر الكبائر وإن كان هو من الكبائر.


لماذا هو ليس بأكبر الكبائر؟


الكبائر متفاوتة، بعضها أشدّ من بعض وإن كان يجمعها وصف أنّها من الكبائر


التّفسير الثالث : ليس بكبير تركه عليهما، لا يشقّ عليهما تركه، وإنّما صار كبيرا بمواظبتهما عليه.


هناك أقوال عدّة وأظهرها كما قلت هذه الثّلاثة، وأقواها الأوّل


قوله -صلى الله عليه وسلم- :"لا يستتر من البول" هكذا أكثر الرّوايات "لا يستتر" بتاءين، وهناك روايات عند البخاري :"يستبرئ" بالباء من الاستبراء


ورواية أخرى عند مسلم وغيره :"يستنزه"


هذه الرّوايات هي أصحّ الرّوايات، هناك روايات أخرى غير صحيحة


فهي عندنا كم رواية؟ ثلاثة :"يستتر"، "يستبرئ"، "يستنزه"


رواية الأكثر :"يستتر" بمعنى الاستتار، "لا يستتر" من الاستتار بمعنى لا يجعل بينه وبين بوله ما يستره بحيث يتحفّظ ويتحرّز منه


على هذا المعنى يتوافق معنى الاستتار مع معنى الاستنزاه، وهو من التنزّه في قوله:"يستنزه" من التنزّه وهو الابتعاد، ولهذا يقال : خرج في نزهة، يتنزّه يبتعد، ولهذا من الابتعاد فهي تتوافق مع معنى الاستتار وهو الابتعاد


ويفسّره أيضا، ويزيده تفسيرا وإيضاحا ما جاء عند أبي نعيم في المستخرج من طريق وكيع قوله في الحديث :"كان لا يتوقّى" ومعلوم أنّ التّوقّي كيف يكون؟


بالاستتار والاستنزاه والتحفّظ والابتعاد عمّا قد يصيب المرء من بول


ومعلوم أنّ الاستبراء أبلغ في التوقّي، وهي اللّفظة الثّالثة


من أهل العلم من حمل هذا اللّفظ على ظاهره:"لا يستتر" على ظاهره فقال :"لا يستتر" بمعنى لا يستتر ولا يتّخذ ستارا عن أعين النّاس فلا يستر عورته عن النّاس فلهذا عُذِّب


المعاني الماضية أنّ التّعذيب سببه أنّه لم يستتر بمعنى لم يستنزه ولم يتحفّظ ولم يبتعد عن البول الذي أصابه


أمّا على هذا المعنى فسبب العذاب لا البول، وإنّما أنّه ما ستر عورته عن أعين النّاس


من قال بأخذه على ظاهره وأنّ الاستتار هنا لم يستر عورته عن أعين النّاس؛ لكن نحن وإن قلنا بأنّ كشف العورة أمام أعين النّاس ذنب عظيم وخطير وكبير؛ لكن هنا في هذا الحديث ليس هو المراد وهذا قول ضعيف-بارك الله فيكم-؛ لأنّه لو كان كما قلنا الكشف هو المراد لاستقلّ الكشف بالعذاب والوعيد


ولما كان لذكر البول معنى واعتبار، فيكون العذاب سواء وقع منه البول أو لم يقع منه البول، لمجرّد الكشف، مع أنّ السّياق في هذا الحديث يأبى كما قلت هذا المعنى


قلت إنّه قولٌ ضعيف


ويدلّ على أنّ هذا المعنى ضعيف، وأنّ ذاك هو القوي ما جاء عند الإمام أحمد وابن ماجة في السنن من حديث أبي بكرة -رضي الله تعالى عنه- قال :"أمّا أحدهما فيُعَذَّب في البول"


قوله -عليه الصلاة والسلام- :"يمشي بالنّميمة" نمّ الحديث يُنِمُّه بالكسر، ويَنُمُّه كلاهما صحيح نمًّا فهو نمّام، ونموم والاسم النّميمة


ومعنى النّميمة لغة أي الإظهار والإشاعة


أمّا حقيقتها نقل الكلام بين النّاس على سبيل الإفساد والوقيعة بينهم


الأصل في النّميمة التّحريم { هماز مشاء بنميم } وهذا الحديث يدلّ أيضا على التّحريم؛ لكن تستثنى من ذلك ما إذا كانت في مصلحة راجحة من إصلاح بين اثنين، ودفع ضرر ونحو ذلك ممّا له مقصد شرعيّ صحيح، فهي تباح لغرض شرعي صحيح وإلّا فالأصل التّحريم.


الوجه الثّاني : الحديث يدلّ على نجاسة بول الإنسان الكبير، وهناك خلاف في الرّضيع، ويجب اجتنابه، سواء كان كثيرا أم قليلا


الوجه الثّالث : في هذا الحديث إثبات عذاب القبر ونعيمه، خلافا لمن أنكره


الوجه الرّابع : في الحديث دليلٌ على وجوب إزالة النّجاسة ولو لم يدخل وقت الصّلاة؛ لأنّ بعضهم يخصّ أنّ الإزالة واجبة عند دخول وقت الصلاة فلا، يستنزه من البول أو يستنزه من بوله


الوجه الخامس : فيه أيضا الردّ على المرجئة الذين يقولون لا يضرّ مع الإيمان ذنبٌ فما فعلاه معصيّة وضرّ


الوجه الأخير : حقيقة هي فائدة نفيسة في التجرّد للحقّ قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله- في الفتح:"قد تأسّى بريدة بن الحُصَيب الصّحابي بهذا الحديث أو بذلك، يعني بوضع الجريد على قبر


"فأوصى أن يوضع على قبره جريدتان وهو أولى أن يُتبَّع من غيره" هكذا قال أعني الحافظ ابن حجر


علّق الإمام عبد العزيز بن عبد بن باز على كلام الحافظ هذا، وهذه هي النُّكتة قال -رحمه الله-، وكان قد ذكر الحافظ قبله كلاما لأهل العلم كالخطّابي المنع من ذلك


علّق الإمام ابن باز -رحمه الله- قائلا:"الصّواب في هذه المسألة من استنكار الجريد ونحوه على القبور؛ لأنّ الرّسول -صلى الله عليه وآله وسلّم- لم يفعله إلّا في قبور مخصوصة أُطْلِع عىل تعذيب أهلها ولو كان مشروعا لفعله -صلى اله عليه وسلم- في كلّ القبور وكبار الصّحابة كالخلفاء لم يفعلوه، وهم أعلم بالسنّة من بُرَيْدة -رضي الله تعالى عن الجميع-"


نقف عند هذا وصلّى الله على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلّم
__________________
قال الشيخ أزهر سنيقرة حفظه الله :" ومطلُوبٌ مِن طلَبة العِلم العامِلين أن يُربُّوا شبابَ الأمَّة على التَّميِيز بين العُلماء وبينَ المتشبِّعين بما لم يُعطَوا، وأن يغرِسوا في قلوبِهم تعظِيمَ الحقِّ واتِّباعه، ويربِطوهُم بالوَحي المعصُوم، حتَّى لا يكونُوا أتباعًا لكلِّ ناعِقٍ"اهـ .من مقال بعنوان (استِنسارُ البُغاثِ)

التعديل الأخير تم بواسطة أبو عمر عبد العزيز السلفي ; 05-15-2012 الساعة 20:29:30 PM
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 05-16-2012, 18:55:15 PM
الصورة الرمزية أبو عمر عبد العزيز السلفي
أبو عمر عبد العزيز السلفي أبو عمر عبد العزيز السلفي غير متواجد حالياً
عضو مميز
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: خميسة/سوق أهراس
المشاركات: 488
Stqou 6323c419d7

*الدّرس السادس*

[[باب السِّواك]]


الطالب : بسم الله والحمد لله والصلاة السلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه، أما بعد:


قال المصنّف -رحمه الله- :[باب السِّواك، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال :"لولا أن أشقَّ على أمّتي لأمريتهم بالسِّواك عند كلّ صلاة"


عن حذيفة بن اليمان -رضي الله عنه- قال : كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا قام من اللّيل يشوص فاه بالسِّواك"، يشوص : معناه يغسل، يُقَال : شاصه يشوصه وماصه يموصه إذا غسله


عن عائشة -رضي الله عنها قالت : دخل عبد الرحمن بن أبي بكر -رضي الله عنه- على النبي -صلى الله عليه وسلم- وأنا مُسْنِدَتُه إلى صدري ومع عبد الرّحمن سواكٌ رطبٌ يستنّ به، فأمدّه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بصره فأخذت السِّواك فقضمته وطيّبته، ثمّ دفعته إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فاستنّ به فما رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- استنّ استنانا أحسن منه، فما عدا أن فرغ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رفع يده -أو إصبعه- ثمّ قال : في الرّفيق الأعلى" ثلاثا، ثمّ قضى، وكانت تقول : مات بين حاقنتي وذاقنتي -وفي لفظ : فرأيته ينظر إليه وعرفتُ أنّه يحبُّ السِّواك، فقلت آخذه لك؟، فأشار برأسه أن نعم، لفظ البخاري- ولمسلم نحوه.


عن أبي موسى الأشعريّ -رضي الله عنه قال : أتيت النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو يستاك بسواك، قال : وطرف السِّواك على لسانه، يقول : أُعْ، اُعْ والسّواك في فيه كأنّه يتهوّع]


الشيخ : ما عندكم بسواك رطب؟


الطالب : لا لا.


الشيخ : بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبيّنا محمّد وعلى آله وصحبه وسلم وبعد:


هذا باب السِّواك وقد ذكرفيه المصنّف -رحمه الله تعالى- أربعة أحاديث، حديث أبي هريرة، وحديث حذيفة، وحديث عائشة، وحديث أبي موسى الأشعري -رضي الله تعالى عن الجميع-


والكلام عن هذه الأحاديث، دلالتها واحدة في الجملة كما سيأتي؛ لكن أقول الكلام عليها من وجوه:


الوجه الأوّل : السِّواك بكسر السّين يُطْلق عليه الفعل، ويُطْلق على العود الذي يُسْتَخدم أو يُتَسَوَّكُ به


وأيضا يقال له مِسْوَاك بالكسر أعني بكسر الميم


والصّحيح أنّ مِسواك أنّه مذكّر وحُكِي عن بعض أهل اللّغة التّأنيث؛ لكنّه غلط، غلّطه الأزهري -رحمه الله- ، وغيره وحكوا أ،ّه غلط في اللّغة


وهذا المسواك يُجْمع على سُوُك بضمّتين، مثل كُتُب، فإذا ذكرت الفم في عبارة لك فتقول : ساك فاه، يسوكه، سُوُكًا، وأيضا شاص فاه


أمّا إن لم تذكر الفم معه فتقول : استاك


والمراد به في هذا الباب -باب السّواك- الفعل، قلنا أنّه يطلق على الفعل ويطلق على العود الذي يستخدم؛ لكنّ المراد به في هذا الباب هو الفعل، لا العود الذي يستخدم، إنّما المراد به هنا هو الفعل؛ لأنّ الأحكام متعلّقة به، الأحكام متعلّقة بالفعل، لا بالعود


وأمّا من حيث الاصطلاح فالمِسواك أو السِّواك في الاصطلاح أو الاستياك : استعمال عودٍ أو نحوه في الأسنان لتَذهب الصُّفْرة عن الأسنان، وغيرها، ممّا قد يعلق فيها


وهذا كما قلنا المعنى الاصطلاحي


وفيه أيضا في هذا الوجه يدخل فيه من المعاني والغريب ما جاء في حديث حذيفة -رضي الله عنه- قال : "أنّ النبي -عليه الصلاة والسلام- كان إذا قام من اللّيل يشوص فاه بالسِّواك"


ذكر المصنّف -رحمه الله- معنى من معاني "يشوص"وارتضى -رحمه الله- أنّ كلمة "يشوص" تدلّ على معنى الغسل، هكذا قال الغسل [يقال شاصه يشوصه، وماصه يموصه إذا غسله]


فإذًا اختار الإمام المقدسي -رحمه الله- من معاني "شاص" الغسل، "شاص" لها معان عدّة، كلمة "يشوص" و"شاص" لها معان عدّة


ما الذي اختاره المصنّف منها؟


اختار من تلك المعاني الغسل وهو مسبوق، هو بهذا قد تبع الإمام أبو عُبَيْد في كتابه الغريب، القاسم بن سلّام، تبع أبا عُبَيْد في هذا القول، فهو مسبوق إليه


ومن معاني"شاص" الدّلك


بعضهم يزيد في معنى الدّلك فيقول : دلك الأسنان عَرْضا وهذا اختيارٌ للحافظ الخطّابي -رحمه الله-، والحربي، ورجّحه الحافظ النّووي -رحمه الله-


ومنهم من يرى أنّه الدّلك؛ ولكنّه دلك الأسنان طولا، من أسفل إلى أعلى، وهذا أيضا استخدمه بعضهم وذكره غير واحد من الحفّاظ كالحافظ ابن حجر -رحمه الله- وغيره


ومن معاني هذه الكلمة "شاص" أو "يشوص" التّنظيف، والتّنقيّة


نستفيد من هذا كلّه أنّ هذه الكلمة تدلّ على غسل، أو تنظيف وتنقيّة للفم


هل الدّلك من أعلى إلى أسفل، أو عرضا؟


الأمر في هذا سهلٌ وكلّه سائغ


ثمّ في حديث عائشة -رضي الله تعالى عنها- نحن نستعرض الغريب ثمّ ننتقل إلى بقيّة الأوجه


في حديث عائشة -رضي الله تعالى عنها- تقول : "دخل عبد الرّحمن بن أبي بكر الصدّيق -رضي الله تعالى عنهما- على النّبي -صلى الله عليه وسلم- وأنا مُسْنِدته إلى صدري ومع عبد الرحمن سواكٌ رطبٌ يستنّ به، فأبدّه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بصره فأخذت السّواك"


قوله : "يستنّ به" بفتح أوّله وإسكان المهملة أعني السّين وفتح المثنّاة من فوق مع تشديد النّون هكذا ضبطها، قيل : من السِنِّ -بالكسر بكسر السّين- وهو مأخوذ من أنّه يمرّ على الأسنان


وقيل : مأخوذ من السَنِّ -بالفتح- وهو على معنى أنّه يَسُنُّ الأسنان ويحدّها


ضبطان مذكوران في هذه الكلمةن واختار الحافظ الخطّابي -رحمه الله- في المعالم الوجه الثّاني، ولم يحك الأوّل وهو الفتح قال :"أصله من السَنِّ، ومنه الــمَسَنُّ الذي يُسَنُّ عليه الحديد"


وكلاهما صحيح، كلا الضّبطين صحيح


إذًا عرفنا معنى يستنّ وهو بمعنى يستاك


قوله :"فأبدّه" بتشديد الدّال بمعنى مدّ نظره إليه، ولهذا يقال : أبدَدْتُ فلانا النّظر إذا أطلت النّظر إليه وطوّلته


ثمّ تقول -رضي الله تعالى عنها- :"فأخذت السِّواك فقضمته، وطيّبته، ثمّ دفعته"


قولها :"فقَضِمْتُه" هذه الكلمة ضبطها أهل العلم فقالوا : بفتح القاف وكسر الضادّ المعجمة، وهو الأخذ بطرف الأسنان


ويُقال أيضا : أنّ بعض الرواة -وذكر هذا القاضي عياض -رحمه الله- في مشارق الأنوار- أنّ أكثر الرّواة رووه بالصادّ بدلا من الضادّ، بالصاد المهملة فيكون المعنى كسرته وقطعته


وهناك رواية ثالثة بالفاء مع الصّاد بدل القاف "فَصَمْتُه" بدل القصم إنّما هو الفصم، والمراد بالفصم القطع، أو الكسر


وأنت ترى أنّ المعاني متقاربة ولهذا علّق الحافظ القاضي عياض -رحمه الله- في المشارق على الضادّ وعلى الصّاد بقوله:"كلاهما له وجهٌ صحيح، فقَصِمْتُه بالمهملة كسرته، وبالمعجمة قطعت طرفه بأسنانها"و القطع فيه قصّ وفيه كسر لهذه القطعة، قطعته بطرف أسنانها وسوّته فصار مستويا ثمّ بعد ذلك مضغته بعد هذا لتليينه عليه -عليه الصلاة والسلام-


وقد جاء في بعض طرق الحديث وألفاظه عند البخاري وغيره أنّها ناولته -عليه الصلاة والسلام- قبل أن تمضغه وتليّن له -عليه الصلاة والسلام- السِّواك فشقّ عليه -صلوات ربّي وسلامه عليه- فأخذته وليّنته ولهذا قالت :"فقَضِمْتُه وطيَّبْتُه ثمّ دفعته" طيّبته بالتّليين، طيبته بتليينه -رضي الله تعالى عنها وأرضاها-


مما يدلّ هذا المعنى وهو أنّ القصم هو القطع والإزالة أنّه جاء في بعض طرق الحديث أيضا عند البخاري في الصحيح من طريق ابن أبي مُلَيْكة عن عائشة -رضي الله تعالى عنها وأرضاها- أنّها قالت : "فأخذتها فمضغْتُ رأسها، ونقضتها فدفعتها إليه" وهذا يدلّ على أنّها قطعت أو كسرت، فهذا المعنى هو الصّحيح وهو القضم "فقضمته" بمعنى كسرته أو قطعته


ليس المتبادر أنّها اتّكأت عليه بأطراف أسنانها لتليّنه فقط، إنّما التّليين جاء بعد القطع، ولهذا قال الحافظ المحبّ الطّبري -رحمه الله- :"إن كان بالضادّ المعجمة فيكون قولها "فطيّبته" تكرار، وإن كان بالمهملة فلا؛ لأنّ يصير المعنى لطوله أو لإزالة المكان الذي تسوّك به عبد الرحمن"


وقلنا أوجه من ذلك وأظهر من هذا أنّه قطعٌ ثمّ بعد القطع تليين


ثمّ قولها أيضا -رضي الله تعالى عنها- في حديث الباب :"وكانت تقول مات بين حاقنتي وذاقتني"


جاء هذا الحديث في بعض طرقه من حديث عائشة في الصّحيح وغيره من رواية ذَكْوان عن عائشة، ماذا قالت عائشة؟


تقول :"تُوُفِّي -عليه الصلاة والسلام- في بيتي وفي يومي وبين سَحْري ونحري، وإنّ الله جمع ريقي وريقه عند موته -صلى الله عليه وسلم- في آخر يوم من الدّنيا"


هذه الرّواية أيضا تضاف إلى روايتنا


تقول :"حاقنتي وذاقنتي"


ما المراد بالحاقنة والذّاقنة؟


أقوالٌ عدّة : قالوا : الحاقنة ما كان أسفل الذّقن، والذّاقنة : أعلاه، وهكذا في عبارات وأقوال عديدة في معانيها


والسَّحْرُ تقول :"وبين سَحْرِي ونحري" بالتّسكين، تسكين الحاء المهملة هو الصّدر، السّحر هو الصدر، والنّحر موضع النّحر؛ لكن هذه الأقوال كلّها في معاني الحاقنة والذّاقنة قلت أنّها معانٍ كثيرة خلاصتها جمعها لك الحافظ ابن حجر -رحمه الله- بعبارة جميلة مختصرة في قوله :"والحاصل أنّ ما بين الحاقنة والذّاقنة هو ما بين السّحر والنّحر، أنّه مات -عليه الصّلاة والسّلام- ورأسه بين حنكها وصدرها" -صلى الله عليه وآله وسلم- و -رضي الله تعالى عنها وأرضاها-.


هذا خلاصة ما قيل، وخلاصة الجمع بين هذه الرّوايات أنّه مات -صلى الله عليه وسلم- ورأسه بين الحنك والصّدر


هل هذا يتنافى - هذا الخبر وهذه الأخبار- مع الأحاديث الأخرى التي خرّجها البخاري في الصّحيح وهو تقول عائشة -رضي الله عنها- :"لمّا حضره القبض كان رأسه على فخذي" فلا منافاة، ولا تغير هذه الرّواية هذه الرّواية


يُحْمل أنّه عند حضور القبض كان رأسه -عليه الصّلاة والسلام- على فخذها، ثمّ حوّلته إلى صدرها -رضي الله تعالى عنها وأرضاها- وبهذا تجتمع الرّوايات الصحيحة.


جاءت بعض الرّوايات أنّه مات -عليه الصلاة والسلام- على صدر عليٍّ وهذه الرّوايات كلّها منكرة، ولا يصحّ منها شيء، وهذه الرّوايات تدور أكثرها -إن لم يكن كلّها- لا يخلو إسناد منها من شيعي ترويجا لهذا الإعتقاد، وعلى كلّ حال عند التّحقيق فهذه روايات منكرة باطلة لا تصحّ.


ذكر المصنّف -رحمه الله- حديث عائشة ثمّ قال :"وفي لفظ" أليس كذلك؟


اللّفظ الأوّل هو من رواية عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة، لابدّ أن تعرف لماذا جاء بقوله :"وفي لفظ"، فهذه دلالة كلمة "وفي لفظ"


واللّفظ الثّاني الذي ذكره -رحمه الله- هو من رواية ذكوان مولى عائشة عنها.


في حديث أبي موسى -رضي الله تعالى عنه وأرضاه- أنّه قال وطرف السّواك على لسانه -عليه الصلاة والسلام- وهو يقول : اُعْ، اُعْ"


كلمة :"أُعْ، أُعْ" هذه هي بضمّ الهمزة مع إسكان العين المهملة هذه هي رواية أبي ذرٍّ للبخاري


وجاء في بعض رواة الصّحيح من جعلها بالفتح "أَعْ، أَعْ"


وهنالك روايات أخرى لهذه اللّفظة منها مثلا :"أَحْ، أَحْ"، "أَغْ، أَغْ"، أو"أَخْ، أَخْ"، أو"أُهْ، أُهْ"، أ,"أَهْ، أَهْ" كلّها واردة بألفاظ في روايات السنّة؛ ولكن الذي هو محفوظ في رواية البخاري من هذه الروايات ومن غيرها عند البخاري أنّه كما قال الحافظ -رحمه الله- ابن حجر :"أنّ الرواية الأولى أشهر"ماهي الرواية الأولى؟ التي هي بضمّ الهمزة وإسكان العين


لماذا اختلف الرّواة في ذلك؟


قال -رحمه الله- :"وإنّما اختلف الرّواة لتقارب مخارج هذه الأحرف" تقارب المخرج


حقيقتها ماهو؟


كلّ هذه "أَعْ"، أو"أُعْ"، أو...إلى آخره التي قيلت كلّها ترجع كما قال إلى حكاية صوته -صلى الله عليه وسلم-، حكاية ما سمع من صوت النّبي -عليه الصلاة والسلام-


وهذا متى يصدر هذا الصّوت؟


يصدر هذا الصّوت إذا جُعِل السّواك في طرف اللّسان الأعلى من داخل، ولهذا أنّه جاء في مسند الإمام أحمد "أنّه كان يستنّ إلى فوق" يستنّ -عليه الصلاة والسلام- أي يستاك إلى فوق، وفوق كما قلت إلى الأعلى، فكلّما دخل ظهر هذا الصّوت، ولهذا قال في الحديث :"كأنّه يتهوّع"يعني يتقيّأ


التهوّع هو التّقيّء، بمعنى له صوت كصوت المتقيِّء وهذا على سبيل المبالغة، وهذا ظاهر.


هذا ما يتعلّق بغير ألفاظ هذه الأحاديث.


الوجه الثّاني : في قول حذيفة -رضي الله عنه- :"كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا قام من اللّيل"


"مِنَ" بمعنى "في" يعني إذا قام في اللّيل كما في قوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله} فمن يوم الجمعة يعني في يوم الجمعة


وهذا الحديث استدلّ بعض أهل العلم -رحمهم الله- على أنّه يدلّ على استحباب السّواك لمن استيقظ من نومه؛ لأنّ العلّة موجودة وهي تغيّر رائحة الفم فيُسْتَحَبُّ أن يستاك لتغيير رائحة الفم


وآلة التّنظيف هي السِّواك


وبعضهم قال : أنّ هذا الذي فعله رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- في هذا الحديث الذي ذكره حذيفة إنّما كان عند قيامه وإرادته للصّلاة كما جاء عند البخاري في الصّحيح :"إذا قام للتهجّد"


فقالوا يحمل المطلق على هذا المقيّد؛ لكن يقال العلّة موجودة وهي تغيّر رائحة الفم سواء لمن استيقظ من النّوم وأراد الصّلاة، أو لم يردها، فالعلّة موجودة وهي تغيّر رائحة الفم، وعليه فالمستحبّ في حقّه إزالة هذه الرّائحة والتّخفيف منها ويكون ذلك بالسّواك، فيحمل بالحديثين كلّ له وجهه، ولا يقال حمل المقيّد على المطلق، ويحمل أحدهما على الآخر، فمن قام من النّو ولو لم يرد الصلاة يُسْتَحَبُّ في حقّه أن يستاك


ومن أراد الصلاة تأكّد في حقّه الاستياك، كما مال إلى هذا الحافظ الشّوكاني -رحمه الله-


الوجه الثّالث : دلّت هذه الأحاديث وما جاء في معناها على مشروعيّة السِّواك، وسنيّة السّواك عند كلّ صلاة فرضا أو نفلا بوضوء كنت صلاته أم بتيمّم، وكذا عند قيامه من نوم اللّيل، أو إرادته للصّلاة كما مرّ


وسترد مع أيضا بعض الأوجه التي يتأكّد فيها استحباب استخدام السِّواك


الوجه الرّابع : يتعلّق بحديث عائشة -رضي الله تعالى عنه- عندنا وهو حديث عظيم ذكره الإمام البخاري في مواطن، ومنها في مرض موت رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- وفيه أنّها قالت من رواية ذكوان عنها، أنّها قالت وتأمّل في قولها -رضي الله تعالى عنها وأرضاها- قالت:"إنّ من نعم الله عليّ أنّ رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلّم- تُوُفِّي في بيتي، وفي يومي، وبين سحري ونحري" فجعلت وفاة النبي -عليه الصلاة والسلام- وكونه قُبِض -عليه الصلاة والسلام- في بيتها من نعم الله -عزّ وجل- عليها


وكانت تقول في الحديث :"وبين يديه رَكْوَة، أو علبة" شكّ أحد الرّواة فيها ماء فجعل يدخله يديه -عليه الصلاة والسلام- في الماء فيمسح بهما وجهه ويقول : لا إله إلّا الله إنّ للموت سكرات"قالت : ثم ّنصب يديه -عيه الصلاة والسلام- فجعل يقول :"إلى الرّفيق الأعلى" يكرّرها ثلاثا -عليه الصلاة والسلام- حتّى قُبِض ومالت يده"


وفي رواية ابن أبي مليكة قالت :"فجمع الله بين ريقي وريقه، في آخر يوم من الدّنيا، وفي أوّل يوم من الآخرة"


ولك أن تتأمّل عظم هذه النّعمة التي أنعم الله بها -عزّ وجل- عليها وجعلتها من النّعم


وأيضا أن تتأمّل في ما كان عليه رسول الله -عليه الصلاة والسلام- من لهجه بالتّوحيد، وذكره لله -عزّ وجل- وتقرّبه إلى الله -جلّ وعلا- بتكرار كلمة التّوحيد وهي قوله :"لا إله إلّا الله إنّ للموت سكرات".


الوجه الخامس :يخص ّحديث أبي موسى الأشعري -رضي الله تعالى عنه- هذا الحديث اللّفظ الذي ذكره المصنّف هو لفظ الإمام البخاري في الصّحيح؛ لكن جاء في الصّحيح :"يستنّ" بدل "يستاك" عندكم قال :"يستاك" واللّفظ في الصّحيح :"يستنّ" وباقي الحديث بمثله تماما والمعنى واحد


وأمّا الإمام مسلم -رحمه الله- فقد أخرج الحديث بنحوه ولم يذكر صفة التّهيّع؛ لأنّه جاء عندنا قال :"كأنّه يتهوّع" وفيه :"أُعْ، أُعْ"، أو"أَعْ، أَعْ"... إلى آخره، والأوّل أشهر، فليس عند مسلم صفة التهوّع، فرواه الإمام مسلم بنحوه؛ لأنّ اللّفظ عندكم ظاهره أنّه هكذا مخرّج في الصّحيحين، والذي عند البخاري هو هذا اللّفظ


أمّا عند مسلم فبنحوه دون الصّفة


الوجه السادس : في حديث أبي هريرة الأوّل قوله :" لولا أن أشقّ على أمّتي"


قال البيضاوي -رحمه الله- :إنّ كلمة "لولا" تدلّ على انتفاء الشّيء لثبوت غيره" وهذا القول تعقّبه الحافظ ابن حجر -رحمه الله- بأنّه قول غلط وأنّ الحق أنّ كلمة "لولا" مركبّة من "لو" التي تدلّ على انتفاء الشّيء لانتفاء غيره


مركبّة من "لو"، و"لا" النّافية ولهذا قال :"دلّ الحديث على انتفاء الأمر لثبوت المشقّة" لماذا انتفى الأمر؟ لثبوت المشقّة لأنّ انتفاء النّفي ثبوتٌ، ولهذه القاعدة المعروفة :"نفي النّفي إثبات"


قال :"لأنّ انتفاء النّفي ثبوتٌ، فيكون الأمر منفيّا لثبوت المشقّة" ولهذا كانت العبارة الأصوب في مثل هذا والصواب في هذا المقام ما عبّر به بعض الأئمّة كالحافظ ابن دقيق وغيره أنّها تدلّ على انتفاء الشّيء لوجود غيره، لا لثبوته كما قال البيضاوي، إنّما الانتفاء لوجود المشقّة، انتفى الأمر وارتفع لوجود المشقّة


لو لم تكن ثمّة مشقّة لبقي الأمر على ظاهره، ومن هذا استنبط أهل العلم وهو قول الأكثرين أنّ الأمر يدلّ على الوجوب


قلنا أنّ الأمر الذي انتفى أمر الوجوب لا أمر الاستحباب، لم ينتف الاستحباب، الاستحباب باقٍ؛ لكنّ الوجوب هو الذي انتفى، فالأمر المنفي أمر الوجوب لا أمر الاستحباب لثبوته في السنّة القوليّة والفعليّة عنه -عليه الصلاة والسلام-


الوجه السّابع : حكم السِّواك عند كلّ صلاة


أرجح الأقوال وأصحّها أنّه سنّة، ليس بواجب وهذا القول عليه جماهير الأئمّة بل توسّع بعضهم كالحافظ النّووي -رحمه الله- فحكى فيه الإجماع على أنّه سنّة وليس بواجب؛ ولكنّه ليس ثمّة إجماع، فإنّ هذا القول وإن كان عليه الجماهير قد قال بخلافه بعضهم


فمنهم داوود الظّاهري يقول بوجوبه ولا يراه شرطا في الصّلاة


وهناك أقوالٌ أخرى نعرض عنها؛ لكن لماذا قال من قال بالوجوب؟


قال من قال بالوجوب لوجود حديث عند ابن ماجة من رواية أبي أمامة -رضي الله تعالى عنه- مرفوعا :"أنّ النبي -عليه الصلاة والسلام- قال : تسوّكوا" فأمر بالسّواك


"فإنّ السّواك مطيبة للفم، مرضاة للربّ"


قال : ما جاءني جبريل إلّا أوصاني بالسّواك حتّى إنّي خشيت على أن يفرضه على أمّتي"


فقالوا هنا ظاهره أمرٌ منه -عليه الصلاة والسلام- فيجب والحالة هذه أن يكون على الوجوب


لكن هذا الحديث حديث لا يصحّ، ضعيف معلول عند أئمّة الشأن أعلّه جماعة من الحفّاظ كالحافظ ابن حجر وغيره، وهو كذلك


فبقي الأمر على ما ذكرنا ولا يصحّ في هذا الباب شيء، من هذه الأحاديث أعني الآمرة بالوجوب بإطلاق


الوجه الثّامن : دلّ عموم حديث أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- الأوّل في الباب على استحباب السِّواك في كلّ صلاة "لولا أن أشقّ على أمّتي لأمرتهم بالسّواك عند كلّ صلاة" فهو يدلّ على استحباب السواك عند كلّ صلاة، فرضا كانت أم نفلا، بوضوء أم بتيمّم ، حتّى لمن عُدِم الماء والتّراب، ولم يستطع الحصول عليهما كذلك يُسَنُّ في حقّه لو كان معه السّواك أن يستاك


وهذا يدخل في هذا العموم أيضا الصّلاتين اللّتين تقعا بعد الزّوال وهي الظّهر والعصر، وهذا الذي عليه جماهير العلماء وأكثر العلماء أعني استحباب السّواك لعموم الصلوات حتّى للصائم كما قلت هذا قول جماهير الأئمّة والعلماء


ويرى الإمام الشّافعي -رحمه الله- في قول له الكراهة بعد الزّوال للصّائم لحديث الخلوف :"لخلوف فم الصّائم أطيب عند الله من ريح المسك"


ولكن للمعلوميّة أنّ الإمام الشّافعي -رحمه الله- له قولٌ ثانٍ كقول الجماهير بالاستحباب مطلقا، حكاه عنه الإمام التّرمذي -رحمه الله- في جامعه


والصّحيح كما قلنا وأرجح الأقوال هو أنّه يعمّ جميع الصّلوات للصائم وغير الصّائم


وحديث خلوف الصّائم لا ينتهض هذا الحديث لتخصيص الأحاديث التي تقضي باستحباب السّواك للمرء عموما للصائم ولغيره


ثمّ إنّ السِّواك لا يمنع رائحة خلوف فم الصائم، لأنّ هذا الخلوف يخرج من جوف الإنسان، من بطن الإنسان، والسّواك لا يمنع هذه الرّائحة، فهذه لا تخرج من الفم وإنّما من الجوف


الوجه التاسع : ذكرنا أنّ السّواك يستحبّ عند الصّلوات فرضا كانت أم نفلا أو عند القيام من اللّيل ولمن أراد الصلاة نفلا أيضا من الليل وغيرها


فهنا نشير إلى بعض المواطن أيضا التي نصّ أهل العلم على استحباب التسوّك عندها والاستياك عندها أنّ الإنسان يستاك عندها وإن كان قد حصل الاتّفاق على أنّ السّواك مستحبّ في جميع الأوقات؛ لكن يشتدّ استحبابا في بعض الأوقات ومن تلك الأوقات كما ذكره الحافظ النّووي -رحمه الله- في شرح مسلم بعد أن ذكر استحبابه في جميع الأوقات قال :"ولكن هناك خمسة أوقات أشدّ استحبابا" هناك خمس أوقات يكون الاستياك فيها أشدّ استحبابا ماهي؟


قال :"عند الصلاة، وعند الوضوء، وعند قراءة القرءان، وعند الاستيقاظ من النّوم، وعند تغيّر الفم، وتغيّره بأشياء" تتغيّر رائحة الفم بأشياء، ليست بشيء واحد من تلك الأشياء


"ترك الأكل والشّرب، وكذلك أكل ماله رائحة كريهة، وممّا يغيّر أيضا رائحة الفم أيضا طول السّكوت، وكذلك ممّا يغيّر رائحته كثرة الكلام"


فهذه أسباب للتغيّر وهو يشير إلى الأسباب العارضة وإلّا ثمّة أسباب قد تكون نتجت وظهرت عن علّة مرضيّة وهذا موجود وأشار إليه الأطبّاء وغيرهم قد يخرج من الإنسان، تخرج منه بعض الرّوائح بسبب علل في اللثّة أو الأسنان أو نحو ذلك في المعدة فيوجد، تخرج مثل الرّائحة وهي التي يعبّر عنها بعض أهل العلم بالبَخْر وي رائحة تخرج من الجوف في الغالب عن علّة وهذا البَخْرُ من صفات الأسد على أنّ الأسد معروف بالشّجاعة، وكذا؛ لكن معروف منه أنّ له راحة البَخْر تخرج منه وعلّة داخليّة


فالمقصد أنّ العلل عارضة ومنها قد تكون بسبب مرض أو نحو ذلك، حتّى المريض كما أنّ الصّحيح الذي ليست به علّة مطلوب منه ويستحب منه أن يغيّر هذه الرّائحة باستخدام للسّواك ونحوه


كذلك من به علّة من داء ومرض يُتأكّد في حقّه أن يعالجها، وأن يعالج هذه العلّة، وليست هذا من التوكّل في شيء، أقول هذا التّرك ليس من التوكّل؛ بل من تمام النّصيحة، ومن تمام التوكّل أن تأخذ بالسّبب الشّرعي، وأن تعالج نفسك.


الوجه العاشر : بماذا يستاك؟ من أراد أن يستاك بماذا يستاك؟


قلنا أنّ السّواك أو الاستياك في الاصطلاح استخدام عود ونحوه للأسنان للتّنظيف وإزالة ما بها


ولهذا نقول يستحبّ كما قال الحافظ النّووي -رحمه الله- :"يستحبّ أن يستاك بعود متوسّط، لا شديد اليبس يجرح، ولا رطب لا يزيل"


إذًا بهذا يستاك، هذه صفة العود الذي يستاك به


الكطّول هل يجب أن يكون شبرا كما هو عند بعضهم لابدّ يكون شبرا، وبعضهم شبر ونصف، وبعضهم،


ليس ثمّة في الطّول حدٌّ، فما يطلق عنه سواك كذلك؛ لكن ينبغي أنّ الإنسان يقتني المعتاد الذي هو يعني غير منتقد، فلا يأخذ عودا شبيها بالعصا، يأخذ شيئا مقبولا غير معترض عليه


وأيضا إذا ما أراد أن يبدأ الإنسان كما قال النّووي -رحمه الله- يستحبّ لمن أراد أن يبدأ بالسّواك أن يبدأ بجانبه الأيمن


والاستياك للّسان وللأسنان، استخدام السواك للأسنان وللّسان


كيف يستاك للسانه؟


كما مرّ معنا من فعله -عليه الصلاة والسلام-؛ لكن بطريقة غير مؤذيّة لنفسه برفق


وبالنّسبة للأسنان إمّا عرضا أو طولا مع أصولها بشيء من اللّطف دون أن يؤذي نفسه كما نصّ على هذا أهل ا لعلم


أمّا ما يستاك به قلنا عود أو نحوه، هل عود الأراك شرط في الاستياك؟


ليس شرطا في الاستياك، فقلنا الاستياك استخدام عود ونحوه، سواء كان عود أراك أو عود آخر من أي شجر يصحّ استخدامه


وجاءت في هذا نصوصٌ عديدة وكثيرة ليس هذا محلّ البسط؛ لكن الشّاهد أنّ أحسن ما يستاك به هو الأراك كما قال الحافظ ابن الملقّن قال :"لحديث بن مسعود عند ابن حبّان"


حديث ابن مسعود عند ابن حبّان ماهو؟


قال :"كنت أجتني لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- الأراك" أجتني :يعني أتي بعود الأراك ليستنّ به -عليه الصلاة والسلام-


لكن هذا الحديث مختلف في رفعه ووقفه فأخرجه مرفوعا الطّبراني في الكبير، وابن حبّان في الصّحيح


ووقفه الإمام أحمد في المسند


والمرفوع فيه عاصم بن بهدلة هو متكلّم في حفظه


على كلّ حال الأراك فيه منافع كثيرة وفوائد عديدة ولا شكّ أنّه من أطيبها ومن أحسنها


أمّا الاستياك بالأصبع فلا يصحّ أن يقال بأنّ من لم يجد الأراك استاك بأصبعه لا يصح الاستياك بالأصبع وهو لا دليل عليه يصحّ


جاءت بعض الأحاديث ولكنّها منكرة أحاديث الاستياك بالأصبع "من لم يجد السواك فليستك بأصبعه" ونحوها من الأحاديث كلّها ضعيفة منكرة، لا تصحّ في الباب، وعليه فلا يصحّ الاستياك بالأصابع، لأنّنا وجدنا بعض الإخوة يستاك بأصبعه، وهذا غلط -بارك الله فيكم- والاجتهاد ليس هذا محلّه، ينبغي الإنسان أن يسأل


وكنها وردت في بعض كتب الفقه، وبعض كتب التّخاريج جملة من هذه الأحاديث، فلا تعني أنّها صحيحة أو ثابتة


والقاعدة الشّرعيّة الصّحيحة نبّه عليها جماعة من أهل العلم أنّ الكلام على فقه الحديث والعمل به فرعٌ عن ثبوته، فلابدّ أولّا من ثبوت الحديث أوّلا ثمّ الكلام عن فقهه.


الوجه الأخير : وهذه مسألة إشارة إلى مسألة يعني لعلّ الإخوة يسمعون عنها أو يتكلّمون فيها


هل يستاك باليد اليمنى أو اليسرى؟


فأنا أقول هذه المسألة مطروحة وهو الوجه الحادي عشر : هل يستاك باليد اليمنى أم باليسرى؟


أقوال لأهل العلم ثلاثة، في المسألة ثلاثة أقوال :


القول الأوّل: أنّه يستاك باليد اليمنى؛ لأنّ السّواك سنّة والسنّة طاعة وقربة لله -جلّ وعلا- والقُرَبُ تكون في مثل هذه المقامات تكون باليد اليمنى


ولحديث ولعموم حديث عائشة -رضي الله تعالى عنها- المتقدّم المتّفق عليه:"كان رسول الله -عليه الصلاة والسلام- يحبّ التّيامن في تنعّله، وترجّله،.. إلى أن قالت :"وفي شأنه كلّه" فالعموم قالوا يدخل في "شأنه كلّه" أيضا استخدامه للسّواك -صلى الله عليه وسلم-


وجاء عند أبي داود في حديث عائشة -رضي الله تعالى عنها وأرضاها- زيادة وسواكه :"في تنعّله وترجّله وسواكه" وصحّحها جماعة من أهل العلم


وهذا القول هو اختيار الحافظ ابن قدامة -رحمه الله- صاحب المغني، وهو قول عند بعض الشّافعيّة


والقول الثّاني في المسألة: أنّه يستاك يستاك باليسرى وعللّوا بأنّه من باب إزالة الأذى، وإزالة الأذى يكون باليد اليسرى


وهذا الرّأي هو قول للشّافعيّة والمشهور عند الحنابلة، واختيار شيخ الإسلام ابن تيميّة، والعلامة عبد العزيز بن باز -رحمه الله- ولكن يرون أن يكون البدء إذا ما أراد أن يستاك بيده اليسرى يبدأ بالجهة اليمنى.


والثّالث في الأقوال : التّفصيل :وهو إذا ما كان الاستياك لإزالة الأذى من الفم مثلا كفضلات الطّعام ونحو ذلك فإنّه يستاك باليسرى


وإن كان من باب تطبيق السنّة كالاستياك عند الصّلاة، أو عند الوضوء، فيستاك باليمنى؛ لأنّه يطبّق سنّة ولا يزيل أذًى


ويرى شيخنا الشيخ محمّد بن عثيمين -رحمه الله- يقول أنّ الأمر في هذا واسع لعدم ثبوت نصٍّ واضح


هكذا يقول -رحمه الله- يرى أنّ الأمر واسع


إلّا أنّ الرّاجح والصّحيح هو الأوّل لثبوت النصّ


وللعموم، عموم حديث عائشة -رضي الله تعالى عنها وأرضاها-


وحتّى القول بالتّفريق من باب الإزالة أو من باب الاستياك عند الصلاة أو الوضوء، فكذلك الإنسان إذا ما قام من اللّيل واستنّ بحديث حذيفة أما يكون متّبعا للسنّة؟


هو متّبعٌ لسنّة :"وكان إذا قام للتهجّد" كما في الحديث وغير ذلك فمن تبع السنّة في ذلك، ومن استحضر السنّة في ذلك فإنّه يستاك بيده اليمنى


هذا هو الرّاجح والله تعالى أعلى وأعلم


وصلى الله وسلم وبارك على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم



هذا سائل يقول : عند الاستيقاظ من النّوم هل يبدأ بالسّواك ثمّ غسل اليدين ثلاثا ثمّ الاستنشاق والاستنثار، أو يغسل يديه ثلاثا أوّل شيء بعد النّهوض ثم ّالتسوّك؟ قال فما الصّحيح


*الجواب*: ليس ثمّة صحيح وغلط، فإنّما إذا ما بدأ وأراد بعد استيقاظه يبدأ بتسوّكه، وقبل أن يباشر شيئا يحتاج إلى ملامسة لماء ونحوه يغسل يديه، والأمر في هذا سهل وواسع.



هل يكره استعمال السّواك -قصده خلال الدّرس-؟


*الجواب*: على كلّ حال إذا رأى الإنسان في نفسه حاجة إلى ذلك لا حرج أن يستخدم لكن لا يكثر حتّى يشغله عن استيعاب الدّرس.



سؤال يقول : في لفظة "بسم الله" في دعاء قبل دخول الخلاء :"بسم الله، اللهمّ إنّي أعوذ بك من الخُبْث والخبائث" هل هي من الألفاظ الشاذّة؟


*الجواب*: ليست البسملة من الألفاظ الشاذّة؛ بل هذا ثابت كما جاء في الصحيح في بعض طرق الحديث فيها إثبات البسملة.



وبعضهم يسأل عن التّسميّة في الوضوء، وقد أكثر الطّلبة حول هذه المسألة، مسألة التّسميّة قبل الوضوء، هل التّسمية


*الجواب*:الأحاديث كما يخفى عليكم في هذا الباب كثيرة، ولا تخلو من مقال، والذي يترجّح عندي أنّ هذه الأحاديث لا تنتهض للتّقويّة كما قال الإمام أحمد -رحمه الله-:"لا يصحّ في التّسميّة شيء" وغيره من الأئمّة، ومن قال بالتّحسين بناءا على تعدّد الطّرق، وتحسين بعض الأئمّة والعلماء لذلك فلا حرج؛ لكن الذي يترجّح عندي عدم ثبوت شيء، والأحاديث في هذا لا تتقوّى


لماذا؟


لأنّ التّقويّة لها شروط، تقويّة الحديث والقول بارتقائه له شروط، وهذه الشّروط وفقا للنظر في طرق هذا الحديث لا أراها أنّها توفّرت للتّقوية.


ومسألة تقويّة الأحاديث قد فصّلنا الكلام فيها باستيعاب في شرح النّخبة


متى يتقوّى الحديث الذي فيه ضعف؟ ومتى لا يتقوّى؟ وماهي القوانين التي يصحّ أن نقول يتقوّى الحديث بها أو لايتقوّى؟



قال : عند النّهوض من النّوم هل لمس الإنسان للماء قبل أن يغسل يديه ثلاثا فيه حرجٌ؟


*الجواب*: مرّـ معنا هذه المسألة وقلنا أنّ الكلام في هذه المسألة قبل أن يغمس يده في الإناء فليغسله للحديث؛ ولكن إن غرف بإبريق ونحو ذلك ولم يلامس لا حرج، لأنّ هذه المسألة أيضا متفرّعة حولها مسألة أخرى وهي هل ينجس الماء بالملامسة؟


من أهل العلم من يقول بنجاسته وهو قول مرجوح


لكن نقول حتّى يخرج الإنسان من النّهي فلا يلمس إلّا بعد أن يغسل



هل يجوز مسح الرّأس مرّتين أو ثلاثا؟


*الجواب*: لم يصحّ في تعداد مسح الرّأس حديث، إنّما المسح مرّة واحدة للرّأس



قال : هل تصحّ قراءة الأدعيّة في العمرة من كتاب أو ورقة إذا لم أحفظها؟


*الجواب*: على كلّ حال الإنسان يجتهد في أن يدعو هو بنفسه قال الله -جلّ وعلا-{أم من يجيب المضطر إذا دعاه}


{ وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان }


فلا يستطيع كاتب هذه الأوراق، أو هذه الكتب، ليس هو كحالك، أنت المحتاج، وأنت المتضرّع، وأنت المتذلّل له -جلّ وعلا- وعلى كلّ حال هناك بعض الكتب اشتملت على أدعيّة بدعيّة، وبعضها شركي


أمّا الإطلاق بنعم، أو لا، غلط، فبعضها فيها ألفاظٌ شركيّة، أو ألفاظ بدعيّة، أو تحديد الدّعاء بين الشّوط الأوّل، أو الشّوط الثّاني، أو الشّوط الثّالث،... إلى آخره، هذا لا يجوز


وإذا كان الكتاب سليما لا من هذه الألفاظ الشّركيّة أو البدعيّة إنّما جمع أحاديث في السنّة الصّحيحة فيها من أدعيّة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ليقرأها الإنسان ويتعوّذ بالله -عزّ وجل ويدعوه -جلّ وعلا- فلا حرج أنّ÷ يحفظ منها وأن يرددّ؛ لأنّ هذا من أجمع الدّعاء دعاء النّبي ّ-صلى الله عليه وسلم-


والأولى بالإنسان أن يجتهد هو في الدّعاء فأنت المحتاج كما قلت، وأنت المتذلّل


وفق الله الجميع لما يحبّ ويرضاه وصلى الله على نبيّنا محمّد وآله وصحبه وسلّم.



بعضهم يقول الفرشاة والمعجون هل يدخل في السّواك؟


*الجواب*: نحن إذا رجعت إلى المعنى للسّواك يدخل أو لا يدخل؟يدخل


وصلى الله على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم
__________________
قال الشيخ أزهر سنيقرة حفظه الله :" ومطلُوبٌ مِن طلَبة العِلم العامِلين أن يُربُّوا شبابَ الأمَّة على التَّميِيز بين العُلماء وبينَ المتشبِّعين بما لم يُعطَوا، وأن يغرِسوا في قلوبِهم تعظِيمَ الحقِّ واتِّباعه، ويربِطوهُم بالوَحي المعصُوم، حتَّى لا يكونُوا أتباعًا لكلِّ ناعِقٍ"اهـ .من مقال بعنوان (استِنسارُ البُغاثِ)

التعديل الأخير تم بواسطة أبو عمر عبد العزيز السلفي ; 05-16-2012 الساعة 19:12:56 PM
رد مع اقتباس
  #7  
قديم 05-17-2012, 14:35:29 PM
الصورة الرمزية أبو عمر عبد العزيز السلفي
أبو عمر عبد العزيز السلفي أبو عمر عبد العزيز السلفي غير متواجد حالياً
عضو مميز
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: خميسة/سوق أهراس
المشاركات: 488
افتراضي



الدرس السابع


[باب المسح على الخفّين]


الطالب : بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه


قال المصنّف -رحمه الله تعالى- [باب المسح على الخفين، عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه- قال : كنت مع النبي -صلى الله عليه وسلم- في سفر فأهويت لأنزع حفّيه فقال :"دعهما فإنّي أدخلتهما طاهرتين فمسح عليهما"


عن حذيفة بن اليمان -رضي الله عنه- قال : كنت مع النبي -صلى الله عليه وسلم- فبال فتوضّأ فمسح على خفيه]


الشيخ : بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبيّنا محمّد وعلى آله وصحبه وسلّم وبعد:


فهذا هو الباب الثّالث قال :[باب المسح على الخفّين]


والكلام عن الحديثين حديث المغيرة -رضي الله تعالى عنه-، وحيث حذيفة من وجوه:


الوجه الأوّل : قوله :[باب المسح على الخفّين]يريد -رحمه الله- بهذا التّبويب ذكر بعض الأدلّة الدالّة على مشروعيّة المسح على الخفّين، وسيرد -إن شاء الله- مزيد بيان بحول الله تعالى


قوله :"الخفّين" تثنيّة خُفٍّ؛ والخفّ عبارة عن نعل من جلد يغطّي الكعبين كما قاله بعضهم، ومن مرادفات هذا ما يلحق به أعني بالخفّ الجُرْمُوق بالجيم، والجُرْمُوق هو فارسيّ معرّب بضمّ الميم وهو عبارة عن خفّ صغير فوق الخفّ يعني خفّ فوق خفّ؛ لكنّه أصغرٌ من الأوّل.


وكذلك في هذا المقام الجورب فهو عبارة عن نعل أيضا؛ لكن من صوف ونحوه، فيفارق الخفّ في أنّ الخفّ من جلد وأمّا الجورب فهو من صوف، ونحو ذلك.


قوله في حديث المغيرة -رضي الله تعالى عنه- :"كنت مع النبي -صلى الله عليه وسلم- في سفر" والسّفر هذا هي سفرة تبوك


قوله :"فأهويت" يعني مددت يدي لأنزع الخفّين، لأنزع خفّيه -صلى الله عليه وسلم-


قال الأصمعي : أهويت بالشّيء إذا أومأت إليه ، أهويت هذا في الرّباعي


أمّا الثّلاثي فيقال "هوى" بفتح الواو ومنه قوله تعالى والنّجم إذا هوى يعني سقط


وقال بعضهم الإهواء هي الإمالة والمعنى واحد، مال لينزع خُفَيّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-


وقبل أن نغادر أيضا هذا الوجه وهذا التّنبيه قلت أنّ عندنا الخفّ وعندنا الجُرْمُوق وعندنا الجوارب، وهناك تجدون في بعض الأحاديث كما في حديث صفوان بن عسّال التّساخين، والمراد بها الخفاف أو الجوارب، وهي ما تسخّن به الأقدام، سواء كان من خفّ أو جورب أو موق


قوله في حديث المغيرة أيضا :"دعهما" القائل هذا هو رسول الله --صلى الله عليه وسلم- الضّمير في قوله :"دعهما" عائدٌ للخفّين أي دعِ الخفّين


وقوله -صلى الله عليه وسلم- :"فإنّي أدخلتهما" الضّمير في "أدخلتهما" راجع إلى القدمين وهي صفة للقدمين، يعني أدخلتا وهما على طهارة، ولهذا قال :"طاهرتين" بمعنى بطُهْر الوضوء، أدخلتهما بطُهْر الوضوء، فهي صفة للقدمين كما قلت بطُهْرِ الوضوء، أو بطُهْرٍ كامل؛ لأنّ الطّهارة -بارك الله فيكم- شرطٌ في صحّة المسح علي الخفّين.


حديث حذيفة الحديث الثاني قال فيه -رضي الله تعالى عنه- :"كنت مع النّبي صلى الله عليه وسلم فبال وتوضّأ ومسح على خفّيه" مختصرا" ظاهر هذا الإيراد على أنّ الحديث متّفقٌ عليه؛ لكن عند التّحقيق لفظ "فمسح على خفّيه" هذه الزّيادة ليست عند البخاري، هذه من الزّيادات التي تفرّد بها مسلم ، فهي عند مسلم وليست عند البخاري، فالحديث ليس بأكمله ولفظه هو من المتّفق عليه.


الوجه الثّاني : هذان الحديثان يدلّان على مشروعيّة المسح على الخفّين، والمسح على الخفّين هو رخصة للمقيم والمسافر


والأدلّة عليه كثيرة دلّ عليه -أعني على مشروعيّة المسح على الخفّين- الكتاب والسنّة والإجماع


1 - فممّا يدلّ عليه في الكتاب قوله تعالى في آية الوضوء { يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلِكم إلى الكعبين } [المائدة/6] على قراءة الجرّ وهي قراءة صحيحة قرأ بها جمعٌ وهي قراءة مشهورة صحيحة


وتوجيهها ، توجيه قراءة الجرّ كما قاله العلامة الصّنعاني -رحمه الله- الجرّ يُحْمَل على المسح على الخفّين، قال كما بيّنته السنّة ثمّ قال : وهو أحسن الوجوه التي تُوَجَّه بها قراءة الجرّ


2 - وأمّا السنّة فمنها أحاديث كثيرة، منها أحاديث الباب وهي كثيرة جدًّا، وقال الإمام أحمد -رحمه الله- : ليس في قلبي منه شيء، يعني في المسح على الخفّين


فيه أربعون حديثا عن أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما رفعوا إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وما وقفوا


يعني منها المرفوع ومنها الموقوف


وقال أيضا الحافظ ابن المنذر -رحمه الله- : أجمع كلّ من نحفظ عنه من العلم على أنّ الرّجل إذا تطهّر فأكمل طهوره ثمّ لبس الخفّين، ثمّ أحدث فتوضّأ أنّه له أن يمسح على خفّيه


فحكى هذا الإجماع الحافظ ابن المنذر -رحمه الله تعالى- وغيره من الحفّاظ وهو كذلك


لكن من أنكر هذا المسح؟


أنكره من لا يعتدّ به اسمع صفة هؤلاء القوم، قال الإمام ابن المنذر -رحمه الله- في الأوسط:"إنّما أنكر المسح على الخفّين من أنكر الرّجم، وأباح أن تُنْكَح المرأة على عمّتها، وعلى خالتها، وأباح للمطلّقة ثلاثا الرّجوع إلى الزّوج الأوّل إذا نكحها الثّاني ولم يدخل بها، وأسقط الجلد عمّن قذف محصنا من الرّجال، وإذا ثبت الشّيء بالسنّة وجب الأخذ به، ولم يكن لأحد عذرا أو عذرا في تركه ولا التخلّف عنهن نعوذ بالله من الخذلان"


قال الإمام ابن عبد البرّ -رحمه الله- في التّمهيد:"القائلون بالمسح على الخفّين جمهور الصّحابة، والتّابعين، وفقهاء المسلمين قديما وحديثا، وكيف يتوهّم أنّ هؤلاء جاز عليهم جهل معنى القرءان؟!!" كيف يتوهّم هذا؟!!


ثمّ قال :"أعاذنا الله وإيّاكم من الخذلان"


فالأحاديث كما قلت والأدلّة كثيرة تدلّ على مشروعيّة المسح على الخفّين.


الوجه الثّالث : نصّ جماعة كبيرة من أهل العلم من أهل السنّة في كتب الإعتقاد على مسألة المسح على الخفّين، مع أنّ الأمر في ظاهره إذا ما تأمّلتَ مسألة المسح على الخفّين هي من العمليّات، لا تعلّق لها بالاعتقاد في ظاهر الأمر؛ لكن إنّما نصّوا على هذا في كتب الاعتقاد منابذة وردًّا لمقالة أهل الضّلال ممّن أنكر المسح على الخفّين ، ولم يُجَوِّزوا ذلك كالرّافضة ومن نحا نحوهم.


ولهذا التّنصيص على هذا من باب بيان الحقّ والردّ على المبطلين، ولهذا قال العلامة المرغناني في الهداية في فقه الحنفيّة قال -رحمه الله- :"ومن لم يره" يعني المسح على الخفّين


"كان مبتدعا"


الوجه الرّابع :هل يشترط اكتمال الطّهارة المائية للبس الخفّين؟بمعنى لو أنّ رجلا توضّأ وغسل رجله اليمنى وبقيت عليه الرّجل اليسرى، هل يشترط لجواز لبس الخفّين ومن ثمّة المسح عليهما أن يغسل الرّجلين جميعا ثمّ يلبس أو له أن يلبس بعد أن يغسل الرجل اليمنى؟ يعني يغسل اليمنى ثمّ يلبس، ثمّ يغسل اليسرى ثمّ يلبس، يعني هل تشترط اكتمال الطّهارة المائيّة للرّجلين للبس الخفّين، ومن ثمّة صحّة المسح عليهما أم لا؟


قولان لأهل العلم في هذه المسألة :


قولٌ لابدّ من اكتمال الطّهارة، ولا يجوز المسح عليهما إن لم يفعل ذلك، هذا قال به مالك والشّافعي وهو رواية عن الإمام أحمد


والقول الثّاني أنّها لا تشترط أعني اكتمال الطّهارة المائية وعليه فيجوز أن يمسح عليهما، وهذا القول قال به أبو حنيفة -رحمه الله- وهو رواية عن الإمام أحمد وقول بعض الشّافعيّة وقول الظّاهريّة وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيميّة رحمه الله- وسبقه الحافظ ابن المنذر -رحمه الله-


واستدلّ هؤلاء -أعني الذين قالوا بالمنع- بوجوب الاكتمال بحديث المغيرة في قوله -عليه الصلاة والسلام- :"دعهما فإنّي أدخلتهما طاهرتين"


وجاء عند أبي داود بلفظ :"دعِ الخفّين، فإنّي أدخلت القدمين الخفّين وهما طاهرتان"


وجاء في حديث صفوان بن عسّال -رضي الله تعالى عنه- عند النّسائي وهو حديث حسن أنّ النبي عليه الصلاة والسلام- أمرهم فقال :"أمرنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن نمسح على الخفّين إذا نحن أدخلناهما على طُهْرٍ" أي على طهارة تامّة، وكاملة


وأمّا الذين أباحوا وقالوا يجوز له يعني لبس الخفّين ومن ثمّة المسح عليهما ولو تكتمل الطّهارة لهما، قالوا بأنّه إنّما أحدث الحدث الذي يتعلّق به الحكم، إنّما أحدث بعد لبس وطهارة كاملة، تامّة، ولا معنى في ذلك بأن يقال لابدّ من لبسهما كاملتين على طهارة


وقالوا إنّه لو قلنا بعدم الجواز لزم من ذلك أنّ المرء إذا ما توضّأ فلبس الخفّ الأوّل ثمّ لبس الثّاني نقول له انزع الخفّين ثمّ البسهما من جديد، وهذا عبثٌ تنزّه عنه الشّريعة؛ وذلك أنّ المقصود قد حصل وهو الطّهارة لكلا القدمين فلا حاجة للقول بالإعادة، بإعادة اللّبس، بالخلع ثمّ اللّبس من جديد


وعلى كلّ حال الاحتياط والأولى لظاهر حديث صفوان، وحديث المغيرة عند أبي داود الذي تقدّم الاحتياط والأولى أن لا يلبس الخفّين إلّا بعد اكتمال الطّهارة المائيّة، والتّجاسر على القول بالإعادة لمن صلّى على هذا الحال قولٌ فيه جسورة، وفيه تكلّف شديد والله أعلى وأعلم


الوجه الخامس : في مسألة حكم المسح على الخفّ المخرّق أو الشفّاف وسيرد


الخرق في الخفّ له حالتان:


الحالة الأولى : أن يكون الخرق فوق الكعبين، يعني ما علا الكعبين، أعلى من الكعبين، فكونه يقع الخرق فوق الكعبين لا إشكال في جواز المسح على هذا الخفّ؛ لأنّه خارجٌ عن محلّ النّزاع.


الحالة الثّانية : أن يكون الخرق في محلّ الفرض، يعني دون الكعبين، هذا حصل فيه خلاف بين أهل العلم وأقوالٌ :


القول الأوّل فيه : أنّه يصحّ المسح على كلّ خفٍّ ولو كان مخرّقا مادام يسمّى خفّا، ومن هؤلاء الذين قالوا بهذا القول الإمام عبد الله بن المبارك، والإمام الثّوري، والإمام إسحاق، وابن المنذر وابن حزم، وجمع من الشّافعية، وعليه الإمام ابن تيميّة -رحمه الله-


والقول الثّاني : لا يصحّ المسح عليهما والعلّة قال لأنّهما غير ساترين -يعني الخفّين- لمحلّ الفرض وقاسوا بما أنّ المرء لو صلّى في ثوب يصف بشرته لا يصحّ، بمعنى يصف عورته- لا تصحّ منه الصّلاة وصلاته باطلة، وعليه الإعادة، وممّن قال بهذا الإمام أحمد والشّأفعي وجماعة.


القول الثالث : قالوا إن كان الخرق يسيرا فإنّه يُجْزئ المسح عليهما وإن كان كثيرا فلا يجزئ؛ لكن اختلفوا في المقدار هذا اليسير


بعضهم قال إذا كان بمقدار أصبع أو أصبعين جاز المسح وهذا قال به الحنفيّة، والذين قالوا وأطلقوا يسيرا ولم يحدّدوا، وكثيرا ولم يحدّدوا وهو قول مالك


والرّاجح من هذه الأقوال هو القول الأوّل والصّحيح فيها هو القول الأوّل


يقول الإمام ابن المنذر -رحمه الله- في الأوسط:"وبالقول الأوّل أقول؛ لأنّ النبي -صلى الله عليه وسلم- لمّا مسح على الخفّين، وأذن بالمسح عليهما إذنا عامّا مطلقا دخل فيه جميع الخفاف" يعني دخل في الإذن جميع الخفاف


"فكلّ ما وقع عليه اسم الخفّ فالمسح عليه جائزٌ على ظاهر الأخبار، ولا يجوز أن يستثنى من السّنن إلّا بسنّة مثلها أو إجماع"


وهذا يسوقنا إلى الكلام يدخل تحت هذا الباب الشّروط التي تشترط في الخفّ


اشترط الفقهاء جملة من الشّروط؛ لكنّ الصّحيح منها كما قال العلّامة السّعدي -رحمه الله- :"اشترط الفقهاء لجواز المسح شروطا لم يثبت منها إلّا شرطان: كونه يسمّى خفًّا


وأن يوضع على طهارة"


وهذا هو الصّحيح


وانتصر الإمام ابن تيميّة -رحمه الله- انتصارا عظيما للقول الأوّل واستدلّ له بأدلّة عديدة كثيرة نقليّة، وعقليّة فقال -رحمه الله- بعد أن حكى تلك الأقوال :"قد استفاض عنه -صلى الله عليه وآله وسلم- في الصّحيح أنّه مسح على الخفّين، وتلقّى أصحابه عنه ذلك فأطلقوا القول بجواز المسح على الخفّين، ونقلوا أيضا أمره نقلا مطلقا، كما في صحيح مسلم عن شُرَيْح بن هانئ" ذكر حديث شريح أنّه جاء فسأل عائشة -رضي الله عنها- عن المسح على الخفّين، فقالت سل عليًّا فإنّه كان كثير السّفر مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثمذ جاءه فسأله فقال :"أمر المقيد أن يمسح على الخفّين يوما وليلة وللمسافر ثلاثة أيام بلياليها" والحديث عند مسلم


قال :"وأنّه جعل للمقيم يوما وليلة، وللمسافر ثلاثة أيام بلياليها، فأطلق" يعني النبي -عليه الصلاة والسلام-


"ومعلوم أنّ الخفاف في العادة لا يخلو كثيرا منها عن فتقٍ، أو خرقٍ، لا سيّما مع تقادم عهدها" لا تخلوا، وإذا ما استخدمت في الأسفار فإنّ الأمر عليها شاقّ وظاهر، أعني حصول الفتق والخرق


ومعلوم أيها الإخوة أنّ الصّحابة -رضي الله تعالى عنهم- الغالب على خفافهم الخرق، والسّبب لفقرهم -رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم-


يقول الإمام ابن تيميّة -رحمه الله- :"وكان كثيرٌ من الصّحابة فقراء لم يكن يمكنهم تجديد" تجديد يعني الخفاف


"ولمّا سُئِل النّبي -عليه الصلاة والسلام- عن الصّلاة في الثّوب الواحد فقال :"أولكّلكم ثوبان؟!" فهذا كما أنّ ثيابهم كان يكثر فيها الفتق، والخرق حتّى تحتاج إلى ترقيع، فكذلك الخفاف، والعادة في الفتق اليسير في الثّوب والخفّ أن لا يُرَقَّع" الفتق اليسير والخرق اليسير غالبا لا يرَقَّع، إنّما الذي يُرَقَّع الخرق والفتق الكبير


ولهذا قال :"وإنّما يُرَقَّع الكثير"


إلى أن قال :"فلمّا أطلق الرسول -صلى الله عليه وسلم- الأمر بالمسح على الخفاف، مع علمه بما هي عليه في العادة ولم يشترط -صلى الله عليه وسلم- أن تكون سليمة من العيوب وجب حمل أمره على الإطلاق، ولم يجز أن يُقَيَّد كلامه إلّا بدليل شرعيّ، وكنا مقتضى لفظه أنّ كلّ خفّ يلبسه النّاس ويمشون فيه فلهم أن يمسحوا عليه، وإن كان مفتوقا أو مخروقا من غير تحديد لمقدار ذلك فإنّ التّحديد لابدّ فيه من دليل"


أيضا ممّا يدلّ على أنّ المسح عليه صحيح وأنّ القول الأوّل هو القول الرّاجح أنّ الصّحابة -رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم- النّاقلون عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هذه الأحاديث ويروي الإمام فيقول عن أكثر من أربعين من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وبعضهم زاد قال نحوا من الثّمانين، لم يُرو عنهم أو عن واحد منهم أنّه اشترط شرطا في تلك الخفاف ولهذا قال شيخ الإسلام -رحمه الله- :"وأيضا فأصحاب النبيّ -صلى الله عليه وسلم- الذين بلّغوا سنّته وعملوا بها لم يُنْقل عن أحد منهم تقييد الخفّ بشيء من القيود؛ بل أطلقوا المسح على الخفّين، مع علمهم بالخفاف وأحوالها، فعُلِم أنّهم كانوا قد فهموا" انتبه إلى هذا "كانوا قد فهموا" ونحن مأمورون باتّباع فهمهم


"كانوا قد فهموا عن نبيّهم -صلى الله عليه وسلم- جواز المسح على الخفّين مطلقا، وأيضا فكثير من خفاف النّاس لا تخلو من فتق أو خرق يظهر من بعض القدم، فلو لم يجز المسح عليها بطل مقصود الرّخصة" هي رخصة كما قلنا


"لا سيّما الذين يحتاجون إلى لبس ذلك هم المحتاجون" يعني الفقراء


"وهم أحقّ بالرّخصة من غير المحتاجين، فإنّ سبب الرّخصة هو الحاجة، ولهذا قال النبي -عليه الصلاة والسلام- لمّا سُئِل عن الصّلاة في الثّوب الواحد قال :"أولكلّكم ثوبان؟"بيّن أن فيكم من لا يجد إلّا ثوبا واحدا فلو أوجب الثّوبين لما أمكن هؤلاء أداء الواجب" إلى آخر كلامه -رحمه الله- في كلام قويّ متين وهو الرّاجح الصّحيح.


أمّا مسألة القياس الشّفّاف من ذلك بمسألة ستر العورة فالجواب إنّ ستر العورة في الصّلاة شرطٌ، وستر القدمين بحيث لا يظهر منها -والقدمان ليست بعورة- فلا يشترط فيهما ما يشترط في ستر العورة.


ولهذا لا تجد في السنّة دليلا يدلّ على وجوب هذا السّتر، فلو كان ساترا؛ لكنّه فيه لمعانا ونحو ذلك لا يمنع ذلك من لبسه


الوجه السادس : في حكم المسح على الجوارب


تقدّم الكلام على مسألة المسح على الخفّين والجرموق، بقي الكلام عن مسألة الجوارب، أو الذي يسمّى الآن بالشرّاب قولان لأهل العلم


القول الأوّل : الجواز وهو مروي عن تسعة من الصّحابة وهم :عليٌّ، وعمّار، وأبو مسعود، وأنس، وابن عمر، والبراء بن عازب، وبلال، وأبو أمامة وسهل بن سعد، وبه قال الإمام سعيد بن المسيّب، والحسن البصري، والإمام عبد الله بن المبارك والإمام أحمد، وهو قول أصحاب أبي حنيفة، زُفَر، ومحمّد بن الحسن، وأبو يوسف، وقول الظّاهري داود ابن عليّ، واختاره شيخ الإسلام بن تيميّة -رحمه الله-


والقول الثّاني : أنّه لا يجوز المسح على الجوارب، وهذا قال به أبو حنيفة ومالك والشّافعي وغيرهم


استدلّ من قال بجواز المسح على الجوارب بحديث المغيرة بن شعبة -رضي الله تعالى عنه- :"أنّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- توضّأ ومسح على الجوربين والنّعلين" وهذا الحديث أخرجه الإمام أبو داود والتّرمذي وقال : حسن صحيح، والنسائي في الكبرى، وكذلك الحافظ ابن ماجة في سننه


وهذا الحديث اختلف فيه أهل العلم تصحيحا وتضعيفا، أنت كما ترى الحديث نصٌّ في موضع النّزاع


ممّن صحّح الحديث -كما قلنا- الإمام التّرمذي وابن خزيمة وابن حبّان وبعضهم


وممّن ضعّف الحديث جماعة من النّقّاد منهم الإمام سفيان الثّوري فيما أخرجه عنه وأسنده الحافظ البهقيّ في السّنن الكبرى وقال عنه لمّا سأله ابن مهدي أن يحدّثه بحديث المغيرة هذا قال :"حديث ضعيفٌ أو واهٍ"


وممّن أعلّ الحديث أيضا من الأئمّة الإمام عبد الرّحمن بن مهدي فوصفه بأنّه حديث منكر


وممّن أعلّ الحديث أيضا الإمام يحي بن معين، والإمام عليّ بن المديني، وكذلك الإمام أحمد كما في العلل لعبد الله بن أحمد، وكذلك ممّن أعلّه الإمام مسلم صاحب الصّحيح، وكذلك ممّن أعلّه النّسائي في الكبرى، ومال إلى إعلاله الإمام أبو داود، وممّن أعلّه أيضا الإمام الدّارقطني -رحمه الله- في العلل، والبيهقيّ في الكبرى، فالحديث معلولٌ غير محفوظ بلفظ الجوربين من حديث المغيرة، إنّما المحفوظ من حديث المغيرة أنّه مسح -عليه الصلاة والسلام- على الخفّين"


وتفرّد بهذا اللّفظ راوٍ يقال له عبد الرّحمن بن ثروان أبو قيس ومثله لا يُحْتمل تفرّده فعليه تُعْصَب علّة الحديث وهو صاحب العلّة وبه تُلْحق، فالصّواب أنّ الحديث معلول منكرٌ


لكن حديث ثوبان -رضي الله تعالى عنه- الذي أخرج الإمام أبو داود والإمام أحمد في المسند وهو حديث صحيح :"أنّ رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- بعث سريّة فأصابهم بردٌ فأمرهم -عليه الصلاة والسلام- أن يمسحوا على العصائب والتّساخين" وقد مرّ معنا معنى التّساخين


ماذا قلنا؟ ما تُسَخَّنُ به القدم من خفّ، أو جورب، أو نحو ذلك


فالعموم يشمله يعني يشمل الجوارب


وأيضا عندنا أمرٌ ثانٍ يُضَمُّ إلى هذا أنّه المأثور عن جماعة من الصّحابة وهم تسعة من الصّحابة، لهذا قال الإمام ابن قدامة -رحمه الله- في المغني :"ولأنّ الصّحابة مسحوا على الجوارب ولم يظهر لهم مخالفٌ" يعني منهم


"فكان إجماعا"


على كلّ حال لا يوجد لهم مخالف، والعموم يسعفه


وهذا هو الصّحيح في هذه المسألة أنّه يصحّ المسح على الجوارب


أمّا من قال بعدم الجواز فعلّة ذلك عندهم أنّ الأحاديث الواردة في المسح على الجوربين ضعيفة


نعم جاء المسح على الجوربين من حديث المغيرة ومن حديث أبي موسى أيضا؛ لكنّه حديث ضعيف أيضا


الأحاديث في المسح على الجوربين ضعيفة؛ لكن عموم حديث ثوبان وما جاء في معناه يدلّ على جواز ذلك خاصّة وأنّ هذا الذي فهمه الصّحابة


قالوا أيضا أنّ هذا الجورب لا يأخذ حكم الخفّ فلا يلحق به، وهذا بعيد؛ لأنّ الصّحابة لم يفهموا هذا وفهموا العكس.


الوجه السّابع : صفة المسح على الخفّين


الصحّيح في المسح على الخفّين أنّه يمسح على ظاهرهما وهذا مروي عن جماعة من الصّحابة كأنس وجابر وابن عبّاس والأوزاعي والحسن، وهو قول الإمام أحمد، والحنفيّة.


وما جاء في حديث المغيرة -رضي الله تعالى عنه- في بعض طرقه عند أبي داود وغيره وهو حديثٌ حسنٌ قال :"رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يمسح على الخفّين، على ظاهرهما" قوله :"يمسح على الخفّين" مجمل


يبيّنه قوله :"على ظاهرهما" ما جاء في الحديث نفسه قوله :"على ظاهرهما"


وأيضا أثر عليّ -رضي الله تعالى عنه- فيما أخرجه الإمام أبو داود والنّسائي في الكبرى والإمام أحمد في المسند قال :"كنت أرى باطن القدم أحقّ بالمسح من ظاهرهما" قال كنت أرى هذا


"حتّى رأيت رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- يمسح على ظاهرهما"


ومعلومٌ لعلّه عندكم ومحفوظ أثره -رضي الله تعالى عنه- الشّهير :"لو كان الدّين بالرّأي لكان مسح باطن الخفّ أولى من ظاهره"


وهذا هو الصّحيح في المسح في صفته


هناك من قال بأنّه يمسح الباطن والظّاهر؛ لكنّه قولٌ ضعيف لذلك ما عرّجنا عليه واستدلّوا بحديث عند أبي داود والتّرمذي وغيرهما من لفظ حديث المغيرة -رضي الله تعالى عنه- من مسحه -عليه الصلاة والسلام- على ظاهر الخفّ وباطنه" وهو حديث منكر.


الوجه الثّامن : السنّة في المسح على الخفّين أن يكون مرّة واحدة خلافا لمن قاسه بالغسل، غسل الرّجلين، يعني ثلاثا وممّ، قال بهذا عطاء -رضي الله عنه ورحمه-


والذي ذكرناه من أنّ السنّة مرّة واحدة أنّ هذا هو المروي عن جماعة من الصّحابة كابن عمر، وابن عبّاس، وعن بعض التّابعين كالشّعبي -رحمه الله- وغيره، فهذه هي إذًا السنّة، ولم يرد فيها التّثليث، والقياس مع الفارق


الوجه التّاسع : متى تبدأ مدّة المسح، يعني حساب المدّة؟


المقيم كم له؟ يوم وليلة


والمسافر ثلاثة أيّام بلياليها


متى يبدأ حساب المدّة؟


قولان لأهل العلم :


تبدأ المدّة حسابها من أوّل مسحة بعد الحدث، من أوّل مسحة بعد أن تطهّر ولبس الخفّين، ثمّ أحدث حدثا بعد ذلك، ثمّ أراد الوضوء فمسح يبدأ الحساب من أوّل مسحة بعد الحدث، وهو قول الإمام أحمد وجماعة.


لظاهر حديث عليّ -رضي الله عنه- في التّوقيت للمسافر الذي مضى معنا حديث مسلم، وما جاء في معناه من حديث أبي بكرة وغيره في أنّه للمسافر ثلاثة أيّام بلياليها ويوم وليلة للمقيم


وحديث صفوان بن عسّال -رضي الله عنه- وغيرهم


ولما قاله عمر -رضي الله تعالى عنه- فيما أخرجه الإمام عبد الرزّاق عنه في المصنّف بإسناد صحيح أنّه قال :"يمسح إلى السّاعة التي توضّأ فيها" يعني أوّل مسح بعد الحدث وحسبك بفقه عمر -رضي الله تعالى عنه-


والقول الثّاني : أنّه من حين اللُّبْس وهو قول ضعيف لا دليل عليه.


الوجه العاشر : من خلع خفّيه أو أحد الخفّين هل ينتقض وضوؤه؟ يعني بمجرّد خلع الخفّ هل ينتقض الوضوء أو لا؟


أقوال في المسألة نحوا من أربعة أقوال :


أنّ عليه الإعادة، إعادة الوضوء، بمعنى ينتقض الوضوء، هذا قال به جماعة من السّلف كالزّهري، وابن المبارك، والإمام أحمد، وهو قولٌ للشّافعي.


القول الثّاني : أنّه يغسل القدمين فقط، وهذا قولٌ لأهل الرّأي وبعض الشافعيّة.


القول الثالث : أنّه إن غسل القدمين عقب خلع الخفّين مباشرة يكفيه؛ لكن إن طال الفصل بعد الخلع للخفّ فإنّه يجب عليه الإعادة، يعني اشترطوا الموالاة، مباشرة خلع يغسل يكفي، ولا ينتقض الوضوء


لكن إن فصل فصلا طويلا فإنّه ينتقض وهو قولٌ مروي عن الإمام مالك


والرّابع -وهو الأصحّ-: أنّه لا شيء عليه ولا ينتقض الوضوء والطّهارة صحيحة، وهو قول الإمام إبراهيم النّخعي، والحسن، وقتادة، وقال به الإمام ابن المنذر -رحمه الله-، واختاره الإمام ابن تيميّة -رحمة الله عليه-


ولا دليل لمن قال بانتقاض الطّهارة


ومَنْ قال بغسل الرّجلين يكفي غسل الرّجلين استدلّ بأثر عند البيهقي :"أنّ أبا بكر -رضي الله تعالى عنه- كان ينزع خفّيه ويغسل قدميه" لكنّها رواية شاذّة وأثرٌ شاذّ.


قال الإمام ابن المنذر -رحمه الله- في الأوسط :"احتجّ لا يرى عليه إعادة الوضوء ولا غسل قدم بأنّه والخفّ عليه طاهرٌ، كامل الطّهارة، بالسنّة الثّابتة" لا يستطيع أحدٌ أن يقول هو غير طاهر، إذا كان لابسا للخفّ وهو طاهرٌ


"ولا يجوز نقض ذلك إذا خلع خفّه إلّا بحجّة من سنّة أو إجماع، وليس مع مَنْ أوجب عليه أن يعيد الوضوء أو يغسل الرّجلين حجّة في ذلك" وهذا هو الصّحيح إذا كان باقٍ على طهارته ولم يُحْدِث.


الوجه الحادي عشر : هل انقضاء المدّة، مدّة المسح، مرّت معنا مدّة المسح، هل انقضاء مدّة المسح يبطل الوضوء؟


بمعنى إذا انتهت اليوم واللّيلة، أو الثّلاثة أيّام بلياليها للمسافر وهو على وضوء، انتهت المدّة هل ينتقض الوضوء؟ أم لا ينتقض؟


أقوال؛ لكن أشهر تلك الأقوال:


أنّه يجب عليه الاستئناف، بمعنى الوضوء قد انتقض، يجب عليه أن يتوضّأ وضوءا جديدا، وهو قولٌ عند الشّافعيّة ومذهب الحنابلة.


والقول الثّاني : أنّ الطّهارة والوضوء لا ينتقض، إلّا بناقضٍ صحيح وهذا القول قول جماعة من أهل العلم كالحسن البصري، وقتادة، وهو اختيار الإمام ابن المنذر -رحمه الله-، وابن حزم، وابن تيميّة -رحمه الله تعالى ورحم الله الجميع-، واختاره الحافظ النّووي -رحمه الله- وعبّر عن هذا القول بأنّه المختار الأقوى من الأقوال، خالف مذهبه في ذلك.


يقول الحافظ ابن حزم -رحمه الله- :"هذا القول الذي لا يجوز غيره؛ لأنّه ليس في شيء من الأخبار أنّ الطّهارة تنتقض عن أعضاء الوضوء، ولا عن بعضها بانقضاء وقت المسح، وإنّما نهى -عليه الصلاة والسلام- عن أن يمسح أحدٌ أكثر من ثلاث للمسافر، أو يوم وليلة للمقيم، فمن قال غير هذا فقد أقحم في الخبر ما ليس فيه -إلى أن قال- والطّهارة لا ينقضها إلّا الحدث، وهذا قد صحّت طهارته، ولم يحدث، فهو طاهرٌ والطّاهر يصلّي ما لم يحدث، أو ما لم يأت نصٌّ جليٌّ في أنّ طهارته انتقضت وإن لم يحدث"


ولهذا لم يرد كتابٌ، ولا سنّة، ولا إجماعٌ على أنّ من انتهت مدّة مسحه انتقض ووضوؤه، فلا دليل في هذا


ما فائدة التّوقيت إذًا؟


فائدة التّوقيت بيان انتهاء مدّة المسح، لا انتهاء الطّهارة، ولهذا لابدّ في القول بانتقاضها بدليل صحيح، أو إجماع.


مسألة المسح على الخفّين هذه المتعلّقات بها في الحدث الأكبر أم الأصغر؟


في الحدث الأصغر، أمّا في الحدث الأكبر فيجب خلعهما لحديث صفوان -رضي الله عنه-.



[بابٌ في المذي وغيره]



الطالب : قال -رحمه الله- :[بابٌ في المذي وغيره. عن عليّ بن أبي طالب -رضي الله عنه- قال :"كنت رجلا مذّاءا فاستحييت أن أسأل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لمكنا ابنته فأمرت المقداد فسأله، فقال :"يغسل ذكره ويتوضّأ"، وللبخاري :"اغسل ذكرك وتوضّأ"، ولمسلم:"توضّأ وانضح فرجك"]


الشيخ : هذا بابٌ متعلّق بالطّهارة أيضا


قال :[بابٌ في المذيّ وغيره] وذكر تحته عدّة أحاديث


بدأ بحديث عليّ -رضي الله تعالى عنه- وقبل أن نشرع في الكلام على حديث عليّ -رضي الله تعالى عنه-، نتكلّم عن الباب.


قوله :[بابٌ في المذي وغيره]


أي بابٌ في بيان حكمه، بابٌ في بيان حكم المذي


قوله :[وغيره] أي أنّ هذا الباب مشتملٌ على جملة من الأحكام تتعلّق بالمذي وغيره، من متعلّقات الوضوء، أو إزالة النّجاسة.


المذي : بميم مفتوحة، ثمّ بعدها ذالٌ معجمة في ضبط الذّال لغات؛ لكنّ الأصحّ والأشهر فيها الإسكان "مَــذْي" بالإسكان


والمذي : هو عبارة عن ماء، رقيق، لزج، يخرج عند الشّهوة من مداعبة ونحوها.


وهناك أمرٌ آخر يُسَمَّى الودي ماءٌ آخر يسمّى الودي بالواو ثمّ الدّال المهملة ثمّ الياء


الدّال في ضبها في الودي لغتان:


التّسكين "وَدْي"


والكسر مع تشديد الياء


وهو ماءٌ، رقيق، يخرج بعد البول في الغالب الكثير


ثمّ حديث عليّ -رضي الله عنه- الكلام عليه من ستّة أوجه:


الوجه الأوّل : قول عليّ -رضي الله عنه- :"كنت رجلا مذّاءا" صيغة مبالغة من المذي، يقال :"مَذَي يُمْذِي" مثل "مَضَى ، ويُمْضِي" من الثّلاثي


ويقال :"أَمْذَى يُمْذِي" بوزن "أعطى يعطي" من الرّباعي


والمعنى في قوله :"مذّاء" أي كثير المذي


كيف عرفنا هذا؟


جاءت رواية عند الإمام أبي داود والنّسائي وابن حبّان في الصّحيح أنّ عليًّا قال :"فجعلت أغتسل في الشّتاء" لمّا كان يصيبه المذي قال :"فجعلت أغتسل في الشّتاء حتّى تشقّق ظهري"


فهذا يدلّ على أنّه مراده أنّه كثير المذي


قوله -رضي الله عنه- :"فاستحييت أن أسأل رسول الله -عليه الصلاة والسلام- لمكان ابنته منّي" هذه الجملة هي علّة الاستحياء وهذا فيه أدبٌ رفيع منه -رضي الله تعالى عنه-.


قوله -صلى الله عليه وسلم- :"انضح فرجك" النّضح يطلق على الغسل، ويطلق على الرشّ؛ لكنّ المعنى المراد هنا بــ "النّضح" الغسل، كما جاءت به الرّواية الصّحيحة عنه -عليه الصلاة والسلام- فيكون المعنى اغسله، "انضح فرجك" بمعنى اغسله، كما قاله الحافظ النّووي -رحمه الله-.


قوله -صلى الله عليه وسلم- :"توضّأ واغسل ذكرك" أنت ترى "توضّأ واغسل" وعندنا الرّواية التي ذكرها في أوّل الباب :"يغسل ذكره ويتوضّأ" تقديم في ظاهره وتأخير


قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله - عند هذا :"هكذا وقع في البخاري تقديم الأمر بالوضوء على غسله، ووقع في العمدة -يعني عندنا- نسبة ذلك للبخاري" لأنّ المصنّف عندنا قال :[وللبخاري]


قال :"وبالعكس" يعني جاءت رواية أخرى بالعكس، يعني تقديم الغسل على الوضوء


قال :"لكنّ الواو" دلالة الواو "توضّأ واغسل"، أو"يغسل ويتوضّأ"


قال :"لكنّ الواو لا تُرَتِّب" يعني لا تفيد التّرتيب.


ثمّ قال :"فالمعنى واحدٌ وهي رواية الإسماعيلي"


ثمّ قال :"فيجوز تقديم غسله على الوضوء وهو أولى، ويجوز تقديم الوضوء على غسله؛ لكن عند من يقول بنقض الوضوء بمسّه يشترط أن يكون ذلك بحائل"بمعنى لو قدّم الوضوء على الغسل


والحائل كخرقة ونحوها


الوجه الثّاني :قوله:[ولمسلم :"توضّأ وانضحْ فرجك"] "وانضح" الضاّد فيها لغتان : الكسر، والفتح، "اِنْضِحْ"، و"اِنْضَحْ" كلاهما لغة صحيحة


هذه الرّواية التي هي عند مسلم قال :[ولمسلم] أشار العلّامة الزّركشي -رحمه الله- في النكت على العمدة ممّا انتقدها الدّارقطني على مسلم، يعني هذا الحديث أعني رواية مسلم، قال :[ولمسلم] هي من الأحاديث التي انتقدها الإمام الدّارقطني على مسلم في الصّحيح، يعني ليست من الأحاديث السّليمة، حديث منتقد


رواية مسلم، ليس عموم الحديث، فالحديث عند مسلم من رواية ابن وهب عن مَخْرَمة بن بُكَيْر عن أبيه عن سليمان بن يسار عن ابن عبّاس به.


الدّارقطني يتلخّص نقده من وجهين:


الوجه الأوّل : الانقطاع بين مخرمة وأبيه، قال إنّ مخرمة لم يسمع من أبيه، يعني وجه انتقاد الدّارقطني منصبٌّ على إسناد مسلم، لا على متنه.


والوجه الثّاني : أنّه ذكر ابن عبّاس في الإسناد لا يصحّ


فهاتان العلّتان عند الإمام الدّارقطني باختصار


تبع العلّامة الوادعي مقبل -رحمه الله- في تحقيقه لكتاب التتبّع للدّارقطني، تبع الإمام الدّارقطني في إعلاله إسناد مسلم بالانقطاع بين مخرمة بن بكير وأبيه


وأيّد الدّارقطني قبل الوادعي الحافظ ابن القطّان في بيان الوهم والإيهام في الانقطاع


وتبع الدّارقطني أيضا في العلّتين شيخنا العلّامة ربيع المدخلي -وفّقه الله- في كتابه بين الإمامين مسلم والدّارقطني


فالحديث يعتبر من الأحاديث المعلولة إسنادا عند مسلم؛ لكنّ مسلما- رحمه الله- لا يضرّه فقد أخرج الحديث في باب المتابعات


وأمّا المتن فهو صحيح


ولهذا قال شيخنا -وفّقه الله- شيخنا الشّيخ ربيع قال :"ولا يضرّ مسلما فإنّه أورده في المتابعات"


الوجه الثّالث : دلّ هذا الحديث حديث عليّ -رضي الله عنه- على أنّ المذي لا يوجب اغتسالا


وأنّه ينقض الوضوء، وهو محلّ إجماع


الوجه الرّابع : الصّواب في غسل الرّجل لذكره، هل يغسل ما أصاب الذّكر أو الذّكر كلّه وأنثييه؟


الصّواب أن يغسل ذكره وأنثييه -يعني خصيتيه- كما جاءت الرّواية عند أبي داود وهي صحيحة فيها الأمر بغسل ذكره وأنثييه، الغسل يعمّ ذلك على الصّحيح وهو الصّواب.


الوجه الخامس : حكم ما أصاب الثّوب من المذي، يعني يصيب المذي الثّوبَ، فما حكم ما أصاب هذا الثّوب؟ ماذا يفعل به المرء؟


قولان:


القول الأوّل : يغسل ما أصاب الثّوب منه، وهو قول الشّافعي وإسحاق وجماعة.


القول الثّاني : ينضح بمعنى يرشّ من غير غسل وهو قولٌ للإمام أحمد وجماعة


والأوّل أظهر، والأوّل هو الأظهر والصّواب لما تقدّم معنا من أنّ المراد بالنّضح هنا الغسل كما جاءت الرّواية الأخرى المبيّنة لمعناه.


الوجه السّادس : قبول خبر الواحد، أرسل عليًّا المقداد فجاء المقداد بالجواب.


وهذه مسألة عند أهل السنّة محلّ اتّفاق، وعقد الإمام البخاري لها في الصحيح كتاب خبر الواحد


الفائدة الثّانية :جواز الاستنابة في الاستفتاء، أن يستنيب المستفتي غيره أن يسأل عنه. جواز الاستنابة في الاستفتاء لعذر إن كان ثمّة عذر


وهنا يجب أن نلحظ أمرا مهمّا وهذا يقع من كثير، أحيانا يسأل زيدٌ من النّاس فينيب زيدًا أن يسأل عنه؛ لكن هناك جملة من المسائل متعلّقة بالسّؤال، يعني الجواب على عين المسألة متعلّقٌ به جملة من الأسئلة، فلا يصحّ أن تستنيب زيدًا أم عمرًا في المسائل التي كهذه ومنه الطّلاق


من فوائد الحديث : بيان ما كان عليه الصّحابة -رضي الله عنهم وأرضاهم- من الخلق الحسن والتمثّل بالأخلاق الحسنة، ومن ذلك خُلُق الحياء والحياء لا يأتي إلّا بخير، ولهذا قال عليٌّ :"فاستحييت لمكان ابنته منّي" هذه علّ’ الحياء، فالحياء خلقٌ عظيم، ولهذا قال بعض أهل العلم في تعريف الحياء :"الحياء خُلُقٌ يبعث على فعل كلّ مليحٍ وترك كلّ قبيح"


ومن فوائد الحديث : حُسْنُ العشرة بين الزّوجين والأصهار ومراعاة ذلك، وهذا من حسن العشرة.


الفائدة الأخيرة : وجوب الاستفتاء في أمور الدّين.


وفّق الله الجميع لما يحبّه ويرضاه، وصلى الله وسلم وبارك على نبيّنا محمّد وعلى آله وصحبه وسلّم.



*أسئلة الدّرس*



سائل يقول : كيف يكون الرشّ؟


*الجواب*: قلنا لا رشّ، إنّما هو غسلٌ، يغسل الموطن الذي أصابه ذلك المذي، فإن كان جهل الموطن يغسل ما غلب على ظنّه من المكان، أعني ما أصاب الثّوب.



قال السّائل : لو أنّ رجلا لبس الخفّين ثمّ انتقض ووضؤه فتوضّا ومسح على الخفّين ثمّ وهو خلال طهارته


إيش يقصد خلال ؟


يعني في أثناء،لعلّه؛ لأنّ خلال هذه ما هي جيّدة، أثناء يعني، لأنّ خلال الشّيء وسطه


ثمّ نرع الخفّين هل يبقى على طهارته أم يستأنف؟


*الجواب*: توضّأ ومسح على الخفّين ثمّ انتقض، وتوضّأ ومسح على الخفّين ثمّ خلال طهارته هذه نزع الخفّين


يعني الصّورة غير واضحة


توضّأ ولبس الخفّين، ثمّ انتقض، ثمّ توضّأ ومسح على الخفّين ثمّ خلال الطّهارة


هو مسح فإذا كان بعد انتهاء الطّهارة خلع وانتقض وضوؤه يلزمه الاستئناف


أمّا إذا كان قد توضّأ ولبس الخفّين ثمّ انتقض وضوؤه ثمّ تطهّر له أن يمسح، لو خلع بعد ذلك لا حرج عليه؛ لأنّه لم تنتقض طهارته بمجرّد النّزع إن كان هذا هو المراد من السّؤال.



حكم تعدّد النيّة في الصّلاة النّافلة؟


*الجواب*: لا تتعدّد النيّة في الصّلاة، قد مرّ معنا في حديث عمر -رضي الله تعالى عنه- أنّ من القواعد المستنبطة في حديث عمر -رضي الله تعالى عنه- تمييز العبادات بعضها عن بعض، وصلاة النّافلة إن صلّيت السنّة الراّتبة بنيّة السنّة الراتبة


إن صلّيتها بنيّة تحيّة المسجد فهي بنيّة تحيّة المسجد ولا تتعدّد النيّات.



نقف عند هذا وصلّى الله على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلّم.
__________________
قال الشيخ أزهر سنيقرة حفظه الله :" ومطلُوبٌ مِن طلَبة العِلم العامِلين أن يُربُّوا شبابَ الأمَّة على التَّميِيز بين العُلماء وبينَ المتشبِّعين بما لم يُعطَوا، وأن يغرِسوا في قلوبِهم تعظِيمَ الحقِّ واتِّباعه، ويربِطوهُم بالوَحي المعصُوم، حتَّى لا يكونُوا أتباعًا لكلِّ ناعِقٍ"اهـ .من مقال بعنوان (استِنسارُ البُغاثِ)

التعديل الأخير تم بواسطة أبو عمر عبد العزيز السلفي ; 05-17-2012 الساعة 15:00:39 PM
رد مع اقتباس
  #8  
قديم 05-17-2012, 20:25:49 PM
الصورة الرمزية أبو عمر عبد العزيز السلفي
أبو عمر عبد العزيز السلفي أبو عمر عبد العزيز السلفي غير متواجد حالياً
عضو مميز
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: خميسة/سوق أهراس
المشاركات: 488
Tefreegh

الدرس الثّامن

[تابع لباب : المذي وغيره]

الطالب : بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه


قال المصنّف -رحمه الله تعالى- :[عن عَبَّاد بن تميم عن عبد الله بن زيد بن عاصم المازني -رضي الله عنه- قال : شُكِي إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- الرّجل يخيّل أنّه يجد الشّيء في الصّلاة، فقال :"لا ينصرف حتّى يسمع صوتا أو يجد ريحا"]


الشيخ : بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العاليمن، وصلى الله وسلم وبارك على نبيّنا محمّد وعلى آله وصحبه وسلّم وبعد:


هذا الحديث الثّاني في هذا الباب والباب عنون له المصنّف -رحمه الله- :[بابٌ في المذي وغيره]وشرحنا فيه حديث عليّ -رضي الله تعالى عنه-


قال في هذا الحديث :[عن عبّاد بن تميم عن عبد الله بن زيد بن عاصم المازني -رضي الله تعالى عنه- قال : شُكِيَ إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- الرّجل الذي يُخَيَّل إليه أنّه يجد الشّيء في الصّلاة فقال :"لا ينصرف حتّى يسمع صوتا أو يجد ريحا"]


الكلام عن هذا الحديث شرحا من وجوه:


الوجه الأوّل : في قوله -رضي الله عنه- :"شُكِيَ إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-" "شُكِيَ" بضمّ الشّين وكسر الكاف مبني على ما لم يُسَمَّ فاعله، أو الذي يقال عنه مبني على المجهول


والشّاكي إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هذا الأمر هو عبد الله بن زيد بن عاصم راوي الحديث


استدللنا على هذا بما جاء عند البخاري أيضا في الصّحيح في باب:"لا يَتَوَضَّأ من الشكّ حتّى يتيقّن" وذكر فيه حديث عبّاد بن تميم هذا الذي معنا وقال فيه :"عن عبّاد بن تميم عن عمّه أنّه شكى إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلّم- ..."


فدلّ هذا اللّفظ على أنّ الشّاكي هو عبد الله بن زيد -رضي الله تعالى عنه وأرضاه-


وهذا الحديث أخرجه الإمام البخاري كما قلت في الصّحيح تحت هذا الباب :"باب : لا يتوضّأ من الشكّ حتّى يتيقّن" من طريق سفيان بن عيينة عن الزّهري عن سعيد بن المسيّب وعن عبّادة بن تميم، يعني بروايتيه من طريق سعيد ومن طريق عبّاد عن عمّه إلى آخر الحديث


وهذا الحديث أنت ترى أنّه يقول فيه عن عمّه


وأخرجه مسمّى وعمّه هو عبد الله بن زيد، يعني بتسميّة عمّه أنّه عبد الله بن زيد أخرجه الإمام مسلم في الصّحيح من طريق ابن عيينة هذا الذي ذكرناه آنفا


فإذًا ظهر لنا أنّ عمّ عبّاد هو عبد الله بن زيد، عندنا عبّاد بن تميم، وهذا عبد الله بن زيد، فقيل إنّه عمّه لأبيه، وقيل عمّه لأمّه فهو عمٌّ له


قوله في الحديث :"يجد الشّيء" المراد هنا الحركة التي يظنّ بها الرّجل أنّه قد أحدث وليس كذلك.


وطبعا أنّ هذا الظنّ، ظنّه للحدث أنّه خارجٌ منه، أنّ هذا الشّيء الذي يجده هو يظنّه حدثا خرج منه، لا من غيره.


قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله- في الفتح :"أي الحدث خارجا منه، وصرّح به الإسماعيليّ" يعني في مستخرجه


قال :"ولفظه "يُخَيَّل إليه في صلاته أنّه يخرج منه الشّيء"


وكما مرّ غير مرّة أنّ ألفاظ الحديث في الباب الواحد يفسّر بضعها بعضا، وتظهر من خلالها المعاني


إذًا عرفنا معنى الشّيء هنا


قوله -عليه الصلاة والسلام-:"لا ينصرف" فيه وجهان:


الرّفع "لا ينصرفُ" على الخبريّة


والجزم على النّهي "لا ينصرفْ"


الوجه الثّاني : هل الحكم في هذا الحديث مقتصرٌ على هذين النّوعين؟ أم أنّه يتعدّاها؟


قال"لا ينصرفْ حتّى يسمع صوتًا أو يجد ريحا" هل الحكم على هذين النّوعين مقصور ومحصور أو لا؟


الصّحيح أنّه لا ينحصر فيهما، ولهذا قال الحافظ الخطّابي -رحمه الله- في كتابه العظيم إعلام الحديث :"يريد يمضي في صلاته ما لم يتيقّن الحدث، ولم يُرِد" يعني النبي -عليه الصلاة والسلام-


"ذكر هذين النّوعين من الحدث تخصيصهما، وقصر الحكم عليهما" لم يريد التّخصيص بهذين النّوعين، ولا قصر الحكم عليهما


"حتّى لا يقع نقضُ الطّهارة بغيرهما، وإنّما هو جوابٌ خرج على حدود مسألة سألها السّائل"


ماهي المسألة؟


الشيء يجده المرء في صلاته


قال :"وقد دخل في معناهما"دخل في معنى هذين النّوعين من الحدثين


قال :"كلّ ما يخرج من السّبيلين من بول وغائط، ومذيٍ، ووديٍ، ودمٍ، ونحوها"


معلومٌ -أيّها الإخوة- أنّ المرء قد يكون بعض الأحيان لا يسمع فيه وقرٌ، في أذنه وقرٌ، شيءٌ من الصّمم، أوّ أنّه أخشم الأنف لا يشمّ فقد يحدث ولا يسمع الصّوت، أو يحدث ولا يجد الرّيح، ولا يشمّ رائحة الرّيح، ولهذا كان الأمر أعمّ


وقعّد قاعدة مهمّة الحافظ الخطّابي -رحمه الله- وسار عليها جمعٌ من الحفّاظ والأئمّة وقرّروها وذكروها مقرّرين لها قال :"والمعنى إذا كان أوسع من الاسم كان الحكم للمعنى"


ما فائدة هذا الكلام؟


فائدته أنّك إذا أدركت هذا المعنى دخلت فيه بقيّة الأمور قد تخرج ممّا هو سوى الرّيح أو الصّوت من الأنواع التي مرّ ذكرها من المذي، والودي، والدّم، ونحو ذلك ممّا يخرج من السّبيلين.


الوجه الثّالث : هذا الحديث يعتبر من أدلّة السنّة النبويّة على القاعدة الفقهيّة الكبرى :"اليقين لا يزول بالشكّ" هذه القاعدة من القواعد الفقهيّة الكبرى العظيمة التي تندرج تحتها أبوابٌ كثيرة من الأحكام، ومسائل عديدة


فهذه القاعدة الفقهيّة :"اليقين لا يزول بالشكّ" دلّت عليها أدلّة كثيرة من الكتاب والسنّة، ومن أدلّة السنّة على تقرير هذه القاعدة، وعلى أنّ لها أصلٌ في الشّرع هو هذا الحديث الذي معنا


قال الإمام البخاري -رحمه الله- في الصّحيح مبوّبًا :"باب : لا يتوضّأ من الشكّ حتّى يتيقّن" التّبويب الذي مرّ معنا، وهذا استنباط منه -رحمه الله- لهذه القاعدة في الصّحيح، بمعنى أنّ "اليقين لا يزول بالشكّ"


أيضا قال الإمام ابن عبد البرّ في التّمهيد عند هذا الحديث :" في هذا الحديث من الفقه أصلٌ عظيمٌ جسيمٌ مطّردٌ في أكثر الأحكام وهو أنّ اليقين لا يزيله الشكّ، وأنّ الشكّ مبنيٌّ على أصله المعروف حتّى يزيله يقين لا شكّ معه".


وقال الحافظ الخطّابي أيضا في إعلام الحديث عند هذا الحديث أيضا في فقهه قال :"هذا أصلٌ في كلّ ما يثبت يقينًا، فإنّه لا يُرْفَعُ بالشكّ"


ولهذا قال عبارة أخرى -رحمه الله- في معالم السّنن مستنبطا من فقه الحديث قال :"فيه من الفقه أنّ الشكّ لا يزاحم اليقين" وهذا تعبيرٌ آخر للقاعدة.


يقول الإمام ابن القيّم -رحمه الله- في إعلام الموقّعين :"لمّا كان الأصل بقاء المتطّهر على طهارته لم يأمر -أي النبي عليه الصلاة والسلام- بالوضوء مع الشكّ في الحدث؛ بل قال :"لا ينصرفْ حتّى يسمع صوتا أو يجد ريحا"، ولمّا كان الأصل بقاء الصّلاة في ذمّته أمر الشّاكّ أن يبني على اليقين ويطرح الشكّ"


هذه النّقول عن بعض أهل العلم في تقرير هذه القاعدة، قلنا هي مهمّة، هي وإن كان الحديث في ظاهره أنّه يجد الشيء في الصّلاة؛ لكنّ القاعدة تنسحب أيضا في غير الصّلاة، فلو تطهّر المرء ولم يدخل في صلاة وشكّ في طهارته، يبني على المستيقن، وهو الطّهارة، وغير ذلك من مسائل فرعيّة عديدة تنظرونها في أعلام الموقّعين للإمام ابن القيّم -رحمه الله- وفي إغاثة اللّهفان لهن وفي غيرها من مصادره.


هذه المسألة وهي أنّ اليقين لا يزول بالشكّ كلّها تحت إذا ما كانت الطّهارة متيقّنة؛ لكنّ الشكّ حادث، حدث عليه الشكّ، وطرأ عليه الشكّ


أمّا لو كان العكس، بمعنى الحدث هو الأصل والطّهارة شكٌّ فهنا نقول يلزمه الطّهارة إجماعا؛ لأنّ الأصل عدمها، الأصل الحدث؛ لأنّه هو شاكٌّ في أنّه تطهّر أو لم يتطّهر، متيقّنٌ أنّه محدث، بخلاف الأولى متيقّن في الطّهارة؛ لكنّه شكّ هل أحدث أو لم يُحْدِث.


الوجه الرّابع : قوله :"حتّى يسمع صوتا أو يجد ريحا" مرّ معنا أن يجد ذلك منه، لا من غيره؛ ولكن هل المعنى وجوب اجتماعهما؟ بمعنى الصّوت والرّيح، أو إذا حدث منه أحدهما انتقضت الطّهارة؟


نقول المعنى أن يعلم وجود أحدهما ويتيقّن خروجه منه، خروج أحدهما الصّوت، أو الرّيح، ولا يشترط اجتماع الأمرين يعني الشمّ والصوت إجماعا، لا يشترط اجتماعهما.


الوجه الخامس : أمرٌ ذكره الحافظ ابن دقيق -رحمه الله- وهو قوله :"الحديث أصلٌ في إعمال الأصل وطرح الشكّ" إن كان الأصل الطّهارة فالأصل الطهارة، الشكّ ما هو الحدث، فيُطْرَح


أو كان العكس الأصل الحدث والطّهارة شكّ، يُعْمل بالأصل ويُطْرَح الشكّ


قال :"وكأنّ العلماء متّفقون على هذه القاعدة؛ ولكن اختلفوا في كيفيّة استعمالها" في كيفيّة استعمال هذه القاعدة، بمعنى تنزيل هذه القاعدة على جملة من المسائل.


طبعا من المسائل التي في هذا الباب مسألة رجل متطّهر فشكّ في الحدث


جماهير الأئمّة من السّلف والخلف على أنّه يُعْمل باليقين ويُطْرَح الشكّ


ما هو اليقين؟


الطّهارة


ما هو الشكّ؟


الحدث


فيُطْرَح الشكّ الذي هو الحدث


منقول عن الإمام مالك في هذا قولان :


أنّه إذا شكّ والحالة هذه في الصّلاة يلزمه الوضوء مطلقا، بما أنّه شكّ في الحدث هل احدث أو لم يُحْدِث وهو متعلّقٌ بالصّلاة يلزمه الوضوء مطلقا


وقولٌ ثان أو رواية أخرى عنه إن كان طرأ عليه الشكّ في الحدث في أثناء الصلاة، يعني وهو يصلّي فلا ينصرف، ولا يلزمه ووضء ولا غيره؛ لكن إن طرأ عليه الشكّ قبل أن يصلّي يلزمه الوضوء، يلزمه إعادة الوضوء.


بعض أهل العلم رجّح كلام الإمام مالك من أيّ وجه؟


قالوا أنّ الإمام مالك -رحمه الله- بنى على الاحتياط للصّلاة وألغى الشكّ في السّبب، أحدث لم يُحْدث


وهذا الشكّ الذي هو السّبب الذي حصل منه أو لم يحصل وسيلة إلى الصلاة وهو الوضوء، فعندنا مقصد وعندنا وسيلة


ما هو المقصد؟ إقامة الصّلاة


ماهي الوسيلة للإقامة؟ الوضوء


فالشكّ بما أنّه وقع على الوسيلة فالاحتياط للمقصد أصل، فيُقَدَّم الاحتياط للأصل على الوسيلة، المقصد على الوسيلة، الاحتياط للمقاصد أحوط من الاحتياط للوسائل


أمّا الإمام الشّافعي -رحمه الله تعالى- فمأخذه في هذا أنّ الاحتياط للطّهارة التي هي وسيلة إلى الصّلاة، وألغى الشكّ في الحدث النّاقض لها


لكن عند التأمّل هل القول هذا السّابق بأنّ الاحتياط للمقاصد أولى من الاحتياط للوسائل في مثل هذا المقام الذي نحن فيه متحقّق ووجيه؟


من حيث النّظر نعم، قويّ؛ لكن من حيث دِلالة الحديث غير قويّ في هذا الحديث


لِمَ؟


لأنّ النبي -عليه الصلاة والسلام- علّق الحكم بأنّه "لا ينصرف حتّى يسمع صوتا أو يجد ريحا" بمعنى يتحقّق، فليس هذا من باب الاحتياط.


أيضا الوضوء وإن كان وسيلة إلى الصّلاة فهو مقصد أيضا، ليس هو على إطلاقه فقط هو وسيلة، هو مَقْصِدٌ من المقاصد قائمٌ بذاته، ووحده، على انفراد


لماذا؟


لأنّ الوضوء كما جاء عن بعض أهل العلم هو شطر الإيمان


وكذلك أنّ هذه العبادة -أعني الوضوء- جاءت فيها فضائل كثيرة، المحافظة على الوضوء، وأنّ المرء إذا ما كان متوضِّأً ، والحثّ على الوضوء دائمًا، وأنّ المؤمن يكون على وضوء دائما، وهكذا هدي رسول الله -عليه الصلاة والسلام- فجاءت فضائل مستقلّة ومناقب مستقلّة في فضل الوضوء، فهو وإن كان وسيلة من وجه فهو مَقْصِدٌ من وجه آخر


بل إنّ بعض أهل العلم يقول كلّ القربات وسائل، كلّ القُرَب -ومنها الصّلاة- هي وسائل إلى مَقْصِدٍ عظيم وهو نيل مغفرة الله ورضوانه.


وعلى كلٍّ فالقاعدة التي ذكرنا أنّ "اليقين لا يزول بالشكّ" وأنّ الأصل بقاء الطّهارة والشكّ حادث هو الصّواب في هذه المسألة. والله أعلى وأعلم.



الطّالب : قال -رحمه الله- :[عن أمِّ قَيْسٍ بن مِحْصَنٍ الأسديّة أنّها أتت بابن لها صغير لم يأكل الطّعام إلى رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلّم- فأجلسه رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في حِجْرِه، فبال على ثوبه، فدعا بماءٍ فنضحه ولم يغسله".


وعن عائشة -رضي الله عنها- أنّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أُتِيَ بصبيّ فبال على ثوبه فدعا بماءفأتبعه إيّاه"-ولمسلمٍ :"فأتبع بوله ولم يغسله-"]


الشيخ : هذان الحديثان دلالتهما واحدة ولذلك الكلام عليهما من وجوه:


الوجه الأوّل : حديث أمّ قيس


هذا الحديث لفظه عند الشّيخين كما ذكر المصنّف -رحمه الله-، وجاء في موضعٍ آخر عند مسلم في الصّحيح قوله -عليه الصلاة والسلام-، هنا قال :"فدعا بماء فنحه على ثوبه ولم يغسله"


أقول جاء في موضع آخر في الصّحيح:"فدعا بماءٍ فرشّه عليه"


قوله في الحديث :"أتت بابن لها صغير" لفظ ابن هذا خاصٌّ بالذّكور، يعني لا يطلق على البنت أو الجارية، بخلاف لفظ الولد، فإنّه يطلق [ يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين] ولقوله -صلى الله عليه وآله وسلم- في حديث النّعمان في الصّحيحين :"اتّقوا الله واعدلوا بين أولادكم"


وأمّ قيْس -رضي الله تعالى عنها وأرضاها- اسمها جُذَامة بالجيم المعجمة بخلاف ما جاء في الإعلام بفوائد عمدة الأحكام في المطبوع منه بالحاء المهملة، وهذا غلط، وإلّا فالصّواب كما في الفتح وغيره بالجيم المعجمة "جُذَامة"


قال :[بنت مِحْصَنْ] أخت عكّاشة بن محصن -رضي الله تعالى عنه- هذه أمّ قيس هي أخت عكّاشة


عُكَّاشة -والشّيء بالشّيء يُذْكر- يُضْبط بتشديد الكاف وبتخفيفها عُكَاشة، كلاهما وجهٌ صحيح، إلّا أن الأكثر الأوّل التّشديد.


ابنها هذا الذي في الحديث، هذا ابنها مات صغيرا في عهد رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلّم- كما جاءت به الرّواية عند الإمام النّسائي.


قوله في الحديث :"لم يأكل الطّعام" المراد بالطّعام هنا بمعنى ما يؤكل اقتياتا


لماذا ما يؤكل اقتياتا؟


هذا ليَخْرُج به ما يُحَنَّكُ به المولود عند ولادته من تمرٍ، أو عسل، أو نحوه


وكذلك يخرج به أيضا ما يُطْعَم به هذا المولود من العسل للتّداوي مثلا أو نحو ذلك من الأدوية


يعني -مثل الآن-يُلْحَق بذلك ما يُطْعَمه الطّفل أحيانا عندما يمرض فيُذْهب به إلى الطّبيب فيُعْطى شيئا من الأدويّة، هذا ما يدخل فيه


فهذا لا يُؤْخذ على أنّه اقتيات، وإنّما هو من باب الاستشفاء وطلب الشّفاء من الله -جلّ وعلا-


المراد بالطّعام هنا أنّه لم يتغذّ على غير اللّبن


كيف عرفنا أنّ التّمر، أو العسل، ونحو ذلك لا يُلْحَق به؟ بمعنى يُخْرَج من مراده :[لم يأكل الطّعام]؟


أنّ هذا الحديث قد أخرجه الإمام البخاري في كتاب العقيقة من الصّحيح أيضا، فهذه قرينة قويّة على خروج ما يحنّك به الطّفل أو المولود عن العموم الوارد في هذا الحديث.


أنتم فهمتم وجه؟


البخاري جعل هذا الحديث في كتاب العقيقة وفيه في طرفه "أنّه كان يؤتى له بالأطفال فيُحَنِّكهم فبال أحدهم على ثوب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومن بين هؤلاء الصِّبية الذين بال على ثوب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ابن أمّ قيس، ولهذا قالت :"فأجلسه في حِجْرِه" أو في "حَجْرِه"


فهذه ممّا يدلّ على أنّ التّحنيك من التّمر أو العسل ونحو ذلك خارجٌ من قوله :"لم يأكل الطّعام".


قوله :"فأجلسه في حجره" لغتان: فتح الحاء وكسرها "حَجْرِه"، و"حِجْرِه" وكلاهما لغة مشهورة


قوله :"فبال على ثوبه" أي على ثوب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بمعنى أنّ الصبيّ بال على ثوب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بخلاف ما فهمه بعض أهل العلم من أنّ الصبيّ "بال على ثوبه" أي على ثوبه نفسه، أي على بول الصبيّ، وهذا فيه إغرابٌ؛ لكن جلّ من لايسهو مَنْ لا يغلط


قولها :"فنضحه" النّضح رشّ الماء وإصابته جميع موضع البول أو غالبه، غالب الموضع من غير عصرٍ، عصر الشّيء يعني عصر الموضع، الثّوب


هنا قالت :"فنضح" ومرّ معنا، ذكرت أنّ في مسلم قال :"فرشّ عليه" قلنا النّضح رشٌّ وفيه زيادة قد يتقاطر من الثّوب الماء، وقد لا يتقاطر؛ لكن رشٌّ وفيه استيعاب وكثرة فهو أزيد من مجرّد الرشّ


وعندنا في رواية أخرى عند مسلم أيضا :"فصبّ عليه"


عندنا "نضح"، وعندنا "رشّ"، وعندنا"صبَّ" فلا منافاة بين هذه الألفاظ كما قال الحافظ ابن حجر بأن يُحْمل أنّ الابتداء كان بالرشّ بدأ بالرشّ وهو تنقيط الماء وانتهى إلى النّضح بالماء وهو صبّه، كأنّه صبّ؛ لأنّه تكاثر على الموضع وغلب على موضع النّجاسة، على موضع هذا البول.


ورواية عائشة الثّانية التي معنا في حديث الباب تدلّ على هذا أيضا في قولها :"فأتبعه إيّاه" أي أتبع البول الماء.


الوجه الثّاني : يتعلّق بحديث عائشة -رضي الله عنها- ماذا تفهم من صنيع المصنّف -رحمه الله- في قوله :[عن عائشة أمّ المؤمنين -رضي الله تعالى عنها- أنّ النبيّ -عليه الصلاة والسلام- أُتِيَ بصبيّ فبال على ثوبه فدعا بماء فأتبعه إيّاه" ولمسلم :"فأتبعه بوله ولم يغسله]


تفهم من هذا أنّ الحديث الأوّل في الصّحيحين بهذا اللّفظ


وأنّ مسلمًا -رحمه الله- عنده الحديث بلفظ آخر


والكلام عن هذا اللّفظ كما يلي:


عند البخاري في الصّحيح بدل قوله :"أنّ النّبي -صلى الله عليه وسلم- أُتِيَ بصبيّ"، "أنّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أُتِيَ بصبيّ" فعنده عند البخاري بدل أنّ النبيّ -صلى الله عليه وسلم-، أنّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هذه واحدة.


والثّانية : في قوله :[ولمسلم] كما قلت مشعرٌ هذا القول، هذه اللّفظة منه مشعرة بأنّها ليست عند البخاري، وليس الأمر كذلك.


الرّواية الأولى :"فدعا بماء فأتبعه إيّاه" أخرجه البخاري في الصّحيح من طريق مالك بن أنس عن هشام بن عُرْوة عن أبيه عن عائشة -رضي الله عنها-


وأمّا اللّفظ الثّاني الذي قال عنه :[ولمسلم] فهو أيضا عند البخاري وعند مسلم في صحيحيهما، وليس هو عند مسلم وحده


فإنّ الحديث عند الشّيخين من طريق عبد الله بن نُمَيْر عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة -رضي الله عنها- فيه أنّها قالت :"أنّ رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- كان يؤتى بالصّبيان"


عند البخاري :"فيدعو لهم"


وعند مسلم :"فيُبَرِّكُ عليهم ويُحَنِّكهم"


وعندهما :"فأُتِيَ بصبيٍّ فبال عليه فدعا بماء فأتبعه بوله ولم يغسله" هكذا عند مسلم


وعند البخاري :"فأُتِيَ بصبيّ فبال عليه فدعا بماءٍ فأتبعه إيّاه ولم يغسله"


عند مسلم :"فأتبعه بوله"، عند البخاري :"فأتبعه إيّاه ولم يغسله"


إذًا الحديث باللّفظ الثّاني عندهما وإلّا ما عندهما؟ الحديث عند الشّيخين، ولم أر من نبّه على هذا.


إيش أقصد :"لم أر من نبّه على هذا"؟


لم أر من نبّه على أنّ هذا اللّفظ من ألفاظ البخاري


قوله :[ولمسلم] بعض الحفّاظ يستدركون، بعض العلماء ومنهم الزّركشي تتبّع المقدسي -رحمه الله- وينبّه على الألفاظ والمغايرات ولم ينبّه على هذا


هذا ممّا فاته، ويُسْتَدْرَك عليه.


الوجه الثّالث: دلّ الحديثان على التّفرقة بين بول الغلام، وبول الجاريّة في الحكم، وهذه التّفرقة أو إذا لم يطعم الصبيّ؛ فإذا طعم الصبيّ يُغْسَل بوله أيضا كما يُغْسَل من بول الجارية.


وهذا أفاده الحديث، رواي حديث عليّ -رضي الله تعالى عنه- الــمُخَرَّج عند أبي داود والتّرمذي والنّسائي وأحمد وغيرهم واُخْتُلِف فيه رفعا ووقفا وكل الوجهين له حظٌّ من النّظر وصحّح رفعه الحافظ ابن حجر -رحمه الله- وغيره وفيه أنّ من الرّواة لحديث عليّ قتادة ابن دعامة السّدوسي قال عقب رواية حديث عليّ وهو أنّه قال فيه :"بول الغلام يُنْضَح عليه، وبول الجارية يُغْسَل" قال قتادة عقب رواية الحديث كما عند أبي داود والتّرمذي -كما قلت- وأحمد وغيرهم قال قتادة :"هذا ما لم يطعما، فإذا طعما بولهما" جميعًا يعني.


فهذه التّفرقة إذًا قبل أن يطعما


ما معنى يطعما؟


يعني يأكل الصبيّ طعاما غير اللّبن، بمعنى يقتات منه.


الوجه الرّابع : مسألة بول الغلام والجارية قبل أن يطعما ما الحكم في ذلك؟


أقوالٌ لأهل العلم :


القول الأوّل : يُنْضَح على بول الغلام، ويُغْسَل من بول الجاريّة


قال الإمام التّرمذي -رحمه الله- في الجامع عقب حديث عليّ -رضي الله تعالى عنه- :"وهو" يعني التّفرقة


"قولُ غير واحد من أهل العلم من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- والتّابعين، ومن بعدهم، مثل أحمد وإسحاق، هذا ما لم يطعما فإذا طعما غُسِلا جميعا"


إذًا هي حكاية مرويّة عن جماعة كبيرة من الصّحابة، عن جماعة كبيرة من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-.


القول الثّاني : يُنْضَحان جميعًا وهو مروي عن الأوزاعي.


والقول الثّالث : يُغْسَلان جميعا وهذا هو المشهور عن أبي حنيفة وهو المذهب عنده، وعن مالك أيضا وهو المذهب.


وممّا قيل في هذا، قول الإمام الأوزاعي قول ضعيف بيّن


وأمّا في القول الثّالث الغسل جميعا قالوا القياس يقاس بول الغلام على بول الجاريّة


وأيضا حملوا معنى النّضح "فنضحه" على أنّه النّضح هنا يراد منه الغسل كما مرّ معنا.


والصّحيح من هذه الأقوال هو الأوّل للنصّ، وفي الباب أحاديث كثيرة، حديث أبي السّمح عند أبي داود والنّسائي وغيرهما، والحاكم في المستدرك أيضا أنّ النبي -عليه الصلاة والسلام- قال :"يُنْضَحُ من بول الغلام، ويُغْسَل من بول الجاريّة" وهذا الحديث له سبب، أبو السّمح كان يخدم النبي -عليه الصلاة والسلام- فأُتِي النبي -عليه الصلاة والسلام- بالحسن أو الحسين فحمله، فبال على ثوب رسول الله -عليه الصلاة والسلام- فأراد أبو السّمح أن يأتي بماء ليغسل فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم- :"يُنْضَح من بول الغلام، ويُغْسَل من بول الجارية"


وفي الباب أحاديث كثيرة وعديدة.


وأمّا القياس فلا قياس مع النصّ، والنبي -عليه الصلاة والسلام- قد فرّق بينهما فإذًا قياسٌ باطل.


وأمّا من قال بأنّ النّضح بمعنى الغسل فهذا قولٌ ضعيف؛ لأنّ التّفرقة جاءت في الحديث


وأيضا حديث مسلم :"فرشّ عليه الماء" يصرف معنى الغسل، وغير ذلك.


الوجه الخامس : ما السرّ في التّفرقة بين البولين؟ لماذا فُرِّق بين البولين؟


كلامٌ كثير وتكلّف بعضهم تكلّفًا كثيرا في هذه المسألة؛ لكن حقيقة من أجمل ما ذُكِر في التّفرقة كلامٌ للإمام الشّافعي ذكره الإمام ابن ماجه -رحمه الله- بالهاء ماهو بالتّاء غلط، من ينطقها بالتّاء غلط، في سننه عقب رواية الحديث، حديث عليّ الذي سبقت الإشارة إليه ذكر أنّ أبا اليمان المصري قال :"سألت الشّافعي عن الحديث -هذا الحديث- والماءان جميعان واحد -ماء الغلام وماء الجارية يعني كيف التفرقة؟ لماذا فرّق -عليه الصلاة والسلام-؟ والماءان واحد؟ كلاهما لم يطعم


قال -يعني الشّافعي-:"لأنّ بول الغلام من الماء والطّين، وبول الجارية من اللّحم والدّم"هذا مثل اللّغز


أقول كاللّغز


ولحظ الإمام الشّافعي، ولاحظ من أبي اليمان أنّه لم يفهم، كما أنّكم لم تفهموا


يقول أبو اليمان:"ثمّ قال لي : فهمت؟ أو قال : لقِمْت؟ قال : قلت :لا" ما فهمت


فقال له :"إنّ الله -تعالى- لمّا خلق ءادم" خُلِق ءادم من ماذا؟ من الطّين


"خُلِّقت حوّاء من ضلعه القصير فصار بول الغلام من الماء والطّين وصار بول الجاريّة من اللّحم والدّم


ثمّ قال له :"فهمتَ!!"


قال :"قلت : نعم، قال : نفعك الله به"


هذه من أقرب الأقوال، ولعلّها -إن شاء الله- فائدة زائدة.


الوجه السادس : من فوائد هذا الحديث وفقهه : وجوب غسل بول الصبيّ إذا طعم، أمّا غسل بول الجاريّة فهذا ظاهرٌ للحديث


أمّا غسل بول الصبيّ إذا طعم فهذا استفدناه من فقهٍ آخر ومسائل أخرى، وكلام أهل العلم.


الفائدة الثّانية أيضا : فيه أيضا بيان حُسْن عشرة النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- لأهله، ولأصحابه -رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم- فلأهله ظاهرٌ في حمله للحسن أو الحسين، وبول الحسن والحسين على ثوب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ورفقه به


وأيضا بالنّسبة لأصحابه ما قالته عائشة -رضي الله عنها- :"كان يُؤْتى بالصبيان إلى النبي -عليه الصلاة والسلام- فيجعلون الصّبيان في حجر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يدعو لهم أو يُحَنِّكهم" وهذا فيه ملاطفة، وفيه رفق النبي -عليه الصلاة والسلام- وحسن عشرته لأصحابه -رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم- مع التّواضع الجمّ منه -صلى الله عليه وسلم-


كذلك من فقه الباب الرّفق مع الصّغار واحتمالهم لتربيتهم، وهذا لا يعني الرفق أن تترك الطّفل من غير تربية إذ يلاحظ أنّ كثيرا من النّاس يهملون تربية الأبناء بحجّة أنّه صغير غير مكلّف، وهذا غلط في الفهم وقصور في الفهم، ولا يخفى عليكم حديث الصّدقة لمّا أراد الحسن أن يأخذ تمرة من تمر الصّدقة فقال له النبي -عليه الصلاة والسلام- وهو يحبو صغير :"كِخْ كِخْ" أو "كَخْ كَخْ" ألا تعلم أنّا لا نأكل الصّدقة؟


وغير ذلك، فالتّربيّة مهمّة، أمّا الإهمال فليس من الهدي، فليس من هدي رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- .


قولها فيما مضى :"فيُبَرِّك عليهم" يعني يدعو لهم بالبركة


كذلك من فقه الباب : تحنيك المولود، وسنّية تحنيك المولود.


نقف عند هذا وصلى الله وسلم وبارك على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلّم.



*أسئلة الدّرس*


قال السّائل : هل بول الصبيّ الذي لم يطعم نجس؟


*الجواب*: هذه مسألة مسألة هل البول الصبيّ نجسٌ أو ليس بنجس؟


من أهل العلم من قال بنجاسة بول الصبيّ، يعني من أوجه التّفرقة وفيها بعضها تكلّف


منهم من قال بأنّ بول الصّبي طاهر، ولذلك إذا لم يطعم فإنّه يكتفى بالنّضح


وأمّا الجاريّة فبولها نجس ولذلك أُمِر بالغسل


ومن أهل العلم من قال هما طاهران؛ ولكن بول الجارية مغلّظ فيُغْسَل


ومنهم من قال بنجاستهما، بول الصبيّ، وبول الجارية


وإنّما الاختلاف في كيفيّة إزالة النّجاسة، لا في النّجاسة


وحكى بعضهم الاتّفاق على هذا وقول فيه نظر وعلى كلّ فالذي يظهر أنّ بول الصبيّ وبول الجارية كلاهما نجس؛ ولكن بول الجارية أغلظ.




قال السّائل : هل تحنيك المولود خاصٌّ بالنّبي -عليه الصلاة والسلام- رجاء بركته أم لا؟


*الجواب*: نحن قلنا أنّ في هذا مشروعيّة وسنّية التّحنيك، لاشكّ إذا كان النّبي -عليه الصلاة والسلام- هو المحنّك للصبيّ فقد اجتمعت له الفضائل من دعاء النبي -عليه الصلاة والسلام-، واختلاط هذا الرّيق بريق هذا الطّفل، مع تحنيكه -عليه الصلاة والسلام- إلى غير ذلك


لكن ليس هو خاصٌّ بالنّبي -عليه الصلاة والسلام- وإنّما لكلّ من جاء بعده، يعني المولود عموما يُسَنُّ له التّحنيك.



قال : إذا انقضت مدّة المسح، وقد قرّرنا أنّه لا ينتقض الوضوء، فلو مسح رجلٌ خفّيه وهو لا يعمل باشترطا المدة في المسح، وبدأ يمسح بعد انقضاء المدّة فماذا عليه، هل نأمره بالإعادة أم ماذا؟


*الجواب*: قلنا نحن أنّ انتهاء المدّة مجرّد الانتهاء لا يدلّ على انتقاض الوضوء، انتهاء المدّة، لا انتهاء صحّة الوضوء، وانتقاض الطّهارة


قال فلو مسح رجلٌ على خفّيه وهو لا يعلم باشتراط المدّة بعد ذلك بمعنى يظهر من أنّه بدأ يمسح أيضا بعد أن أحدث


انتهت المدّة، وانتقضت الطّهارة وبدأ يمسح


قال وبدأ يمسح بعد انتقاض المدّة


انتقاض المدّة مع ماذا؟ مع انتقاض الوضوء، فماذا عليه؟


نقول يلزمه الإعادة، "لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتّى يتوضّأ" وهذا قد مرّ معنا والحديث في الصّحيحين


وصلى الله وسلّم وبارك على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلّم.
__________________
قال الشيخ أزهر سنيقرة حفظه الله :" ومطلُوبٌ مِن طلَبة العِلم العامِلين أن يُربُّوا شبابَ الأمَّة على التَّميِيز بين العُلماء وبينَ المتشبِّعين بما لم يُعطَوا، وأن يغرِسوا في قلوبِهم تعظِيمَ الحقِّ واتِّباعه، ويربِطوهُم بالوَحي المعصُوم، حتَّى لا يكونُوا أتباعًا لكلِّ ناعِقٍ"اهـ .من مقال بعنوان (استِنسارُ البُغاثِ)

التعديل الأخير تم بواسطة أبو عمر عبد العزيز السلفي ; 05-17-2012 الساعة 20:40:19 PM
رد مع اقتباس
  #9  
قديم 05-19-2012, 17:47:21 PM
الصورة الرمزية أبو عمر عبد العزيز السلفي
أبو عمر عبد العزيز السلفي أبو عمر عبد العزيز السلفي غير متواجد حالياً
عضو مميز
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: خميسة/سوق أهراس
المشاركات: 488
Tefreegh الدرس التّاسع

[الدرس التاسع]




الطالب : بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه


قال المصنّف -رحمه الله تعالى- :[عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال : جاء أعرابيٌّ فبال في طائفة المسجد فزجره النّاس فنهاهم النبي -صلى الله عليه وسلم- فلمّا قضى بوله أمر النّبي -صلى الله عليه وسلم- بذنوبٍ من ماء فأُهْرِيق عليه]


الشيخ : بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلّى الله وسلّم وبارك على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلّم وبعد:


ذكر المصنّف -رحمه الله- هاهنا حديث أنس بن مالك -رضي الله عنه- والكلام عليه شرحا من وجوه:


الوجه الأوّل : قوله رضي الله عنه- :"جاء أعرابيٌّ فبال في طائفة المسجد" قوله "طائفة المسجد" المراد بالطّائفة من الشّيء أي القطعة منه، والمراد به في ناحيّة من نواحي المسجد


قوله -رضي الله عنه- :"فزجره النّاس" "فزجره" الزّجر معناه النّهي والمنع، يقال : زجره وازدجره والمعنى أنّه نُهِيَ ومُنِع


قال :"فنهاهم النّبي -صلى الله عليه وسلم-" جاء عند الإمام البخاري -رحمه الله- اللّفظ هنا :"فنهاهم" ما هي الصّيغة التي قالها النّبي -عليه الصلاة والسلام- في هذا النّهي؟


غير ظاهرة؛ لكن معنى العبارة أنّه قد حصل نهيٌ؛ لكن جاء عند البخاري في الصّحيح أنّ النبي -عليه الصلاة والسلام- قال لهم :"اتركوه" أمرهم بتركه قال لهم :"اتركوه فتركوه" يقول الرّاوي :"فتركوه"


والقاعدة أنّ الأمر بالشّيء نهيٌ عن ضدّه؛ بل هذا الحديث قد اشتمل على الأمر بالتّرك وعلى النّهي عن الزّجر، فقد جاء عند مسلم في الصّحيح أنّ النبي -عليه الصلاة والسلام- قال لهم :"لا تُزْرِموه" بمعنى لا تقطعوا عليه بوله، هذا معنى "لا تُزْرِموه"؛ لأنّ الإزرام هو القطع، فإذًا ظهر لنا الآن معنى قوله -رضي الله عنه- :"فنهاهم"


قوله :"فلمّا قضى بوله أمر النبي -عليه الصلاة والسلام- بذنوب من ماء" الذَّنُوب : بفتح الذّال وضمّ النّون هو الدّلو العظيم، يعني الكبير.


وخصّه بعض أهل العلم أنّ الذّنُوب لا يطلق إلى الدّلو الممتلئ، إذا كان ممتلأ يطلق عليه ذَنُوب، ممتلأ بالماء، وهذا حكاه النّووي -رحمه الله- في المجموع عن بعض أهل العلم بأنّه قال لا يُسَمَّى ذَنُوبًا إلّا إذا كان ممتلأً


قوله :"فأُهْرِيقَ عليه" هراق الماء يهريقه هراقةً بالفتح بمعنى صبّه عليه، وأصل الكلمة أراق والهاء زائدة


الوجه الثّاني : هذا الحديث دلّ على نجاسة بول الآدمي نصًّا وهو إجماع، وقد مضى معنا التّفصيل والكلام حول بول الصبيّ وبول الجاريّة، وأنّ الصّحيح أنّه نجس؛ ولكن بول الجارية أغلظ.


الوجه الثّالث : أنّ الأرض تطهر بصبّ الماء عليها، بصب الماء على النّجاسة إذا غلب الماء على النّجاسة فإنّ الأرض تطهر، ولا يُشْتَرط الحفر للتّطهير، وهذا القول عليه جماهير أهل العلم


وذهب بعض أهل العلم إلى التّفصيل فقالوا :


إن كانت الأرض صُلْبَة حُفْرَتْ


وإن كانت رُخْوة فإنّها لا تُحْفَر


واستدلّوا على هذا بحديث أخرجه الإمام أبو داود في السُّنن والدّارقطني أيضا في السّنن من حديث عبد الله بن معقل -رحمه الله- أنّ النّبي -عليه الصلاة والسلام- قال لمّا رأى الرّجل بال في طائفة المسجد قال :"خذوا ما بال عليه من التراب فألقوه، وأهريقوا على مكانه ماءا"فهذا فيه دلالة على حفر المكان.


واستدلّ بهذا أبو حنيفة -رحمه الله- ومن قال بقوله


لكن هذا الحديث معلول أعلّه الإمام أبو داود -رحمه الله- لمّا رواه قال :"حديث مرسل" ابن معقل لم يُدْرِك النبي -عليه الصلاة والسلام-


وكذلك أعلّه بالإرسال أيضا الحافظ الدّارقطني -رحمه الله- في سننه


فهو حديثٌ ضعيف لا يصحّ الاستدلال به، وعليه فإنّ الحفر غير مشترط.


الوجه الرّابع : قد مرّ معنا فيما مضى أنّ الماء لا ينجس إلّا إن تغيّرت أحد أوصافه الثّلاثة بنجاسة، إن وقعت فيه النّجاسة فغيّرت أحد أوصافه فإنّه ينجس، وإلّا فلا ينجس.


الوجه الخامس : في ذكر جملة من الفوائد المتعلّقة بهذا الحديث :


الفائدة الأولى : الرّفق بالجاهل حتّى يُعَلَّم ما لم تكن مخالفته للسنّة عن عناد واستكبار، أو استخفاف، وأنتم ترون أنّ النبي -عليه الصلاة والسلام- قد تلّطف معه وعرّفه أنّ المساجد لم تُبْنَ لهذا، وإنّما هي للذّكر وقراءة القرءان والصّلاة.


الفائدة الثّانية : وهي فائدة عظيمة وهي أنّ الحديث من الأدلّة الدالّة على القاعدة الشّرعيّة الفقهيّة الكبرى، والحديث أصلٌ فيها وهو :"دفع أعظم المفسدتين باحتمال أدناهما" وذلك بيّنٌ في الحديث فإنّ النبي -صلى الله عليه وسلم- نهاهم عن زجره، التّنجيس قد حصل،التّنجيس بقيامه بالتبوّل في طائفة المسجد قد حصل فنهاهم النبي -عليه الصلاة والسلام- عن قطعه عن البول لما في ذلك من ضرر أعظم، فالنّجاسة قد حصلت


من أعظم الضّرر الضّرر بالبدن لما في ذلك من ضرر في بدنه


وأيضا ضرر آخر يتلحق بالبدن ويلتحق بالثّياب؛ بل ويلتحق بأماكن أخرى من المسجد


فهذا دليل على احتمال أدنى المفسدتين بدفع أعلاهما


وهذه الفائدة العظيمة التي قلنا عنها أنّ الحديث فيها أصلٌ للقاعدة الفقهيّة الكبرى هذه للإمام ابن القيّم -رحمه الله- كلامٌ نفيس وعزيز في تقرير هذه القاعدة استدلّ به من حديثنا حديث الباب الذي معنا ومن أحاديث أخرى يحسن أن نذكّر به


قال -رحمه الله- في إعلام الموقّعين :"إنّه تعالى نهى المؤمنين في مكّة عن الانتصار باليد وأمرهم بالعفو والصّفح لأن لا يكون انتصارهم ذريعة إلى وقوع ما هو أعظم مفسدة من مفسدة الإغضاء -يعني العفو والصّفح- واحتمال الضّيم -هو الظّلم- ومصلحة حفظ نفوسهم دينهم وذرّياتهم راجحة على مصلحة الانتصار والمقابلة" يعني مقابلة الانتقام لما وقع عليهم من ضيم


فالله نهى المؤمنين في مكّة عن الانتصار لحفظ المصلحة الأعظم، حفظ النّفوس والذريّة والدّين


وقال -رحمه الله- أيضا في زاد المعاد مستنبطا جملة من الفوائد من صلح الحديبية قال فيها من الفوائد في هذه المصالحة منها:"أنّ مصالحة امشركين ببعض ما فيه ضيم على المسلمين جائزٌ للمصلحة الرّاجحة، ودفع ما هو شرٌّ منه ففيه دفع أعلى المفسدتين، باحتمال أدناهما".


وقال أيضا -رحمه الله- لمّا سُئِل في حديث أمّ سلمة "إنّه سيستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون فمن كره فقد برئ، ومن أنكر فقد سلم، ولكن من رضي وتابع" قالوا : يا رسول الله أفلا نقاتلهم؟ قال : لا، ما صلّوا" استدلّ بهذا الحديث وتكلّم عليه في كلام نفيس في إعلام الموقّعين قال :"إنّ النبيّ -عليه الصلاة والسلام- شرع لأمّته إيجاب إنكار المنكر، ليحصل بإنكاره من المعروف ما يحبّه الله ورسوله، فإذا كان إنكار المنكر يستلزم ما هو أنكر منه وأبغض إلى الله ورسوله -صلى الله عليه وآله وسلم- فإنّه لا يسوغ إنكاره، وإن كان الله يبغضه ويمقت أهله وهذا كالإنكار على الملوك والولاة بالخروج عليهم فإنّه أساس كلّ شرٍّ وفتنة إلى آخر الدّهر، ومن تأمّل ما جرى على الإسلام في الفتن الكبار والصّغار رآها من إضاعة هذا الأصل، وعدم الصّبر على منكر فطلب إزالته فتولّد منه ما هو أكبر منه ولهذا لم يأذن في الإنكار على الأمراء باليد لما يترتّب عليه من وقوع ما هو أعظم منه كما وُجِد سواء" يعني والحال شاهدٌ.


ولفت لفتة عظيمة -رحمه الله- في كلامه عن الفتيا مستدلّا بذلك بحديث عائشة -رضي الله عنها- :"لولا أن قومك حدثاء عهد بكفر لنقضت الكعبة وجعلت لها بابين" الحديث والحديث في الصّحيح قال -رحمه الله- لمّا تكلّم على الفتيا وعظمها وأنّه لا يجوز أن يكتمها من علمها، تجمع الآلة والأهليّة قال بعد أنّ قرّر هذا :"هذا إذا أمن المفتي غائلة الفتوى، فإن لم غائلتها وخاف من ترتّب شرٍّ أكبر من الإمساك عنها أمسك عنها ترجيحا لدفع أعلى المفسدتين لاحتمال أدناهما". وهذا بيّن ظاهر "ما أنت محدّث قوم بحديث لم تبلغه عقولهم إلّا كان على بعضهم فتنة" وما أكثر الفتن من جرّاء هذه الفتيات، جرّت هذه الأمور ويلات وويلات ولابدّ من مراعاة هذه القواعد، وهي أصليّة كليّة جامعة، وحديث الباب يدلّ عليها.


الفائدة الثّالثة والأخيرة : أنّ إنكار المنكر لا يُشْرَع إذا ترتّب على إنكاره ما هو أعظم منه، لا يُشْرع، انتبه!!


مراتب الإنكار ثلاثة، القاعدة والأصل فيها الإنكار بالقلب، فهذا لا يتخلّف أبدًا ما وراء ذلك يتبع القلب، فالمراد أنّه لا يُشْرع إنكار المنكر، يعني سواء باليد أو باللّسان، باليد لمن كانت له ولاية، وباللّسان لمن استطاع لذلك


أمّا الإنكار بالقلب فلا يسقط بحال.


الطالب : قال -رحمه الله- :[عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال : سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول :"الفطرة خمس : الختان، والاستحداد، وقصّ الشّارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط]


الشيخ : هذا الحديث الكلام عليه شرحا من وجوه :


الوجه الأوّل : قوله -صلى الله عليه وآله وسلّم- :"الفطرة خمسٌ" ظاهر هذا اللّفظ، ظاهره الحصر، والألف واللّام دالّة على ذلك كما مرّ معنا ابتداءا في الحديث الأوّل.


وجاء في الصّحيحين في رواية أخرى للحديث نفسه :"خمسٌ من الفطرة" والحديث عندنا الفطرة خمسٌ، وفي رواية كما قلت في الصّحيحين :"خمسٌ من الفطرة" وهذا كما لا يخفى عليكم أنّ بين اللّفظين تفاوت ظاهر


فاللّفظ الأوّل قلنا ظاهره الحصر، أمّا اللّفظ الثّاني فظاهره غير الحصر؛ بل هو يدلّ على التّبعيض، بدلالة "من" الدالّة على التّبعيض "خمسٌ من الفطرة" هي هنا تبعيضيّة لا بيانيّة.


وممّا يدلّ على عدم الحصر أنّه جاء عند مسلم في الصّحيح أيضا من حديث عائشة -رضي الله تعالى عنها وأرضاها- "عشرٌ من الفطرة" وأقلّ ما وُجِد ما جاء في الصحيح عند البخاري وغيره من حديث ابن عمر :"ثلاثٌ من الفطرة" فعندنا "ثلاثٌ"، و"خمسٌ"، و"عشرٌ" فدلّ هذا على أنّ ظاهر هذا اللّفظ، وإن كان ظاهره يفيد الحصر؛ لكن الرّوايات الأخرى تدلّ على عدم الحصر.


قوله -صلى الله عليه وسلم- :"الفطرة" ما المراد بالفطرة هنا؟


تعدّدت أقوال أهل العلم في بيان معنى الفطرة هنا


فمن تلك الأقوال وهو أظهرها أنّها السنّة لما جاء عند البيهقي في الكبرى من حديث عبد الله بن عمر -رضي الله تعالى عنهما- أنّه قال :"من السنّة قصّ الشّارب، ونتف الإبط، وتقليم الأظافر"


ومعلومٌ أنّ الأحاديث يفسّر بعضها بعضا


وجاء أيضا من المعني التي قيلت أنّ الفطرة هنا المراد بها الدّين


ومنهم من قال أنّ الفطرة هي الجبِلَّة التي خلق الله النّاس عليها وجبلهم عليها


ولكلٍّ وجهه؛ لكن الأقرب كما قلنا هو الأوّل


والمراد بالسنّة هنا أي أنّها سَنن الأنبياء الذين أُمِرْنا بالاقتداء بهم وليس ما يقابل الفرض أو الواجب على الاصطلاح؛ بل ما هو أعمّ من ذلك


قال الله -تعالى- { أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده} [البقرة/272]


وأوّل من أُمِر بهذه الخلال وهذه الخصال هو إبراهيم -عليه الصلاة والسلام- كما صحّ ذلك عن ابن عبّاس -رضي الله تعالى عنهما- في تفسير آية { وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن} [البقرة/30] وأنّ الكلمات التي ابتلي بها إبراهيم -عليه الصلاة والسلام- هي خصال الفطرة


وعليه فيكون المعنى "الفطرة خمس" هذه الأشياء إذا فُعِلت اتّصف فاعلها بالفطرة التي فطر الله أنبياءه ورسله عليها وحثّهم على فعلها واستحبّها لهم -سبحانه-


من تمثّل بهذه الخلال كان إتيانه بها يدلّ على أكمل الصّفات وأشرفها صورة


وهنا فائدة قبل أن نتجاوز الفطرة ذكرها الإمام ابن القيّم -رحمه الله- في تحفة المودود قال :"الفطرة فطرتان : فطرةٌ تتعلّق بالقلب، وهي معرفة الله، ومحبّته، وإيثاره على ما سواه"هذا نوعٌ


قال :"وفطرة تتعلّق بالجسد وعليه وهي هذه الخصال" يعني خصال الفطرة


قال :"فالأولى تُزكّي الرّوح وتُطَهِّر القلب، والثّانيّة تُطَهِّر البدن، وكلٌّ منهما يمدّ الأخرى ويقوّيها" يعني الأولى محتاجة إلى الثّانية، والثّانية محتاجة إلى الأولى، وإن كانت الأولى آكد.


الوجه الثّاني : في قوله -صلى الله عليه وسلم- معدّدًا خصال الفطرة:"الختان"


الخِتان : بكسر المعجمة، وتخفيف المثنّاة "خِتَان" مصدر ختن بمعنى قطع


و"الخَتْنُ" هو القطع؛ ولكنّه قطعٌ مخصوص من عضو مخصوص، ويُطْلق الاختتان والختان على فعل الخاتن، وكذلك يطلق لفظ الختان على موضع الختان كما جاء في حديث عائشة عند مسلم وغيره قوله -صلى الله عليه وسلم- :"إذا التقى الختانان" فالمراد به الموضع


والرّجل الذي يحترف هذه المهنة يقال في حرفته أنّها الخِتانة بالكسر.


ويقال الأَخْتان بمعنى الأصهار، يقال مثلا هذا : خَتَنُ فلان، بمعنى صهره، إمّا زوج ابنته أو زوج أخته، فهذا يسمّى الصّهر، ولهذا يقال : خاتنه بمعنى صاهره.


والختان يقع على الذّكر ويقع على الأنثى، ختان الذّكر معناه في الاصطلاح : قطع الجلدة التي تغطّي الحشفة بحيث تنكشف الحشفة كلّها


وأمّا ختان الأنثى فهو عبارة عن قطع أدنى جزء من الجلدة التي تقع في أعلى الفرج، والتي يعبّر عنها بعض الفقهاء ويذكرونها في كتب الفقه ومنهم أيضا الإمام ابن تيميّة -رحمه الله- يصفها كأنّها عُرْف الدّيك، فهذه يقال في ختان الأنثى، وهو ما تقدّم في ختان الذّكر.


وبعض أهل العلم يقول ختان الذّكر إعذار، وفي ختان الأنثى الخفض، من الألفاظ التي تطلق على الختان الإعذار، يعني ختان الذّكر


وختان الأنثى يسمّى خفضا


وبعض أهل العلم يقول إنّ الإعذار يطلق على ختان الذّكر والأنثى؛ لكن ّالخفض خاصٌّ بالإناث.


الوجه الثّالث : في قوله -عليه الصلاة والسلام- :"والاستحداد" الاستحداد استفعال من الحديد، وسبب هذه التّسميّة هو استعمال الحديد في حلق العانة ، والمراد به الموس، هذه الآلة تسمّى الموس، آلة لحلق العانة؛ لكن إن أُزِيل الشّعر الذي حول العانة بالنّتف مثلا، أو بالنّورة، أو بما يزيل هذا الشّعر عن محلّه فإنّ ذلك يجوز؛ ولكن الأولى موافقة السنّة، وإلّا فلو زال بغير ذلك وحصل المقصود فإنّه جائز


وهذا الاستحداد عامٌّ للرّجال والنّساء، على السّواء لقوله كما هو ظاهر في حديث الباب، وفي المرأة :"حتّى تستحدّ الـمَغِيبة" "نهى النبي -عليه الصلاة والسلام- أن يطرق الرّجل أهله ليلا حتّى تمتشط الشّعثة، وتستحدّ الــمَغِيبة"


الوجه الرّابع : قوله -صلى الله عليه وسلم- :"قصُّ الشّارب" القصّ أصله في اللّغة تتبّع الأثر، ومنه يقولون : قَصَصْتُ أثره ومنه قوله -تعالى- { فارتدا على آثارهما قصصا } [الكهف/64]


وبعضهم يخصّ أنّ القصَّ خاصٌّ بالتّتبع للأثر في اللّيل؛ لكنّ الصّحيح أنّه يعمّ اللّيل والنّهار


ويُطْلَق القصّ أيضا على الخبر يعني إيراد خبر على من لم يحضره، أُخْبِرُك وأَقُصُّ عليك بأمر لم تحضره


ويطلق أيضا القصّ على قطع الشّيء؛ ولكنّ القطع يكون بآلة مخصوصة


وهنا القطع والقصّ للشّارب


ما هو الشّارب؟


ما نبت من الشّعر على الشّفة العليا


يُطْلَق القصّ على الإحفاء وما دون الإحفاء، ولهذا هل الإزالة تكون على ما زاد على الشّفة في شعر الشّارب؟ أمّ أنّه يتعدّى ذلك؟


العلماء في هذا على أقوال


منهم من يقول ويقتصر على إزالة ما زاد على الشّفة ونزل على الشّفة العليا فيقصّه بناءا على الحديث، وحديث المغيرة لمّا رآه النبي -صلى الله عليه وسلم- قد وفّى شاربه جعل على شاربه السّواك، أو عود الأراك وقصّ ما زاد عليه


وقد ثبت أنّ جمعا من الصّحابة، نحوا من خمس من الصّحابة كانوا يقصّون ما زاد على الشّفة العليا فقط، ومَنْ قال بهذا القول : الإمام مالك -رحمه الله- وغيره.


ومنهم مَنْ قال هو الإحفاء قصٌّ وزيادة، قصٌّ لما زاد على الشّفة، وزيادة لحديث :"احفوا الشّوارب", و"جُزُّوا" إلى غير ذلك من الألفاظ التي وردت في الصّحيحين آمرة، ففيها قصٌّ وزيادة، وفيها :"انهكوا" وهي الإزالة الشّديدة


فيكون هنا قصٌّ فيه انهاكٌ، لا استئصال


وعلى كلّ حال فالمسألة يتجاذبها كلام أهل العلم وممّن قال بالقول الثّاني جماعة الإمام أحمد -رحمه الله- وغيره.


ومن العلماء وهذا قولٌ وجيه وقويّ ارتضاه الإمام الطّبري -رحمه الله- وهو أنّ المرء مخيّرٌ بين الأمرين بين قصّ ما زاد على الشّفة ونزل على الشّفة، وبين الحفّ والانهاك الشّديد، مُخَيَّرٌ بينهما


يقول -رحمه الله ورضي عنه-:"فإنّ السنّة دلّت على الأمرين".


وكونه قد جاء في السنّة ما يدلّ على هذا، وما يدلّ على هذا فالمرء في ذلك مخيّرٌ، ولذلك قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله- :"ممّا يُرَجِّح قول الطّبري ثبوت الأمرين معا في الأحاديث المرفوعة"


وهذا كما ثبت في الأحاديث المرفوعة أيضا ثبت عن الصّحابة


من الصّحابة مَنْ كان يجزّ شاربه ويحفيه حفّا شديدا كابن عمر -رضي الله تعالى عنه- وجماعة


ومنهم مَنْ كان يقصّ ما زاد على الشّفة نحوا من خمسة من الصّحابة


فالمرء في هذا مخيّرٌ بين هذا وهذا ولا يصحّ الإنكار والتّغليط على أيّ شخصٍ أخذ بقول من هذه الأقوال، فلكلٍّ وجهة هو مولّيها، وقد جاءت به السنّة، وثبت عن الصّحابة -رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم-.


أمّا قول مَنْ قال بأنّها مُثْلَة فهذا قولٌ بعيد، بمعنى الجزّ الشّديد بأنّه مُثْلَة فهذا قولٌ بعيدٌ ومخالفٌ لما جاءت به السنّة ولما عمل به بعض الصّحابة.


ما الحكمة في قصّ الشّارب؟


ذكر أهل العلم أنّ الحكمة في مشروعيّة القصّ وإحفائه ما يلي، قالوا فيه حكمتان:


الأمر الأوّل : علّة منصوصٌ عليها، أو حكمة منصوصٌ عليها وهي مخالفة المشركين والمجوس والأعاجم من الكفر، قد جاء هذا في الصّحيح عند مسلم "جُزُّوا الشّوارب، واعفوا اللّحى، خالفوا المجوس"


وجاء أيضا عند البخاري في الصّحيح من حديث ابن عمر -رضي الله تعالى عنه- :"خالفوا المشركين، أعفوا اللّحى واحفوا الشّوارب" ا, كما قال -عليه الصلاة والسلام-


فهذه إذًا علّة منصوصة مخالفة زيّ المشركين والأعاجم من الكفرة والمجوس وعبّاد الأوثان.


العلّة الثّانية : إزالة ما قد يعلق عليه -أعني الشّارب- من الطّعام، والشّراب ممّا قد يضرّ بالبدن، ففي الإزالة إزالة لذلك وإبعاد له ومبالغة في النّظافة.


الوجه الخامس : قوله -صلى الله عليه وسلم- :"وتقليم الأظافر" التّقليم تفعيل من القَلْم، والقَلْمُ هو القطع، وهو بمعنى القصّ، وقد جاء في حديث عائشة -رضي الله تعالى عنها- عند مسلم :"وقصُّ الأظافر".


والأظافر جمع ظُفْر بالضمّ فالسّكون، والكسر "ظِفْر" شاذٌّ، وُجِد؛ لكنّه شاذٌّ فالصّواب والصّحيح "ظُفْر"بالضمّ


والذي يسقط من هذا الظُّفْر عندما تُقْلِمه أو تُقَلِمه يسمى قُلَامة


السّاقط يعني المقطوع من الظُفْر يسمّى قُلَامة، وهذا التّقليم في قوله -عليه الصلاة والسلام- :"وتقليم الأظافر" يشمل اليدين والرّجلين على السّواء.


وفي إزالة هذه الأظافر -بارك الله فيكم- ووجه دخولها في هذا الباب أنّ في إزالة الأظافر سواء من اليدين أو من الرّجلين حُسْنُ الهيئة والدّلالة على النّظافة إذ قد يترتّب ويتربّى تحتها أو يدخل تحتها، تحت هذه الأظافر عندما تطول الأوساخ، وقد تتجمّع بحيث أنّها تمنع من وصول الماء؛ بل ذكر الحافظ -رحمه الله- نكتة أخرى من أنّه قد يجتمع فيها من النّجس عند من يستنجي ولا يُمْعِن في النّظافة ما يبقى فيها فيكون حاملا للنّجاسة.


فلذا صار أنّ من الفطرة إزالة وتقليم الأظافر.


الوجه السّادس : في قوله :"ونتف الإبط" الإِبِط بكسر الهمزة والباء "إِبِط" ويصحّ في الباء أيضا التّسكين "إِبْط" فكلاهما صحيح


والمعنى إزالة شعر الإِبِط، أو الإِبْطِ نتفا


ويجوز أيضا إزالة هذا الشّعر بما يؤدّي المقصود من النّورة أو الحلق ونحو ذلك وإن كان اتّباع السنّة أولى لمن أمكنه، ذلك أنّ الإِبِط محلّ ومظنّة، عند تجمّع الشّعر وكثرته صدور الرّوائح وظهور الرّوائح الكريهة، وتجميع الأوساخ، والمؤمن مطلوبٌ بالنّزاهة والتّنظّف، وأن يكون نظيفا حسن الهيئة حسن المظهر.


الوجه السّابع : هذه الخصال يقول عنها الحافظ ابن حجر :"يتعلّق بهذه الخصال مصالح دينيّة، ودنيويّة" من حققّ هذه الخصال، وقام بها تحقّقت فيه مصالح دينيّة ودنيويّة


قال :"تُدْرك" يعني تدرك هذه المصالح


"تُدْرَك بالتّتبع" لمن تتبّع وتأمّل هذه التعّليلات لمن قام بهذه الخصال ظهر له وجه تلك المصالح


قال :"منها تحسين الهيئة، وتنظيف البدن جملة وتفصيلا، وكذلك الاحتياط للطّهارتين" يقصد الكبرى والصّغرى


قال :"والإحسان إلى المخالط والمقارن بكفّ ما يتأذّى به من الرّائحة الكريهة"


قال كذلك :"ومخالفة شعار الكفّار والمجوس واليهود والنّصارى وعبّاد الأوثان" يُعَدّد لك جملا من الفوائد الدّينيّة والدّنيويّة


قال :"وامتثال أمر الشّارع" من الفوائد أيضا امتثال أمر الشّارع


قال :"والمحافظة على ما أشار إليه في قوله تعالى "وصوّركم فأحسن صوركم" لما في المحافظة على هذه الخصال من مناسبة لذلك، وكأنّه قيل قد حسّنت صوركم فلا تشوّهوها بما يقبّحها، أو حافظوا على ما يستمرّ به حسنها، وفي المحافظة عليها محافظة على المروءة وعلى التأليف المطلوب" وعلى التّأليف يعني التّآلف المطلوب.


الوجه الثّامن : الأمور المذكورة في هذا الحديث ليست في حكم واحد، الآن عندنا كم أمر مذكور؟ ختان، واستحداد، وقصّ الأظافر، وقصّ الشّارب، ونتف الإِبِط، عندنا خمسة أمور، هل هي في الحكم حكم واحد، أم أنّها تختلف؟


أقول بعض هذه المذكورات واجب، وبعضه مسنون


فمثلا الختان فيه أقوال ثلاثة:


القول الأوّل : أنّه واجبٌ على الرّجال والنّساء على السّواء، وجوب الختان للرّجال والنّساء وهو قول الشّافعي -رحمه الله-، وأحمد وهو المذهب عندهما، المذهب عند الشّافعية والحنابلة، ورجّحه النّووي -رحمه الله- وغيره.


والقول الثّاني : أنّه واجب على الرّجال دون النّساء، الوجب خاصٌّ بالرّجال دون النّساء وهذا قولٌ للإمام أحمد، واختاره الموفّق ابن قدامة -رحمه الله- وغيره من الحنابلة وهو اختيار الشّيخ محمّد بن عثيمين -رحمه الله-.


والقول الثّالث : أنّه سنّة في حقّهما وهذا قال به أبو حنيفة ومالك، وقولٌ عن الإمام أحمد مأثور، وقال النّووي -رحمه الله- هذا القول قول أكثر العلماء، وهو الذي رجّحه الشّوكاني -رحمه الله- في النّيل وفي غيره.


ذًا الأقوال هذه الثّلاثة :


1 - الوجوب على الرّجال والنساء.


2 - الوجوب على الرّجال خاصّة دون النّساء.


3 - السنّة فيهما.


مَنْ قال بالوجوب سواء القول الأوّل أو الثّاني استدلّ بآية { ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين }


وأنّ الله قد أمر النّبي -عليه الصلاة والسلام- باتّباع ملّة إبراهيم، ومن ملّة إبراهيم الختان، وأنّه قد اختتن -عليه الصلاة والسلام-


وهي الكلمات العشر التي ابتلي بهنّ إبراهيم -عليه السلام- كما مرّ معنا، وصحّ ذلك عن ابن عبّاس -رضي الله تعالى عنهما-.


وقالوا إنّ الابتلاء غالبا لا يكون في واجب، أو على واجب


واستدلّوا أيضا بحديث عُثَيْم بن كُلَيْب عن أبيه عن جدّه أنّه لمّا أتى إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- مسلما أراد الإسلام قال له النبي -عليه الصلاة والسلام- :"ألقِ عنك شعر الكفر واختتن"أخرجه الإمام أحمد وأبو داود في سننه والبهقي في الكبرى.


وأيضا استدلّوا بحديث أمّ عطيّة قوله -صلى الله عليه وسلم-لها، وكانت تختن النّساء قال -صلى الله عليه وسلم- :"اشمّي ولا تنهكي، فإنّ ذلك أحظى للمرأة وأحبّ إلى البعل" أخرجه الحاكم في المستدرك، والطّبراني، والبيهقي وغيرهما.


هذه بعض أدلّة مَنْ قال بوجوب الختان.


مَنْ قال بالوجوب على الرّجال والنّساء وهذا ظاهر


أيضا عللّوا بأنّ الختان من شعار المسلمين وشعار الدّين وما كان شعارا فيجب لزومه


وممّا عللّوا به أيضا أنّ الختان قطعٌ والقطع لا يستباح إلّا بأمر واجب كقطع اليد بالنّسبة للسّارق.


ومَنْ قال بالسنيّة سواء للرّجال أو النّساء استدلّ بحديث الباب الذي معنا :"الفطرة خمس" قال لا يدلّ في ذلك على الوجوب


واستدلّ أيضا بحديث :"الختان سنّة للرّجال مكرمة في حقّ النّساء"


واستدلّ أيضا كما قلنا بحديث الباب


وحديث :"الختان سنّة للرّجال..." أخرجه أحمد والبهقي وغيرهما وسيأتي الكلام عنه باختصار.


ومَنْ استدلّ بوجوبه على الرّجال استدلّ بما مضى


ومن استدلّ بسنيّته على النّساء استدلّ بهذا الحديث الذي مرّ معنا أيضا.


والإمام ابن القيّم -رحمه الله- في كتابه تحفة المودود في أحكام المولود يعني اجتهد اجتهادا بالغا في ذكر الحجج للأقوال ولم يرجّح شيئا كأنّه لم يترجّح عنده -رحمه الله- قولا من هذه الأقوال.


والشّيخ عبد العزيز بن باز -رحمه الله- أيضا لمّا سُئِل كما في مجموع فتاويه عن حكم الختان قال إنّه ممن سنن الفطرة، فذكر ما يتعلّق بالفطرة


ولمّا سئل عن ختان النّساء قال :"يُسَنُّ ختان البنات كما يُسَنُّ للبنين".


وعلى كلٍّ فالآية آية اتّباع ملّة إبراهيم -عليه الصلاة والسلام- ليس فيها دليل {ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا}ليس فيها دليلٌ على وجوب الختان؛ لأنّ من ملّة إبراهيم -عليه الصلاة والسلام- ليست ملّته كلّها واجبة ما فرضه الله -عزّ وجل- عليه، منها الواجب ومنها المندوب والمسنون


فما كان واجبا فهو واجب، وما كان مندوبا فهو مندوب، ولهذا قال الشّوكاني -رحمه الله- :"الحاصل أنّ الاستدلال بفعل إبراهيم على الوجوب يتوقّف على أنّه كان عليه واجبا، فإن ثبت ذلك استقام الاستدلال"


وأمّا حديث عُثَيْم الذي مرّ وهو قوله -عليه الصلاة والسلام- :"ألقِ عنك شعر الكفر واختتن" فهذا حديث معلولٌ مردود فيه علّتان:


الحديث يرويه ابن جُرَيْج قال : أُخْبِرْنُ عن عُثَيْم


فالعلّة الأولى : الانقطاع بين ابن جُرَيْج وعُثَيْم


والعلّة الثّانية : أنّ عُثيما وأباه مجهولان


والحديث قد طعن فيه جمعٌ من الحفّاظ، وتكلّموا عليه، وهذا هو الصّحيح حديث معلول مردود كابن القطّان الفاسي -رحمه الله-


وقد ذكر ابن عديٍّ في الكامل أنّ الواسطة بين ابن جريج وعثيم هو إبراهيم بن أبي يحي، وإبراهيم لو صحّ أنّه هو الواسطة فأقل أحوال إبراهيم أنّه متروك الحديث، فعاد الحديث أنّه ضعيفٌ جدّا لا يصحّ الاستدلال به.


وهذا كما قلنا أنّ الحديث أعلّه جماعة من الحفّاظ كابن القطّان، وذكره أيضا عبد الحقّ الإشبيلي وضعّفه، وابن حجر وجماعة من أهل العلم.


وقبل أن نتجاوز في حديث عُثَيم قد يقول قائل توجد لهذا الحديث شواهد


نعم للحديث له شاهدان؛ لكن لا يُفْرَح بهما كلاهما أضعف من بعض فلا يصحّ تقويّة الحديث بهذه الشّواهد.


حديث أمّ عطيّة -رضي الله عنها- حديث مداره على عبد الملك بن عُمَيْر، وعبد الملك هذا اختلف عليه في الحديث فمرّة يجعله من حديث الضحّاك بن قيس، ومرّ’ يجعله من حديث عطيّة القُرَضي، ومرّة عن أمّ عطيّة، مرّة رواه الإمام أبو داود -رحمه الله- من طريق محمّد بن حسّان عنه عن أمّ عطيّة وأعلّه الإمام أبو داود -رحمه الله- بأنّه رُوِي مرسلا، ومحمّد بن حسّان مجهول، وهذا الحديث ضعيف، يقول أبو داود -رحمه الله-


وتبعه على تجهيل محمّد بن حسّان ابن عديّ والبيهقي


بل هذا الحديث فيه علّتان:الاضطراب، والجهالة وهو معدود في مناكيره، فلا يصحّ الحديث


وأنت تظنّ أنّه تعدّدت طرقه عندما تقرأ هذا تظنّ أنّ الطّرق متعدّدة، وإلّا في الحقيقة هي مضطربة، ولو صحّح الحديث بهذه المجاميع بعض الفضلاء؛ ولكنّ الصّحيح أنّ الحديث معلول مضطرب.


وجاء الحديث من حديث أنس أيضا عند ابن عديّ في الكامل والطّبراني في الصّغير والخطيب في التّاريخ من طريق محمّد بن سلّام عن زائدة بن أبي ... عن ثابت عن أنس بنحو حديث أمّ عطيّة؛ لكنّ الحديث هذا معدودٌ في مناكير زائدة هذا، ولذلك عدّ الحافظ ابن عديّ هذا الحديث في مناكير زائدة.


وهذا زائدة درجته ما هي في الحديث؟ منكر الحديث يقول عنه الإمام البخاري -رحمه الله- فلا يصحّ الحديث ولا يقوّي ولا يتقوّى ولا يشدّ بعضه بعضا فسقط الاستدلال بحديث أمّ عطيّة -رضي الله تعالى عنها- أو حديث ختان النّساء.


وأمّا حديث شدّاد بن أوس - الذي مرّ معنا - فهذا أيضا معلول بعلّتين :


تدليس الحجّاج بن أرطاة


وفيه أيضا انقطاعٌ


والحديث أعلّه الإمام أبو حاتم كما في العلل لابنه، وجماعة، والحافظ ابن عبد البرّ في التّمهيد، والحافظ ابن حجر في التّلخيص، وغيرهم، فالحديث لا يثبت


وكما قال الحافظ ابن دقيق -رحمه الله- في شرح الإلمام :"لا يثبت"


وأمّا كون الختان من شعار المسلمين فليس كلّ شعار هو واجب، فمن الشّعار ما هو واجب، ومنها ما هو مندوبٌ ومستحبّ


وأمّا أنّ الختان مزيّة وميزة للمسلمين فليس على إطلاقه فإنّ اليهود أيضا كانت تختتن وكثيرا أيضا من النّصارى أيضا يختتنون، فالقول بأنّه مزيّة فليس على إطلاقه.


أمّا مَنْ قال بأنّه يباح لأجل واجب كالسّرقة إنّما استبيح قطع اليد لأنّه أمر واجب وهو إقامة الحدّ فالجواب هنا القياس مع الفارق قياس بعيد وقياس مع الفارق فإنّ السّارق قد استباح أمرا محرّما وفعل أمرا عظيما استحقّ به هذه العقوبة، وهذا لا عقوبة فيه ولا عليه.


فإذًا على كلّ حال هذه جملٌ من الأقوال في مسألة الختان


أمّا الاستحداد وتقليم الأظافر ونتف الإِبِط، انتبه!!


عندنا الثّانية والرابعة والخامسة وأنا تركت الثّالثة لأنّه سترد


أمّا الاستحداد وتقليم الأظافر ونتف الإِبِط فهذه سنّة بالاتّفاق


وأمّا وقت الحلق أو التّقليم أو النّتف فهل له وقت؟


المختار في هذا وضابطه للحاجة والطّول، فإذا طال واحتيج إليه بمعنى احتيج إلى الحلق أو النّتف أو التّقليم قلّمه وحلق ونتف، فإذا ما طال أُزِيل، لهذا قال الحافظ النّووي -رحمه الله- :"المختار أنّ ذلك كلّه يُضْبَط بالحاجة".


ومثله قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله- في الفتح وزاد:"لكن لا يمنع من التفقّد يوم الجمعة، فإنّ المبالغة في التنظّف فيه مشروع".


لكن جاء عند الإمام مسلم في الصّحيح من حديث أنس قوله :"وُقِّت لنا في قصّ الشّارب وتقليم الأظافر..." إلى آخره "أن لا نترك أكثر من أربعين ليلة"


هذا الحديث حديث أنس فيه قال :"وُقِّتَ" التّوقيت تعليق الحكم بالوقت


ولفظة "وُقِّتَ" هل هي تأخذ حكم الرّفع مثل "من السنّة"، أو"أُمِرْنا"، أو"نُهِينا" أو لا؟


من أل العلم من ألحقها بأنّ الموقّت لهم هو رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- وهذا أرجح وأقرب


ممّا يدلّ على هذا أنّ حديث أنس جاء عند التّرمذي، وأبي داود وغيرهما أنّ أنسا -رضي الله عنه- قال :"وقّت لنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-"وإن كان هذا الحديث من هذه الرّواية بذكره -عليه الصلاة والسلام- هو من طريق صدقة بن فَرْقد الدّقيقي وهو ليس بالحافظ المتقن؛ لكن يُعْتَبَر به.


فالمعنى أنّ ذكر الأربعين هو تحديد لأكثر المدة، لا يعني أنّك تتركه أربعين يوما، هو تحديد لأكثر المدّة، فلا يجوز مجاوزة هذه المدّة؛ لكن لا يعني هذا أن تتركه أربعين يوما.


هذا المعنى من حديث أنس -رضي الله تعالى عنه-.


أمّا قصّ الشّارب وهي الخصلة الثّالثة فأكثر العلماء وجماهيرهم على أنّه سنّة


وذهب بعضهم كابن العربي وابن حزم من الظّاهرية إلى وجوبه؛ بل ابن حزم يرى أنّه فرض، ليس لهذا الحديث ولكن لأحاديث أخرى "حفّوا الشوارب" إلى آخره.


والصّواب هو الأوّل أنّه سنّة؛ ولكن أيضا متى طال أُزِيل.


الوجه التّاسع : لم يثبت في ترتيب الأصابع عند تقليمها حديث، يعني تبدأ باليمين أو باليسار، لم يثبت في ذلك حديثٌ


وكذلك لم يثبت في استحباب قصّها يوم الخميس، جاء عند بعضهم؛ لكنّ الحديث لا يصحّ.


فإذًا لم يثبت في ترتيب التّقليم حديث، ولم يثبت في استحباب القصّ يوم الخميس أيضا حديث


ذهب بعض أهل العلم كالنّووي وحكاه عن الغزالي في المجموع استحباب البدء بالمسبّحة اليمنى وهكذا ثمّ اليسرى إلى آخره؛ ولكنّ هذا الاستحباب ردّه أهل العلم ومنهم الحافظ ابن دقيق العيد -رحمه الله- في كلام نفيس قال :"هذا كلّه لا يجوز أن يُعْتَقَد مستحبًّا؛ لأنّ الاستحباب حكم شرعيّ، لابدّ أن يستند قاله إلى دليل، وليس استسهال ذلك بصواب؛ بل هذا التّقييد بما لا دليل عليه يوجب صون الشّريعة المطهّرة عن قبوله ".


ولهذا قال الحافظ -رحمه الله- :"ولم يذكر مستنده في الاستحباب".


أمّا تخصيص يوم معيّن فكما قلنا لم يثبت استحباب قصّه يوم الخميسن الحديث الذي ورد لم يصح؛ لكن الحافظ ابن حجر يقول في الفتح بعد أن ذكره وأعلّه قال :"وأقرب ما وقفت عليه في ذلك" يعني في تعيين اليوم لقصّ الأظافر ما أخرجه البيهقي من مرسل أبي جعفر الباقر :"كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يستحبّ أن يأخذ من أظفاره وشاربه يوم الجمعة" قال :"وله شاهدٌ موصول عن أبي هريرة ولكنّ سنده ضعيف أخرجه البيهقي أيضا في الشّعب


قال :"وسئل أحمد عنه" يعني عن هل ثبت في ذلك شيء، أو هل عندك فيه شيء؟ في التّقليم والقصّ؟


فقال -يعني الإمام أحمد-:"يُسَنُّ في يوم الجمعة قبل الزّوال" هذه رواية عن أحمد


قال :"وعنه يوم الخميس، وعنه التّخيير"، قال :"وهذا هو المعتمد أنّه يستحبّ كيفما احتاج إليه" يعني إذا احتيج إليه


والتّخيير يدلّ متى احتيج إليه صار إلى القصّ والتّقليم.


نقف عند هذا وصلى الله على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلّم.



*أسئلة الدّرس*



هذا سائل يقول : هل يجوز حلق الشّارب؟


*الجواب*: قلنا جاء عن بعضهم بعض الصّحابة من كان ينهكه إنهاكا شديدا، وجاء عن بعض السّلف من كان يحلقه


وعلى كلّ حال فالإنسان إذا ما جزّه جزّا شديدا قارب الحلق؛ لكنّه يبتعد عن الحلق وإن فعل فلا حرج.



يقول سائل : البعض يقول إنّ الجمع الصّحيح لكلمة ظُفْر أظفار وأخطأ من جمع على أظافر فما صحّة هذا؟


*الجواب*: ليس بصحيح، يُجْمع على أظافر، وأظفار، وأظافير، وبعضهم يقول هو جمع الجمع.



هذا سائل يقول : بالنّسبة للحلق وتقصير اللّحية هل هو معصيّة أم من الكبائر أو الصّغائر؟


*الجواب* : حلق اللّحيّة لا يجوز، محرّمٌ وكبيرة من الكبائر لما مرّ معنا من الأحاديث، وما في حلقها من تشبّه بالمشركين والمجوس وعبّاد الأوثان وغيرهم، وهي كبيرة من الكبائر، والأحاديث في هذا الباب كثيرة "وفّروا"، "اعفوا" إلى غير ذلك


فكون الإنسان يخالف هذه النّصوص فقد وقع في كبيرة من الكبائر، كبيرة من كبائر الذّنوب


وما وقع لبعضهم مثلا وفتن نفسه وفتن غيره فألّف رسالة في مسألة اللّحية وتكلّف في ردّ النّصوص بشهوة وشبهة ظنّها أدلّة وأنّها -أعني إطلاق اللّحى- هي من سنن العادات نزّلها على أنّها من العادات، إن كنت في بلد يطلق أهله اللّحى فالمشروع والمسنون إطلاق اللّحية


وإن كنت في بلد يحلقون فالمشروع حلق اللّحية، بهذه النّتيجة خلص.


هذا من تسويس الشّيطان عليه ومن تشغيبه عليه والعياذ بالله، وقولٌ باطل عاطلٌ لم يُسْبق إليه من أحد من أهل العلم -رحمهم الله تعالى- أن قالوا بهذا القول المهجور.


وإذا ثبتت السنّة وصحّت رُدَّ القول، كائنا من قاله، أيّ إنسان قال قولا خالف السنّة فإنّ قوله مرفوض، مردود، والسنّ’ أولى بالاتّباع.


وهذا كثيرٌ لو تأمّلتم في كلام الأئمّة في كلام ابن تيميّة -رحمه الله- وابن القيّم ومن قبله ومن بعدهم من تعظيمهم للنصوص، إذا ثبت القول في السنّة وقال بعض العلماء بخلافه ردّوا هذا القول لمخالفته السنّة


جاء عن الإمام مالك -رحمه الله- لمّا سئل عن تخصيص يوم الجمعة بالصّيام وليلة الجمعة بقيام والحديث في مسلم قوله -صلى الله عليه وسلم- :"لا تخصّوا ليلة الجمعة بقيام، ولا يومها بصيام"


سئل عن هذا : تخصيص ليلتها بقيام، ويومها بصيام


قال : ما علمت من ينهى عنه، وأنّ ذلك من القُرَب، يعني جواب الإمام مالك مخالفٌ لنصّ الحديث والعلماء يقولون عند تخريجا للإمام مالك مع تعظيمه للسنّة أنّ الحديث لعلّه لم يبلغه وهذا رُوِي عنه، رواه بعض أصحابه أنّه لم يبلغه الحديث.


وقال بعضهم أنّه نسيه عند السّؤال لما سئل نسي هذا الحديث


وعلى كلّ حال بكلّ حال علّق بعض أهل العلم قالوا : رحم الله مالكا نطق فخالف السنّة، والسنّة أولى بالاتّباع.


وأيضا مثال آخر أنّ النبي -عليه الصلاة والسلام- كما جاء عند ابن ماجة وغيره وهو حديث صحيح :"نهى أن يمشي الرّجل في النّعل الواحدة" قال :"ليلبسهما جميعا أو ليخلعهما جميعا" وهو من حديث أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه-


صحّ عن عائشة -رضي الله تعالى عنها- كما في الجامع للتّرمذي "أنّها كانت تمشي في نعل واحدة"


قال بعضهم -بعض العلماء- لعلّه لم يبلغها حديث أبي هريرة


وأجاب آخرون قالوا بل بلغها، بل بلغها حديث أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- واجتهدت -رضي الله تعالى عنه- وإذا ثبتت السنّة وجاء عن أحد خلافها رُدَّ قوله كما قال ابن عبد البرّ -رحمه الله- عند هذا الحديث، حديث عائشة -رضي الله تعالى عنها- أو كما قال -رحمه الله-.


أيضا التطهّر بماء البحر حديث :"هو الطّهور ماؤه الحلّ ميتته" حديث صحيح، وأهل العلم قاطبة على جواز الوضوء والاغتسال والتطهّر بماء البحر، وجاء وصحّ عن عبد الله بن عمر، وعن عبد الله بن عمرو -رضي الله تعالى عنهما جميعا- أنّهما لا يجوّزان التطهّر بماء البحر


وذكر أهل العلم كالحافظ ابن عبد البر وغيرهما أنّه لم يتابعهما على هذا أحد، ولا قال بهذا غيرهما -رضي الله تعالى عنهما وأرضاهما-


إذا ثبت السنّة وجاء قولٌ يخالفها رُدَّ هذا القول كائنا من كان


وكونها أنّها معصيّة صغير أم كبيرة؟ لما نستهون نحن الصّغائر حتّى؟!!!


فمعظم النّار من مستصغر الشّرر، والصّغيرة مع الإصرار كبيرة هذا على فرض التنزّل، وليست هي كذلك؛ بل هي من كبائر الذّنوب.


نسأل الله -عزّ وجل- للجميع التّوفيق والسّداد.



يقول بعض النّاس الشّعر الذي حول الفرج قليل حتّى بعد أربعين يوما، فهل حديث أنس؟


الشيخ : يقول السّائل : أنّ بعض النّاس أن الشّعر حول الفرج قليل، يشمله حديث أنس حتّى ولو بعد الأربعين؟


*الجواب*: نقول : نعم، يشمله، يجب عليه، ولا يجوز له أن يتركه بعد الأربعين، لا يجوز، قلنا أكثر المدّة، لا يعني أن تتركه أربعين يوما، يجب أن تتعاهد هذا، هذه الأماكن، وهذه التي جاءت بها السنّة ليست هي محلّ ، هي نافلة من الفعل أو نافلة من الأمور، يجب أن يأتيها الإنسان ويتعاهدها كما هي سنّة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.



هذا سائل يسأل عن حلق الشّارب بالكليّة؟


*الجواب*: أجبنا عنه هذا.


ثمّ قال وهل يأثم عليه الإنسان؟


*الجواب*:أجبنا عليه هذا أيضا.


وهل الآلات الحديثة الكهربائيّة لها حكم الحلق أم القصّ؟


*الجواب*" ما أزال كما قلنا وحصل به المقصود من النّتف أو الحلق، أو النّورة، ونحو ذلك من الإزالة التامّة، يحصل به المقصود جاز، يأخذ حكمه.


وصلى الله وسلم وبارك على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم.

__________________
قال الشيخ أزهر سنيقرة حفظه الله :" ومطلُوبٌ مِن طلَبة العِلم العامِلين أن يُربُّوا شبابَ الأمَّة على التَّميِيز بين العُلماء وبينَ المتشبِّعين بما لم يُعطَوا، وأن يغرِسوا في قلوبِهم تعظِيمَ الحقِّ واتِّباعه، ويربِطوهُم بالوَحي المعصُوم، حتَّى لا يكونُوا أتباعًا لكلِّ ناعِقٍ"اهـ .من مقال بعنوان (استِنسارُ البُغاثِ)

التعديل الأخير تم بواسطة أبو عمر عبد العزيز السلفي ; 05-19-2012 الساعة 18:09:47 PM
رد مع اقتباس
  #10  
قديم 05-21-2012, 06:56:25 AM
الصورة الرمزية أبو عمر عبد العزيز السلفي
أبو عمر عبد العزيز السلفي أبو عمر عبد العزيز السلفي غير متواجد حالياً
عضو مميز
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: خميسة/سوق أهراس
المشاركات: 488
Tefreegh الدرس العاشر [باب الجنابة]

الدرس العاشر

الشيخ : بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبيّنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم وبعد:


إتماما لدرس اللّقاء الماضي في مسألة الختان قد سأل أكثر من واحد من الإخوة فيما يترجّح في هذه المسألة


الذي يظهر هو القول الثّاني بوجوبه على الرّجال، وأنّه يُنْدب للنّساء


والقول الثّالث وهو السنيّة لهما قولٌ قويٌّ


والثّاني أقوى لما جاء عند البخاري في الأدب المفرد بإسناد صحيح أنّه فيه :"كانوا يأمرون الرّجل إذا أسلم أن يختتن"


وكذلك لما في بقاء هذه الحشفة وعدم إزالتها من تجمّع للبول، وعدم التنزّه وبقاء جزء ممّا يلحق الضّرر أيضا بصاحبه، والله أعلى وأعلم.

[باب الجنابة]


الطالب : بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه، أمّا بعد:


قال المصنّف -رحمه الله تعالى- :[باب الجنابة. عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- أنّ النّبي -صلى الله عليه وسلم- لقيه في بعض طرق المدينة وهو جُنُب قال : فانخنست منه، فاغتسلت ثمّ جئت، فقال : أين كنت يا أبا هريرة؟ قال : كنت جُنُبًا، فكرهت أن أُجالسك وأنا على غير طهارة، فقال : سبحان الله! إنّ المؤمن لا ينجس"]


الشيخ : هذا الباب هو بابٌ في الجنابة، يتعلّق بالجنابة والكلام على حديث الباب حديث أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- من وجوه:


قوله :[باب الجنابة] أي ذكر الحكم الشّرعي المتعلّق بالجنابة


وما هو الحكم الشّرعي المتعلّق بالجنابة؟


هو الغُسْل بالضمّ وسيأتي مزيد بيان بإذن الله


والجنابة مأخوذة من الإجناب وهو الإبعاد، فإذًا هي كلمة تدلّ على معنى البُعْد ولهذا يُسَمَّى البعيد عن الشّيء أجنبيًّا عنه


وضدّ الأجانب الأقارب.


وسبب تسميّة المرء بذلك -جُنُبًا- بسبب أنّه خالط امرأته وأدّت هذه الخُلْطة إلى وقوع الجنابة ولهذا صار جُنُبًا أي بعيدًا عمّا يجوز له فعله قبل أن تقع منه الجنابة


ما الذي كان يجوز له فعله قبل أن تحصل منه الجنابة؟


يجوز له الدّخول في المسجد، أو المرور على المسجد، ويجوز، ويجوز له أشياء كثيرة؛ لكن بعد وقوع الجنابة صار بعيدا عن ما كان يجوز له قبلها -أعني في حال طهارته-.


ومعلوم أنّ ارتفاع الحدث أو ارتفاع الجنابة شرطٌ في صحّة الصّلاة ولهذا عقد هذا الباب وما يتعلّق به من أحكام تحت هذا الكتاب وهو كتاب الطّهارة.


ذكر حديث أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- وفيه أنّه قال :"فانخنستُ" ولازلنا في الوجه الأوّل


"فانخنست" بالخاء وبعد الخاء نونٌ وقبلها نون ثمّ المراد من قوله :"فانخنستُ" وهو من الخُنُوس، مأخوذٌ من الخُنُوس بمعنى تأخّرتُ واختفيتُ


يُقال خنس عنه يخنُسُ إذا تأخّر واختفى وهذه الكلمة جاءت بألفاظ عديدة في روايات أخرى تربو على خمسة ألفاظ؛ لكنّ المعنى هو هذا المعنى وهو الاختفاء والانزواء والتأخّر.


قوله -رضي الله عنه- :"كنتُ جُنُبًا" مراده -رضي الله عنه- أي كانت قد أصابتني جنابة وهذا اللّفظ يُطْلق على الواحد، وعلى المثنّى، وعلى الجمع، يُقال : جُنُب للواحد الفرد، وللمثنّى، والجمع، وللمذكّر والمؤنّث { وإن كنتم جنبا فاطهروا } [المائدة/6]


الوجه الثّاني : قوله -رضي الله تعالى عنه- :"فذهبت فاغتسلتُ" سبب الاغتسال أنّه كان على جنابة وهذا فيه دليل بيّنٌ على أنّ الحكم المستقرّ عند الصّحابة -رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم- هو وجوب الاغتسال من الجنابة، دليلٌ بيّنٌ واضحٌ على أنّ المستقرّ عند أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- هو وجوب الاغتسال من الجنابة


إذًا حكم الشّرع المتعلّق بالجنابة ماهو؟ الغُسْلُ أو الاغتسال، وهذا محلّ إجماعٍ أيضا


وممّا يدلّ على هذا أنّ النّبي -عليه الصلاة والسلام- قد أقرّ أبا هريرة -رضي الله عنه- على فعله وهو الاغتسال، وإنّما خالفه فيما ظنّه -أعني أبا هريرة رضي الله عنه- أنّ÷ نجاسة، خالفه في الحكم فيما ظنّه نجاسة؛ ولكن أقرّه على غُسْله من الجنابة، وخالفه في الحكم فقال :"إنّ المسلم لا ينجس".


الوجه الثّالث : قوله -رضي الله تعالى عنه- :"فكرهت أن أجالسك وأنا على غير طهارة" قال الحافظ النّووي -رحمه الله- :"فيه أنّه يُسْتَحَبُّ لطالب العلم أن يُحَسِّن حاله في مجالسة شيخه فيكون مُتَطَهِّرًا، متنظّفًا بإزالة الشّعور المأمور بإزالتها، وقصّ الأظافر، وإزالة الرّوائح الكريهة، وغير ذلك ممّا في هذا المعنى فإنّ ذلك فيه إجلالُ العلم والعلماء".


الوجه الرّابع : في قوله -صلى الله عليه وآله وسلم- :"سبحان الله!" هذا التّسبيح منه -صلى الله عليه وآله وسلم- تنزيهه لله -جلّ وعلا- إنّما قاله تعجّبًا من أنّ أبا هريرة -رضي الله تعالى عنه- اعتقد نجاسة نفسه بسبب النّجاسة، ولهذا أجابه -عليه الصّلاة والسلام- بقوله :"المؤمن لا ينجس".


هذه اللّفظة "يَنْجُس" يصحّ في الجيم لغتان:


الضمّ


والفتح


ففي الماضي يُقَال : نجَس، ويصح ّأيضا : نَجِسَ بالكسر، و نَجُسَ


وأمّا في المضارع فإنّ فيها أيضا الفتح وكذلك الضمّ.


الوجه الخامس : هذا الحديث يُعْتَبَرُ أصلا في طهارة المسلم حيًّا وميّتًا، وقد ذكر الإمام البخاري -رحمه الله- في الصّحيح معلّقًا عن عبد الله بن عبّاس- رضي الله تعالى عنهما- أنّه قال :"المسلم لا يَنْجُسُ حيًّا وميّتًا".


أمّا الكافر فجمهور العلماء على أنّ حكم الكافر كالمسلم على السّواء


وذهب بعض أهل العلم كبعض أهل الظّاهر إلى القول بنجاسة الكافر النّجاسة الحِسِيَّة لآية التوبة في قوله -تعالى- { يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس } [التوبة/28]


والصّحيح هو الأوّل فإنّ هذه النّجاسة المذكورة في الآية هي نجاسة أديانٍ لا أبدان، ولهذا أدلّة كثيرة جدًّا منها ما جاء في الصّحيح عند مسلم وغيره في استقبال النّبي -صلى الله عليه وآله وسلم- لوفد عبد القيس وسماعه منهم، وكلامه -صلى الله عليه وسلم- لهم في الحديث الطّويل.


وأيضا ممّا يدلّ عليه أيضا ما جاء في الصّحيحين أنّ النّبي -عليه الصلاة والسلام- بعث خيلا فأتت بسيّد بني حنيفة, أو أهل اليمامة، وهو ثُمامة بن أثالٍ -رضي الله عنه- ترضّي بعد إسلامه، فلمّا جاءت به هذه السريّة رُبِط في سارية من سواري المسجد، مسجده -صلى الله عليه وآله وسلم-


وفي الصحيح عند البخاري أنّ النبي -صلى الله عليه وسلم- إنّما أطلقه وأمر بإطلاق صراحه وفكّ قيده بعد ثلاثة أيّام، وكان كلّما مرّ عليه سأله فكان يجب ثُمامة :"إن تطلق تطلق ذا دم، وإن تُنْعم تنعم على شاكر" إلى آخر كلامه، وفي الثّالثة أطلقه النبي -عليه الصلاة والسلام- ثمّ خرج إلى حائط أو نخل فاغتسل ثمّ رجع إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأعلن إسلامه.


وهذا ظاهرٌ في أنّه قد رُبِط في المسجد وهو على الكفر قبل أن يؤمن -رضي الله تعالى عنه وأرضاه-


أيضا قوله -تعالى- {وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم} ومعلومٌ أنّ الطّعام الذي يطبخونه يباشرونه بأيديهم ويطبخونه، ويجعلونه في أوانيهم إلى غير ذلك، فيه مباشرة منهم لهذه الأطعمة فلو كانت نجسة لما حلّ أكلها.


إلى غير ذلك من الأدلّة، وعليه فالصّحيح كما قلنا أنّ حكم الكافر حكم المسلم وأنّ النّجاسة نجاسة عقائديّة.


الوجه الأخير : من فوائد هذا الحديث الفقهيّة : جواز تأخير الاغتسال عن أوّل وقت وجوبه، وأنّ للمرء أن يقضي حاجاته التي يرغب فيها ما لم تحلّ فريضة تلزم فيها الطّهارة.


أيضا من فوائده الفقهيّة : أنّه يجب على أهل العلم أن يبيّنوا الصّواب من الخطأ وبخاصّة لمن يتّبعونهم أو يخالطونهم، وذلك فيما إذا خافوا عليهم مجانبة الصّواب وفي فعل رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- مع أبي هريرة دليلٌ بيّنٌ على ذلك.


أيضا من فوائد الحديث : أنّه ينبغي للإنسان أن يتفقّد إخوانه وأبناءه وأصحابه ومن يتّصل به إذا ما فقده لما في ذلك من تأكيد أواصر الأخوّة والتآخي في الله.


بل الأمر يزداد على ذلك بأن يسأل عن أحوالهم فإذا كان منهم من هو في حاجة، أو وله حاجة يعني من استطاع إعانته.


الطالب : قال -رحمه الله- :[عن عائشة -رضي الله عنها- قالت : كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا اغتسل من الجنابة غسل يديه وتوضّأ وضوءه للصّلاة ثمّ اغتسل ثمّ يخلّل بيديه شعره حتّى إذا ظنّ أنّه قد أروى بشرته أفاض عليه الماء ثلاث مرات ثمّ غسل سائر جسده، وقالت : كنت أغتسل أنا ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- من إناء واحد نغترف منه جميعا.


وعن ميمونة بنت الحارث زوج النبي -صلى الله عليه وسلم- ورضي عنها- قالت : وضع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وضوء الجنابة فأكفأ بيمينه على يساره مرّتين أو ثلاثا ثمّ غسل فرجه ثمّ ضرب يديه بالأرض أو الحائط مرّتين أو ثلاثا ثمّ تمضمض واستنشق وغسل وجهه وذراعيه، ثمّ أفاض على رأسه الماء، ثمّ غسل جسده، ثمّ تنحّى فغسل رجليه، فأتيته بخرقة فلم يردها، فجعل ينفض الماء بيده]


الشيخ : الكلام عن حديث عائشة -رضي الله تعالى عنها- وحديث ميمونة -رضي الله تعالى عنها- من وجوه، دلالتهما واحدة، دلالة الحديثين واحدة؛ ولذلك جمعنا الكلام عليهما معا:


الوجه الأوّل : نتكلّم ع نبعض ما يتعلّق بحديث عائشة ثمّ نعقّب بالكلام على حديث ميمونة -رضي الله تعالى عنها-


قول عائشة -رضي الله تعالى عنها- :"كان إذا اغتسل" "كان" هنا تدلّ على الملازمة والتّكرار، كقول ابن عبّاس -رضي الله تعالى عنهما- :"كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أجود النّاس بالخير"


وقد ترد "كان" لإفادة الفعل المجرّد ووقوع الفعل دون التّكرار إلّا أنّ أكثر الاستعمال هو على المعنى الأوّل وهو المراد هنا.


قولها -رضي الله تعالى عنها- :"إذا اغتسل" قال بعض أهل العلم إنّ المراد بقولها "إذا اغتسل" أي إذا أراد الاغتسال لقوله تعالى كما في آية { فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم}أي إذا أردت قراءة القرءان.


وقيل وهذا قول ثان وهو أقوى من الأوّل : المراد إذا شرع في الفعل، إذا شرع في فعل الاغتسال بدأ بهذا وهو ما ذكرته من غسل يديه إلى آخره.


وهذا رجّحه جماعة من أهل العلم، وكما قلت هو أقوى من سابقه، وأظهر؛ لأننّا إذا حملنا "اغتسل" على أنّه شرع في ذلك صحّ هذا المعنى ووضحن فلا يمكن أن يكون الشّروع وقت الابتداء بغسل اليدين.


أمّا الآية { فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم}فإنّه أيضا لا يمكن أن يكون وقت الشّروع في القراءة هو وقت الاستعاذة، يقرأ ويستعيذ في آنٍ واحد؛ ولكنّ هذا متصوّر في المعنى الأوّل ولذلك حُمِلت في آية { فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم}على أنّ المراد الإرادة، فلا يتصوّر الانفكاك ولهذا قيل هذا هو المعنى المراد


وكما قلت أنّ المعنى الثّاني أي إذا شرع في الاغتسال أو في فعل الاغتسال بدأ بغسل اليدين، ثمّ وضوءه وضوء الصّلاة. والله أعلم.


قولها -رضي الله تعالى عنها :"من الجنابة" "من" هنا تضمّنت معنى السّببيّة أي أنّ السّبب في الاغتسال كان من الجنابة، سبب الاغتسال هو الجنابة والجنابة إنّما نشأت عن أحد احتمالين: إمّا التقاء الختانين، أو الإنزال، فلذا وجب الاغتسال منها.


قولها -رضي الله تعالى عنها- :"غسل يديه" أي قبل أن يدخلهما في الإناء وقد مرّت معنا هذه المسألة.


قولها -رضي الله تعالى عنها- :"ثمّ توضّأ وضوءه للصّلاة" أي وضوءا كاملا.


قولها -رضي الله تعالى عنها- :"ثمّ اغتسل" أي شرع في الاغتسال من الجنابة.


قولها -رضي الله تعالى عنها- :"يخلّل بيديه شعره" التّخليل إدخال الأصابع فيما بين أجزاء الشّعر


وقد جاء عند مسلم في الصّحيح من حديث عائشة -رضي الله تعالى عنها- قالت :"ثمّ يأخذ الماء فيدخل أصابعه في أصول الشّعر"


وجاء عند النّسائي في المجتبى قولها -رضي الله تعالى عنها- :"كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يُشَرِّبُ رأسه، ثمّ يحثي عليه ثلاثة" ففي هذه الرّواية أيضا بيانٌ لحقيقة التّخليل الذي ورد في حديث عائشة هاهنا في لفظ الباب "ثمّ يُخَلِّل بيديه شعره" وهذا التّخليل لا يكتفي فيه بأن يُبِلّ أطراف أصابعه، وإنّما يأخذ الماء إلى الرّأس ويبلّل به أصول الشّعر، فليس تبليلا لليدين فقط؛ بل تبليلٌ لها مع حمل ماء لوضعه في أصول الشّعر، وتخليل أصول الشّعر، ولهذا بوّب الإمام ابن ماجه -رحمه الله- لحديث عائشة باللّفظ الذي ذكرنا :"تخليل الجُنُبِ رأسه" ففيه بيان لحقيقة التّخليل الواجب فعلها.


قولها -رضي الله تعالى عنها- :"حتّى إذا ظنّ" ظنّ هنا تحتمل أنّها بمعنى علم، وتحتمل بمعنى أيقن، وتحتمل أنّها على بابها، وهو رجحان أحد الطّرفين على الآخر مع بقاء الاحتمال.


وهذا الثّالث وهو بقاؤها على بابها هو الأقرب والله أعلم، بقرينة قولها -رضي الله تعالى عنها- :"أفاض الماء عليه ثلاث مرّات".


قولها -رضي الله تعالى عنها- :"أروى" فعلٌ ماضٍ من الإرواء مأخوذ من الريِّ، يقال " روِيت بالكسر أروَى بالفتح رَيًّا ورِيًّا


وأرويته أنا فارتوى، وفي أصلها لغة ضدّ، الإرتواء أو من الإرواء هو ضدّ العطش وهو هنا في هذا المقام في حديث الباب عندنا مجازٌ في ابتلال الشّعر بالماء.


وقولها -رضي الله عنها- :"بشرته" البَشَرة ظاهر الجلد؛ لكنّ المراد هنا ما هو تحت الشّعر "فأروى بشرته" لفظة "البشرة" هو ظاهر الجلد لكن هنا ما تحت الشّعر يعني أصول الشّعر، والجلد الذي هو مجاورٌ لأصول الشّعر


وإرواء البشرة هنا بمعنى إيصال الماء إليها وإلى جميع الجلد.


قولها -رضي الله عنها- :"أفاض الماء عليه ثلاث مرّات" الإفاضة هي الإفراغ، يُقال : فاض الماء إذا جرى


ويقولون أيضا : فاض الدّمع إذا سال، ومنه ما جاء في الصّحيحين :"سبعة يظلّهم الله في ظلّه يوم لا ظلّ إلّا ظلّه :ورجلٌ ذكر الله خاليا ففاضت عيناه".


والمعنى هنا المراد إفراغ الماء على الرّأس ثلاثا.


قولها -رضي الله عنها- :"ثمّ غسل سائر جسده" المراد بــ "سائر" هنا أي باقي جسده، باقي جسد النّبي -عليه الصلاة والسلام-


ولفظ "سائر" أصل الاستعمال فيه أنّه بمعنى البقيّة ويستعمل بعضهم هذه اللّفظة بمعنى الجميع، يقولون : سائر الأمر يعني جميعه؛ ولكن ّهذا الاستخدام غلطٌ، استخدامٌ غلّطه جمعٌ من أهل العلم باللّغة كالحريري وغيره والصّواب هو الذي تقدّم أنّه بمعنى البقيّة.


وممّا يدلّ على أنّه بمعنى البقيّة هنا أنّها ذكرت الرّأس أوّلا ثم ّقالت :"ثم ّغسل سائر جسده"يعني بقيّة جسده -صلى الله عليه وآله وسلم-.


الوجه الثّاني : جاء حديث عائشة -رضي الله تعالى عنها- هذا الذي معنا في بعض طرقه في صحيح الإمام مسلم زيادة في آخره بعد أن قالت :"ثمّ غسل سائر جسده" قال أحد الرّواة :"ثمّ غسل رجليه" وهذه الزّيادة التي عند مسلم في الصّحيح


الحديث مداره على هشام عُرْوة وه ويرويه عن أبيه عن عائشة وقد تفرّد بهذه اللّفظة أبو معاوية عن هشام


أمّا سائر أصحاب هشام بن عروة فيروون الحديث بدون هذه اللّفظة الزّائدة ليس فيها :"ثم ّغسل رجليه" نحن نتكلّم على حديث عائشة -رضي الله تعالى عنها-


وهذه اللّفظة كما قلت تفرّد بها أبو معاوية وهي ممّا نقدها الحفّاظ على مسلم وقال عنها الحافظ البيهقي -رحمه الله- : غريبةٌ صحيحة.


إلّا أنّ هذا التّصحيح فيه نظر


وقد ذكر هذه اللّفظة وأعلّها وتكلّم عليها الحافظ ابن عمّار الشّهيد في علل الأحاديث في صحيح الإمام مسلم، وذكر أنّ أصحاب هشام بن عُرْوة كزائدة، وجرير، ووكيعن وغيرهم يروون هذا الحديث من غير هذه اللّفظة، وتفرّد بها أبو معاوية


وأبو معاوية يقول فيه ابن نُمَيْرٍ وغيره : أنّ أبا معاوية يضبط حديث الأعمش، ويضطرب في غيره.


إذًا في روايته عن هشام مقال، ولهذا نقدها الحفّاظ، وتفرّد بها، فإذًا هي لفظة غير محفوظة عند مسلم في الصّحيح، يعني هذا وإن كانت وردت؛ لكنّها لفظة غير محفوظة، وتكلّم حولها الحافظ ابن حجر -رحمه الله- وغيره.


الوجه الثّالث : الغُسْل لها صفتان:


صفة كاملة مستحبّة : وهذه الصّفة قد جاء بها حديث عائشة -رضي الله تعالى عنها- الذي معنا ففي هذا الحديث بيانٌ للصفة الكاملة المستحبّة للاغتسال.


وهناك صفة مُجْزِئة : وهي أن ينوي العبدُ بقلبه الاغتسال ورفع الجنابة، ورفع الحدث، مع تعميم الماء لسائر جسده، فلا يترك مكانا إلّا وأوصل إليه الماء.هذه هي الصفة المجزئة، دون ذلك غير مجزئ.


أمّا الصّفة الكاملة المستحبّة هي صفة اغتسال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- وهو الذي ترويه عائشة -رضي الله تعالى عنها-.


الوجه الرّابع : فيما يتعلّق بحديث ميمونة -رضي الله تعالى عنها-


تقول -رضي الله تعالى عنها- :"وضع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وَضوء الجنابة"


وَضوء بفتح الواو هو اسم لمطلق الماء، أمّا بالضمّ فهو الفعل


ما يدلّ على أنّ المراد هنا مطلق الماء، أنّها ذكرت بعده لفظ الجنابة


قولها -رضي الله عنها- :"فأكفأ" تقدّم معنا بيان معنى هذه اللّفظة وشرحها عند كلامنا على حديث عبد الله بن زيد -رضي الله تعالى عنه- في صفة وُضُوء رسول الله -صلى اله عليه وآله وسلم-، والمعنى أفرغ بيده اليمنى على اليسرى في قولها :"فأكفأ بيمينه على يساره مرّتين أو ثلاثا" بمعنى أفرغ بيمينه على يساره وهذا غسل اليدين سنّة كما مرّ.


قولها -رضي الله عنها- :"ثمّ غسل فرجه" والمراد بفرجه -صلى الله عليه وسلم- هنا أي قُبُلُه -صلى الله عليه وسلم-، وغسله لإزالة ما يكون قد علق به من أذًى


وهذا الغسل للقُبُل إنّما هو كان قبل ابتداء الوُضُوء.


قولها -رضي الله تعالى عنها- :"ثم ّضرب يده بالأرض" هو من باب المقلوب لأنّ الأرض تُضْرَب باليد، والباء إنّما تُسْتَخْدم في الآلة، تقول : ضربتُه بالعصا، ضربته بحجر، أو نحو هذا بمعنى ضرب الأرض بيده


والآلة المستخدمة هنا هي اليد وهذا مستخدم أعني القبل الوارد في الحديث.


وليس المراد هنا المقلوب بمعنى المقلوب في علوم الحديث، لا، نتكلّم من حيث الاستخدام اللّغوي.


قولها -رضي الله عنها- :"ثمّ ضرب يده بالأرض أو الحائط" هذا منه -عليه الصلاة والسلام- أعني الضّرب إنّما هو لإزالة ما لعلّه تعلّق باليد من أثر الجنابة من زهومة رائحة الجنابة، وهذا فيه زيادة في التّنظيف.


لماذا فعل هذا -عليه الصلاة والسلام-؟


يحتمل أنّه فعل هذا -بمعنى الضّرب- سواء على الأرض أو على الحائط لقلّة الماء المستخدم، فاحتاج إلى أن يضرب الأرض أو ليزيل ما قد يكون علق، ويستخدم ماءا يعني يتناسب مع قلّته، فهذا احتمالٌ وارد.


إذًا الضّرب لا يستخدم إلّا لحاجة، فليس إذًا استخدام الضّرب هو سنّة في حدّ ذاته، لابدّ أن تضرب إذا أردت ان تغتسل، إذا وُجِدت الحاجة استخدم هذا الفعل


لم توجد الحاجة لم يستخدم هذا الفعل.


ولهذا قال العلّامة السّعدي -رحمه الله- :"لا بأس باستعماله عند الحاجة" يعني الضّرب أو الدّلك الشّديد


"وأمّا استعماله في كلّ حال كما يفعله النّساء فإنّه من الوسواسن ولهذا لم يستعمله النّبي -صلى الله عليه وآله وسلم- في كلّ حال"


ممّا يدلّ على أنّه لم يستعمله في كلّ حال حديث عائشة الذي مضى معنا


قولها -رضي الله عنها- :"ثمّ تمضمض واستنشق، وغسل وجهه وذراعيه" تقدّم فيما مضى الكلام حول مسألة والاستنشاق وأنّهما واجبتان في الوضوء والغسل. وهي تحكي هنا صفة وضوئه، فهو توضّأ -عليه الصلاة والسلام- قبل أن يغتسل.


قولها -رضي الله عنها-:"فأتيته بخرقة فلم يُرِدها" الخِرْقة هنا جاءت في حديث الباب غير مسمّاة؛ ولكنّها جاءت مسمّاة عند الدّارمي في السّنن ففيه :"فأعطيته ملحفة فأبى" فيه بيان الخِرْقة، وتسميّة الخرقة؛ لأنّ الخرقة تحتمل الصّغيرة تحتمل الكبيرة، فالملحفة تدلّ على شيء من الكبر.


وجاء عند الطّوسي في المستخرج على جامع التّرمذي قالت :"فأتيته بثوبٍ، فقال بيده هكذا" كأنّه يشير أنّه لا يريد.


وهذا يدلّ على معنى رواية :"فلم يردها".


وقوله :"فلم يردها" هكذا الضّبط، خلافا لمن ضبطها بالتّشديد، بمعنى فردّها، إذًا الصّحيح في الضّبط فلم يردها.


الوجه الخامس : حديث ميمونة -رضي الله تعالى عنها- هذا أخرجه الإمام البخاري -رحمه الله- في مواضع من الصّحيح، وهو أيضا عند الإمام أبي داود والنّسائي وابن ماجه والتّرمذي أيضا، كلّهم يروونه من طريق الأعمش عن سالم بن أبي الجعد عن كُرَيْب مولى عبد الله بن عبّاس عن ابن عبّاس -رضي الله عنهما- به


ألفاظهم متقاربة؛ لكن جاءت عند أبي داوود في آخره زيادة وهي قوله :"فذكرتُ ذلك لإبراهيم فقال : كانوا لا يرون بالمنديل بأسًا؛ ولكن كانوا يكرهون العادة"


وقوله :"فذكرت ذلك لإبراهيم" الذي أورد هذا على إبراهيم هو الأعمش


وإبراهيم هو الإمام النّخعي الشّهير المشهور


قلت إنّ البخاري قد أخرجه في الصّحيح في مواضع، من مواضعه في الصّحيح وهو أوّل موضع في الصّحيح ورد فيه حديث ميمونة -رضي الله عنها- أنّها قالت :"توضّأ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وضوئه للصّلاة غير رجليه"


نحن قلنا في قولها :"فأكفأ بيمينه على يساره -إلى أن قالت :ثمّ تمضمض واستنشق" المراد به ماذا؟


قلنا أنّه توضّأ وضوءه للصّلاة ممّا يدلّ على هذا الرّواية الأخرى للحديث عند البخاري في الصّحيح قالت :"أنّه توضّأ وضوءه للصّلاة غير رجليه" بهذا اللّفظ


"توضّأ وضوءه للصّلاة غير رجليه إلى أن قالت في آخره : ثمّ نحّى رجليه فغسلهما"


الوجه السّادس : ظاهر حديث ميمونة -رضي الله عنها- كما هو واضحٌ تأخير غسل الرّجلين في وضوء الغُسْل، وهو أعني الحديث في ظاهره يخالف ظاهر حديث عائشة -رضي الله تعالى عنها- الذي مضى من أنّه توضّأ وضوءه للصّلاة أي الوضوء الكامل


لكنّ الجمع بين الحديثين ممكن وقد نصّ عليه جماعة من أهل العلم فقالوا إنّ حديث عائشة محمولٌ على الأكمل كما مرّ، الصّفة الكاملة


وحديث ميمونة -رضي الله عنها- يدلّ على الجواز أي جواز التّأخير


وقالوا كما أنّ النّبي -عليه الصّلاة والسّلام- توضّأ ثلاثا ثلاثا، وتوضّأ مرّتين مرّتين، وتوضّأ مرّة مرّة، غالب أحواله -عليه الصّلاة والسلام- الوضوء ثلاثا والوضوء مرّة قد حصل منه -عليه الصلاة والسلام-؛ ولكنّه قليل وهو لبيان الجواز.


وهذه المسألة عند هذا المبحث تتفرّع عن مسألة أخرى وهي هل يتوضّأ من أراد الإغتسال من الجنابة وضوءا كاملا أم يتوضّأ وضوءا كما ورد في حديث ميمونة -رضي الله عنها-؟ بمعنى يؤخّر غسل رجليه


أقوالٌ لأهل العلم في ذلك :


منهم من قال بأنّه يتوضّأ وضوءا كاملا فهذا القول قولٌ مشهورٌ عند المالكيّة، والصّحيح عند الشّافعيّة والحنابلة.


وآخرون قالوا بأنّه يُؤَخِّر غسل الرّجلين قالوا بحديث ميمونة -رضي الله عنها- وهذا قولٌ للشّافعي، وضعّفه بعض أصحابه، وقولٌ لأبي حنيفة -رحمه الله- وأحمد.


وقولٌ ثالث التّفصيل قالوا : إن كان المكان نظيفًا فيتوضّأ وضوءا كاملا.


وإن كان المكان فيه اتّساخ من طين ونحوه فيؤخّر غسل القدمين إلى ما بعد الإنتهاء.


جمعا بين الأدلّة وهو قولٌ مرويٌّ أيضا عن أبي حنيفة -رحمه الله- وغيره.


ومنهم من العلماء وهو قولٌ لمالك وأحمد من قال بأنّ الأمر في ذلك واسعٌ، من توضّأ وضوءا كاملا فلا حرج عليه، بمعنى مَنْ أمضى حديث عائشة -رضي الله عنها- لا حرج عليه


ومَنْ أمضى حديث ميمونة -رضي الله عنها- لا حرج عليه.


وهذا الذي يظهر أنّ الأمر واسعٌ وإن كان القول الأوّل أقرب، والقول بالتّفصيل أيضا قويّ، ولهذا قال الحافظ النّووي -رحمه الله- في المجموع بعد أن تكلّم عن القول الأوّل، والثّاني قال :"القولان إنّما هو في الأفضل، وإلّا فكيف فعل حصل الوضوء، وقد ثبت الأمران عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الصّحيح من فعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.


الوجه السّابع : في حديث ميمونة -رضي الله تعالى عنها- أيضا


جاء عند مسلم في الصّحيح في بعض ألفاظ حديث ميمونة قالت :"ثم ّضرب بشماله الأرض يدلّكها دلكا شديدا"هذا اللّفظ فيه بيانٌ أنّه يستحبّ للإنسان إذا فرغ من هذا الفعل -يعني غسل الفرج- أن يغسل يده إمّا بتراب، أو يدلّكها في التّراب، أو يستخدم ما يقال عنه الصّابون الآن، أو نحو ذلك لإذهاب كما قلنا زهومة رائحة الجنابة، وقد استنبط العلماء من لفظ حديث ميمونة -رضي الله تعالى عنها- هذا ما ذكرناه.


وقد بوّب الإمام البخاري في الصّحيح فقال : باب مسح اليد بالتّراب لتكون أنقى.


الوجه الثّامن : في مسألة تنشيف الأعضاء بالمنديل أو نحو ذلك في الوضوء أو الإغتسال.


فمن أهل العلم من قال بأنّه لا يُكْره استخدام المنديل، فالتّنشيف جائزٌ، ولا يُكْرَه استخدامه فيهما. وهذا مرويٌّ عن أنس -رضي الله عنه- ومالك والثّوري وجماعة من أهل العلم وهو المختار عند الشّافعيّة.


ومنهم من أهل العلم من قال بالكراهة فيهما، يعني في الوضوء والإغتسال، وأنّ المستحبّ هو التّرك. وهذا مرويٌّ عن ابن أبي ليلى وعن غيره من أهل العلم.


ومنهم من كره ذلك في الوضوء، دون الغُسْل وهذا مرويٌ عن ابن عبّاسٍ -رضي الله تعالى عنهما-.


ومنه من يستحبّ استخدامه فيهما لإزالة ما فيه من الأوساخ، ما قد يعلق في الجسد أو في اليدين، والاحتراز من الأوساخ، وهذا مرويٌّ عن أبي حنيفة وغيره.


ومنهم من قال الأمر فيه مباح، يستوي الفعل ويستوي التّرك.


والذي يظهر أنّ الكراهة بعيدة، وحديث الباب لا ... على الكراهة، قال :"فلم يُرِدْها" فهو لم ينه عنها، وإنّما لم يرد الاستخدام، ومجرّد تركه -عليه الصلاة والسلام- للمنشفة، أو الخرقة، أو الملحفة لا يدلّ على الكراهة


وممّا يدلّ على عدم الكراهة أنّها -رضي الله تعالى عنها- قد أتته بالملحفة، وبالخرقة، فلو كان المستقرّ عندها هو الكراهة، أو هي الكراهة لما أتته بها -عليه الصلاة والسلام- وهو لا يغتسل مرّة واحدة فقط، فهي من زوجاته -صلى الله عليه وآله وسلم- فإذًا المستقرّ عندهم عدم الكراهة.


والكراهة تحتاج إلى أمرٍ أكثر من هذا ولدليل أصرح من هذا وخالٍ من المأخذ.


الوجه التّاسع : يتعلّق بما ذكره الشّارح عندكم في حديث عائشة -رضي الله عنها- باللّفظ الثّاي وقال :"وقالت كنت أغتسل أنا ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- من إناء واحد" هذه رواة أخرى في الصّحيح قد خرّجها البخاري في الصّحيح بإسناد الحديث السّابق، أعني حديث عائشة -رضي الله تعالى عنها-


وهذا الحديث يدلّ على جواز تطهّر الرّجل بفضل طهوء المرأة والعكس صحيح، أعني تطهّر المرأة بفضل طَهور الرّجل وهذا القول هو الذي عليه جماهير السّلف والخلف وأئمّة الفتوى كما قاله الحافظ القرطبي -رحمه الله- في المفهم، فهو قولٌ للإمام مالك والشّافعي، وأحمد في رواية، وغيرهم من أهل العلم، وهو الذي اختاره البخاري في الصّحيح


ومن أهل العلم مَنْ منع أن يتوضّأ الرّجل بفضل طهور المرأة دون العكس وممّن قال بهذا الحسن، وسعيد، وهو رواية وقولٌ عن الإمام أحمد؛ لكنّه قيّده بما إذا خلت به، فإنّه يُمْنع الرّجل من استخدامه.


والصّحيح هو الأوّل، الصّحيح الذي تدلّ عليه النّصوص الكثيرة هو القول الأوّل لحديث عائشة -رضي الله عنها- كما مرّ معنا.


وقد جاء في الصّحيحين أيضا أنّ النبي -عليه الصلاة والسلام- كان يغتسل مع ميمونة من إناء واحد.


وفي حديث الباب نغترف جميعا، ولا يمكن أن تغترف إلّا ويتقاطر شيء ممّا قد اغترفت في غرفة سابقة، وهذا ما سقط يعتبر فضل طهور.


وكذلك الصّنيع مع ميمونة -رضي الله عنها- في حديث في الصّحيحين كما قلت :"كان يغتسل مع ميمونة من إناء واحد"


وجاء عند البخاري في الصّحيح من حديث عبد الله بن عمر -رضي الله تعالى عنه- أنّه قال :"كان الرّجال والنّساء يتوضّؤون في زمان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- جميعا"


يأتي الآن صاحب شهوة أو شبهة فيظنّ أنّ هذا الحديث يدلّ على جواز الاختلاط، وما أكثر أهل الأهواء في مثل هذه الأوقات.


هذا الفهم بعيدٌ جدّا والباب إذا لم تُجْمع طرقه لم يتبيّن خطؤه، والحديث إذا لم أروه من مائة وجه فأنا فيه يتيم، فمن الوجوه الواجب توفّرها في السنّة جمع نصوص الباب الواحد وطرق الحديث الواحد، والنّظر فيها.


بوّب الإمام البخاري -رحمه الله- لحديث عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- وانظر إلى فقه البخاري قال -رحمه الله- :"باب وضوء الرّجل مع امرأته، وفضل وضوء المرأة" جاء في بعض طرق الحديث عند أبي داوود :"نُدْلي فيه أيدينا" يتوضّؤون في حديث ابن عمر -رضي الله عنهما- :"يتوضّؤون جميعا، يعني من إناء واحد ندلي فيه أيدينا"


وجاء عند ابن ماجه :"من إناء واحد"


إذًا هنا ليس المراد بوضوء الرّجال والنّساء بمعنى الاختلاط، إنّما هو وضوء الرّجل مع أهله، مع امرأته، وفقه البخاري دالٌّ على هذا


وفي موضع عند البخاري في الصّحيح من حديث عائشة -رضي الله عنها- أنّ النّبي -عليه الصلاة والسلام- أنّها قالت :"كنت أغتسل أنا ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- من إناء واحد من قدح بقال له الفَرَق"


بوّب له الإمام البخاري في الصّحيح :"باب غُسْل الرّجل مع امرأته"


جاء عند الإمام مالك في الموطّأ زيادة :"من الجنابة""كنت أغتسل أنا ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- من إناء واحد من قدح" يعني من الجنابة" يعني بسبب الجنابة.


ولهذا الذين قالوا بمنع وضوء الرّجل أو استخدام الرّجل فضل طهور المرأة لهم في ذلك حديث وهو حديث الحكم الغفاري -رضي الله تعالى عنه- أنّ النبي -عليه الصلاة والسلام- :"نهى أن يتوضّأ الرّجل بفضل طهور المرأة" أخرجه الإمام أبو داوود والنّسائي والتّرمذي وابن ماجه وأحمد؛ لكنّ هذا الحديث معلولٌ ضعيف عند النقّاد من أهل الحديث وقد أعلّه الإمام البخاري -رحمه الله- كما في العلل الكبير للتّرمذي وأعلّه أيضا الدّارقطني -رحمه الله- والبيهقي، والخطّابي، وابن القيّم، والنّووي، وغيرهم من الحفّاظ، فالحديث معلولٌ.


وعليه فإنّه يصحّ أن يتوضّأ أو أن يغتسل الرّجل من فضل طهوء المرأة والعكس.


نقف عند هذا وصلى الله على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلّم.



أسئلة الدّرس



هنا سائل عن مسألة أنّ طهارة الكافر الحسّية على القول بطهارة الكافر الحسيّة فما هو مفهوم قوله :"إنّ المؤمن لا ينجس"؟


*الجواب*:قد مرّ معنا أنّ هذا الحديث أصلٌ في طهارة المؤمن حيًّا وميّتا


بقي الكلام حول مسألة الكافر هل ينجس أم لا؟


هذا الحديث بهذا المفهوم لا يعني مفهومه نجاسة الكافر، دلالة المفهوم هنا غير واردة بمعنى أنّ الكافر نجسٌ ومن استدلّ بالنّجاسة عنده ماهو أصرح آية "إنّما المشركون نجس" ولهذا اتّفق العلماء على أنّ سؤر اليهودي والنّصراني طاهرٌ بالاتّفاق، ولم يقل أحدٌ بنجاسته.


وقد الإمام ابن تيميّة -رحمه الله- الكلام حول هذه المسألة فراجعوه.



هذا سائل يسأل فيما مضى حول مسألة قصّ الشّارب وهو أنّه جاء عند أحمد والتّرمذي والنّسائي أنّ النبي -عليه لصلاة والسلام- :"مَنْ لم يقص شاربه فليس منّا" وصحّحه الألباني


هل يدلّ على أنّ عدم قصّ الشّارب من الكبائر؟


*الجواب*: هذا وعيدٌ وهذا من الأدلّة التي قلنا أنّه لا يجوز أن يتجاوز فوق الأربعين، هذا من الأدلّة التي تُضَمُّ إلى القول بأنّ لهذا التّرك حدٌّ، وأنّه لا يجوز أن يتجاوز الأربعين؛ لكن إذا ما فحش وطال فوق الأربعين استحبّ له قصّه وإزالته.



قال إذا نزل في الماء أو البحر بنيّة الاغتسال من الجنابة فهل يتوضّأ بعد الخروج من الماء للصّلاة، أم يلزمه الوضوء للصّلاة؟.


*الجواب*: هذه مسألة متفرّعة، إزالة الحدث الأكبر تغني عن الحدث الأصغر أو لا؟


والقيام بالطّهارة الكبرى يغني عن الطّهارة الصّغرى أم لا؟


من أهل العلم من يقول بهذا، إذا ما نوى رفع ذلك


والذي يظهر ما جاء في الحديث والأحاديث الأخرى أنّه يتوضّأ غذا ما أراد رفع الحديث الأصغر والحدث الأكبر، يتوضّأ وينوي الرّفع للحدث الأكبر والأصغر؛ لأنّه قد مرّ معنا في حديث عمر -رضي الله تعالى عنه- في الصّحيحين :"إنّما الأعمال بالنيّات" قلنا من القواعد المستنبطة في هذا الحديث تمييز العبادات بعضها عن بعض فالوضوء عبادة مستقلّة، والاغتسال عبادة مستقلّة فمن التّمييز النيّة.


هل يجوز الجمع بين النيّتين في عبادة واحدة؟


مسألة محلّ نظر وتأمّل.



قال هل ترون المجاز في السنّة؟.


*الجواب*: كيف فهم هذا منّي؟!! في قولنا أنّه مجازٌ عن إمرار الماء للشّعر وتبليله؟


هذا استخدام لغوي صحيح، إلّا فالمراد بذلك كما مرّ معنا في الحديث إمضاؤه واستخدام صحيح؛ لكن ليس المعنى المراد القول بالجواز مطلقا، بجواز المجاز في السنّة، أبدا.



هل زيادة راوٍ تفرّد بها راوٍ عن غيره من الرّواة تعَدُّ شاذّة أم من أقسام الضّعيف؟


*الجواب*: هذا مبحثٌ طويل، مسألة التفرّد ، وهل التفرّد يعتبر مطلقا من الشّذوذ؟ أم من زيادات الثّقات؟ أم من المزيد في متّصل المسانيد؟ أو غير ذلك، فالزّيادة لها أحوال، ولها قانونها وكلٌّ بحسبه يُنْظَر فيه، وقد فصّلناه في شرحنا على النّخبة.



هل كلّ حديث معلولٌ ضعيف؟


*الجواب*: يعني العل منها القادح، ومنها غير القادح؛ ولكنّ الاستخدام في إطلاق مثل هذه اللّفظة في مثل هذه المقامات مقامات التّرجيح بين الأدلّة المراد بها التّضعي، بمعنى أنّ في الحديث علّى قادحة أوجبت ردّه


وإنّما الحديث المعلول ميدانه ومبحثه في أحاديث الثّقات، والعلل أجناسٌ كثيرة، ولهذا نحن نقول : نعم الحديث الضّعيف الذي ثبتت فيه العلّة القادحة نقول حديث ضعيف معلول بعلّة قادحة توجب ردّه


والضّعيف اسم جنس يشمل أنواعا كثيرة منها المطروح، والواهي، والشاذّ، والمنكر، والمضطرب، وغير ذلك.



هل يصحّ وضوء مَنْ بدأ وضوءه بغسل وجهه أو رجليه مثلا؟


*الجواب*: نحن مرّت معنا هذه المسألة مسألة التّرتيب في أعضاء الوضوء فليراجعه هذا الأخ السّائل.


وصلى الله على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلّم.
__________________
قال الشيخ أزهر سنيقرة حفظه الله :" ومطلُوبٌ مِن طلَبة العِلم العامِلين أن يُربُّوا شبابَ الأمَّة على التَّميِيز بين العُلماء وبينَ المتشبِّعين بما لم يُعطَوا، وأن يغرِسوا في قلوبِهم تعظِيمَ الحقِّ واتِّباعه، ويربِطوهُم بالوَحي المعصُوم، حتَّى لا يكونُوا أتباعًا لكلِّ ناعِقٍ"اهـ .من مقال بعنوان (استِنسارُ البُغاثِ)
رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 29 ( الأعضاء 0 والزوار 29)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
طريقة عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر رد
تفسير سورة الذاريات الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله أبوعبدالرحمن محمد ๑۩๑منبر القرآن الكريم..الحديث الشريف ๑۩๑ 0 04-11-2011 07:22:00 AM
حكم المظاهرات في الإسلام (الحلقة الأولى) للعلامة ربيع المدخلي رضا عثمان المرساوي ๑۩๑المنبر الاسلامي العام๑۩๑ 2 03-22-2011 21:44:40 PM
عبق الرياحين فى مواطن الشدة واللين سليمان بن هاشم السلفى ๑۩๑المنبر الاسلامي العام๑۩๑ 0 08-25-2010 20:19:05 PM
الحقوق والواجبات على الرجال والنساء في الإسلام سليمان بن هاشم السلفى ๑۩๑المنبر الاسلامي العام๑۩๑ 0 03-23-2010 12:37:04 PM


الساعة الآن 21:54:43 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd Hosted by www.algerianhost.com
Search Engine By : Rg Seo v1.0
vEhdaa 1.1 by NLP ©2009
Development By Magictor.com